الرئيسية التحكم
العودة   أنساق > الأدب العربي
التسجيل اجعل كافة الأقسام مقروءة

الأدب العربي مقالات مختارة في الأدب والنقد ..

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-19-2009, 10:39 PM   #9
يحيى الحكمي
لا شيءَ يفرِح
 
الصورة الرمزية يحيى الحكمي
 
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 8,856
افتراضي

كان العاصي قتيل عشق الدنيا، فكشف له بالمخوفات نقاب المحبوبة فسلا، ثم جليت عليه بالمشوقات محاسن الآخرة فمال الجيد إلى الجيد.
ألفيتها وللحـدا تـغـريد برامة إن ذكرت زرود
ولاح برق بثنيات الحمى تشيمه للأعين الرعـود
فمالت الأعناق منها طرباً كما يميل الناشد المنشود
هيهات يخفي ما به متيم دموعه بوجده شـهـود
أتدرون ما أوجب اصفرار هذا التائب? ومن أي شراب سكر هذا الشارب? وأي كتاب أقدم هذا الغائب?
كلمـا زاد كـربـه في هوى من يحبهُ
طار نحو الحبيب من شدة الشوق قلـبـه
دنف كاد ينقـضـي بيد البين نـحـبـه
خبرونا عن العقـيق متى سار ركـبـه
الفصل السادس عشر
يا من نسبه معرق في الموتى، وقد وعظوه وإن لم يسمع صوتاً، أدرك أمرك فما تأمن فوتاً.
لأبي نواس:
ألا كلُّ حي هالك وابن هالـك وذو نسب في الهالكين عريق
فقل لغريب الدار إنك راحـلُ إلى منزل نأى المحل سحـيق
وما تعدم الدنيا الدنية أهلـهـا شواظ حريق أو دخان حريق
تجرع فيها هالكاً فقد هـالـك وتشجى فريقاً منهم بـفـريق
فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها قراراً فما دنياك غير طـريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثـياب صـديق
عليك بدار لا يزال ظلالـهـا ولا يتأذى أهلها بـمـضـيق
فما يبلغ الراضي رضاه ببلغة ولا ينفع الصادي صداه بريق
يا راقداً وق أوذن بالرحيل، يا مشيد البنيان في مدارج السيول، بادر العمل قبل انقضاء العمر، لا تنس من يعد الأنفاس للقائك
وما هي إلا ليلة ثـم يومـهـا ويوم إلى يوم وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلـى الـبـلـى ويدنين أشلاء الصحيح إلى القـبـر
ويتركن أزواج الـغـيور لـغـيره ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
يا عجباً، أما تعلم ما أمامك? فتهيأ للرحيل وأصلح خيامك، وتأهب للردى واقطع قطع المدى مدامك، واجتهد أن ينشر الإخلاص في المحل الأعلى أعلامك، وأحضر قلبك وسمعك وإن ملا من لامك، وإياك والفتور فإني أرى الدواء دوامك، اطلب ما شئت بالعزم وأنا زعيم لك بالظفر، من عزم على أمر هيأ آلاته، لما كان شغل الغراب الندب على الأحباب لبس السواد قبل النوح.
أنفت شقة المهامة أن تـق طع إلا بالشد والتـرحـال
وأبى المجد أن ينال بغير ال جد فلتنتبه عقول الرجـال
إذا وقعت عزيمة الإنابة في قلب من "سبقت لهم منا الحسنى" قلعت قواعد الهوى من مسناة الأمل، ركب ابن أدهم يوماً للصيد وقد نصب له فخ "يهديهم ربهم" حوله حب "يحبهم" فصيد قبل أن يصيد، سمع هاتفاً يقول ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فكانت تلك العظة شربة نقضت قولنج الهوى يا له من سهم ألقاه عن قربوسه وبوسه، كان راقد الفهم في ليل الغفلة، مشغولاً بأحلام المنى، فصيح به قم فقام، فقيل له سر فاستقام.
للشريف الرضي:
رأى على الغور وميضاً فاشتاق ما أجلب البرق لماء الإمـاق
وعظه خطيب اليقظة فوصلت ملامته إلى سمع الأنفة، فنهضت حمية الرجولية، يا ابن أدهم مبارزة الصيد أول مراتب الشجاعة، أفترضى أن تستأسر لثعلب الهوى? يا ابن أدهم قتلك حب الدنيا فثر لأخذ الثأر، إن كانت لك عزيمة يا ابن أدهم فهذا الكميت وهذا الأدهم فصادف التحريض حريضاً فنهض.
للشريف الرضي:
ذكرتماني طلب الـفـضـائل أيقظتما مني غـير غـافـل
قوما فقد مللت من إقامـتـي والبيض أولى بي من المعاقل
شنا بي الغـارات كـل لـيلة وعوداني طرف العـوامـل
إن كان لا بد من الموت فمت تحت ظلال الأسل الذوابـل
هتف به متقاضي الشوق: يا ابن أدهم دخلت شهور الحج فما قعودك ببلخ? فرحل الراحلة وراح، لاحت له نار الهدى فصاح في جنود الهوى: "إنِّي آنست" فتجلى له أنيس "تجدني" فغاب عن وجوده، فلما أفاق من صعقة وجده وقد دك ظور نفسه، صاح لسان الإنابة "تُبتُ إليك".
رويداً أيها الحـادي سقيت الرايح الغادي
فتلك الدار قد لاحت وهذا الربع والوادي
فلما خرج عن ديار الغفلة، أومأت اليقظة إلى البطالة.
لابن المعتز:
سلام على اللذات واللهو والصبى سلام وداع لا سـلام قـــدوم
يا ابن أدهم لو عدت إلى قصرك فعبدت فيه، قال العزم كلا ليس للمبتوتة نفقة ولا سكنى.
أحن إلى الرمل اليمانـي صـبـابة وهذا لعمري لو رضـيتُ كـئيب
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصى وبالريح لم يسمع لهـن هـبـوب
أمرضه التخم فاستلذ طعم الجوع، وحمل جلده على ضعف جلده خشونة الصوف
حملتم جبال الحب فوقـي وإنـنـي لأعجز عن حمل القميص واضعف
لاح له جمال الآخرة فتثبتت في النظر عين اليقين، فتمكن الحب من حبة القلب فقام يسعى في جمع المهر من كسب الفقر، طال عليه انتظار اللقا فصار ناطور البساتين، تقاضته المحبة باقي دينها فسلم الروح في الغربة، هذا ثمن الوصل فتأخر يا مفلس.
دون المعالي مرتقى شاهق فطر إلى ذروتـه أوقـع
من لم يخض غمرتها لم يشد قواعد المجد ولـم يرفـع
كان إبراهيم إسكندري الهمة فاحتقر قصير بلخ في جنب ما أمل، فانتخب سوابق العزم وسار في جند الجد حتى قطع ظلمات الطبع، وبلغ إلى مطلع شمس لا تغرب، شكا إليه صفاء القلب من يأجوج وساوس النفس، فاستغاث بحامي المسكن فقيل له: شد سد العزم، فاستظهر بعد الزبر بالقطر، ثم انفرد من جند جوارحه فوقع بعين الحياة في السر فعاش بالتوفيق أبد الدهر.
أما تقومون كذا أو فاقعـدوا ما كل من رام السماء يصعدُ
نام على الهون الذليل ودرى جفن العزيز لم بات يسهـدُ
أخفهم سعـياً إلـى سـودده أحقهـم بـان يقـال سـيدُ

عن تعب أو رد سـاق أو لا ومسحت غرة سـبـاق يد
لو شرف الإنسان وهو وادع لقطع الصمصام وهو مغمدُ
الفصل السابع عشر
الدنيا دار المحن ودائرة الفتن، ساكنها بلا وطن واللبيب قد فطن.
للمصنف:
من مال إلى الدنيا وصبـا قد أمعن في الفاني طلبـا
خذ ما يبقى كيلا تشـقـى واتبع حقاً ودع اللـعـبـا
وذر الدنيا فلكم قـتـلـتْ مكراً بسهام هوى وصبـا
برت ورعت فإذا اجتمعت خدعت حتى قطعت إربا
يا عاشقها كم قد نصـبـت لهلاكك فاحذرها سبـبـا
يا آمنها كم قد سـلـبـت ولـداً بـراً أمـاً وأبــا
أفأين الجار أما قـد جـار فجارته حـتـى ذهـبـا
أم أين التراب أما تربـت خداه أما سكن الـتـربـا
كم خدت خداً في الأخـدود وقدت قداً منـتـصـبـا
كم ثغر ملتثـم ثـلـمـت قد كان لراشفه ضـربـا
فسقته المر لـدى جـدث وكذاك الدهر إذا ضربـا
وأتت قصراً يحوي نصراً فغدا وقصـاراه خـربـا
ومليكاً في صولة دولـتـه أضحى في الحفرة مغتربا
عرج بأمدار على الآثـار وسل طللاً أمسى شجبـا
ينبيك بـأنـهـم رحـلـوا وثوى من بعدهم الغربـا
بينا الإنسـان يرى رأسـاً فهوى رأساً فغدا ذنـبـا
فتأمـل عـاقـبة الـدنـيا فلعلك تصبح مجتـنـبـا
وتدبر ما صنعت فـلـقـد أبدت بصنايعها عـجـبـا
ينساك الأهل إذا رجعـوا عن قبرك لا تسمع كذبـا
تركوك أسيراً إذ ذهـبـوا بتراب ضريحك محتجبـا
وغدوا فرحين بما أخـذوا وغدوت باتمك محتقـبـا
وترى أعمالك قد حضرت فتنكس رأسك مكـتـئبـا
فكر في الذنب وما احتقبت كفاك عليك وما اكتسـبـا
كم بت على ذنب فـرحـاً وغدوت على ذنب طربـا
وعلمت بـأن الـلـه يرى فأسأت ولم تحسـن أدبـا
فأعد الزاد فمـا سـفـر كالموت ترى فيه نصبـا
وأفق والعمر بـه رمـق فكأن قد فات وقد ذهـبـا
يا كثير الدرن والدنس، يا من كلما قيل أقبل انتكس، يا من أمر بترك ما يفنى لما يبقى فعكس، جاء الأجل وحديث الأمل هوس، يا مؤثراً على الصواب عين الغلط، يا جارياً في أمره على أقبح نمط، يا مضيعاً وقته المغتم الملتقط، أي شيء بقي بعد الشمط? أتنسى ما سلف لك وفرط? وأبوك بزلة واحدة هبط، ما عندك من التوبة خير ولا لها فيك أثر، تنوب من الذنب، فإذا بدا لك بدا لك.
من علم أن عندنا حسن المآب آب، من خاف الجزاء بما في الكتاب تاب، من حذر اليم العذاب ذاب، من سار في طريق الإيجاب انجاب، من ذكر فعل الموت بالأب والجد جد، من تفكر في مرارة الكأس كاس، ويحك دع محبة الدنيا، فعابر السبيل لا يتوطن واعجباً تضيع منك حبة فتبكي وقد ضاع عمرك وأنت تضحك، تستوفي مكيال هواك وتطفف في كيل صلاتك "ألا بُعداً لمدين" تقف ببدنك في المحراب، ووجهك ملتفت للجراب، ما يصلح مثلك في الجرب، أنت تفضح صف الجهاد، ما تحسن الزردية على مخنث خمسين سنة في مكتب التعليم وما حذقت، أبا جاد غداً توبخ وقت عرض الألواح "ألم نعمركم" بضاعتك أيام عمرك وقد انتهبها قطاع الطريق، ورجعت إلى بيت الأسف بأعدال فارغة، فانظر لعله تخلف فيها شيء تعامل به، فبقية عمر المؤمن لا قيمة له.
سقيا لزماننا الذي كان لـنـا وافقرى أبعد ذا الفقر غنى
مر أسرع ما توقع البين بنا واقرب منيتي وما نلت منى
كان فضالة بن صيفي كثير البكاء، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته ما شأنه? قالت: زعم أنه يريد سفراً بعيداً وماله زاد.
يا هذا الآخرة دار سكانها الأخلاق الجميلة، فصادقوا اليوم سكانها لتنزلوا عليهم يوم القدوم، فإن من قدم إلى بلد لا صديق له به نزل بالعراء، يا هذا فتى العمر في خدمة البدن وحوائج القلب كلها واقفة، انهض إلى التلافي قبل التلف، الكلف يداوى قبل أن يصير بهقاً، والبهق يلاطف قبل أن يعود برصاً، أما سمعت في بداية الزلل "إذا مسَّهم طائف" وفي وسطه "كلا بل ران على قلوبهم" وفي آخره "أم على قلوب أقفالها" أتبكي على معاصيك? والإصرار يضحك، أتخادع التوبة? وإنما تمكر بدينك.
رأيتُ الناس خداعـاً إلى جانب خـداع
يعيشون مع الـذئب ويبكون مع الراعي
ويحك حصل كبريت عزيمة قبل أن تقدح نار توبة وقبل نزول الحرب تملأ الكمائن ويحك، لا تطمع أن تخرج إلى فضاء قلبك حتى تتخلص من ربقات نفسك، كيف لا يفتقر إلى الرياضة لإزالة الكدر? من أول غذائه دم الطمث، ابك على ظلام قلبك يضيء، إذا بكت السحاب إلى الربى تنسمت.
يا هذا، تسمع بالكيمياء وما رأيته صح قط، اجمع عقاقير التوبة في بوتقة العزم، وأوقد تحتها نار الأسى على ما سلف، فإن تصعد منها نفس أسف، صار نحاس نحوسك ذهب سعادة، أترى في بستاننا اليوم أثمر? قد توجه صلاحه، كأني أشم ريح كبد محترقة، أي قلب قد لفحته نار الوجد? ففاح نسيمه، أحسن مظلوم في سلك الاعتذار خرز الذل، أحلى نطق يلج سمع القبول الاستغفار، أطرب كلام يحرك قلب الرحمة التملق.
يا من بصدودهم لقلبي جرحـوا وازداد بي الغرام لما نـزحـوا
ما جدت بهم وهم بهجري سمحوا هذا المطروح كم ترى يطـرحُ
قال عبد الله بن مرزوق لغلامه عند الموت: احملني فاطرحني على تلك المزبلة، لعلي أموت عليها فيرى ذلي فيرحمني.
عودوا وتعطفوا على قلب كئيب لو جيب لبان فيه حزن ووجيب
يدعى للموت في هواكم فيجـيب من أمل مثل فضلكم كيف يخيب
المذنب يأوي إلى الذل والبكا كما يأوي الطفل إلى الأبوين، بكى أبوكم آدم على تفريطه حتى جرت الأودية من دموعه، كان كلما ذكر الجنة قلق، وكلما رأى الملائكة تصعد، يحترق تذكر المعاهد فحن.
والذي بالبين والبـعـدُ بـلانـي ما جرى ذكر الحمى إلا شجاني
حبذا أهل الحمى مـن سـاكـن شفني الشوق إليهم وبـرانـي
كلما رمت سـلـواً عـنـهـم جذب الشوق إليهم بعـنـانـي
أحسد الطير إذا طـارت إلـى أرضهم أو أقلعت للـطـيران
أتمنى أنـنـي أصـحـبـهـا نحوهم لو أنني أعطى الأمانـي
لا تزيدوني غرامـاً بـعـدكـم خل بي من بعدكم ما قد كفاني
ذهب العمر ولم أحـظ بـكـم وتقضي في تمنيكـم زمـانـي
يا خليلي احفظا عهـدي الـذي كنتما قبل النوى عاهدتمـانـي
واذكراني مثل ذكري لـكـمـا فمن الإنصاف أن لا تنسيانـي
وسلا من أنـا أهـواه عـلـى أي جرم صد عني وجفـانـي
الفصل الثامن عشر
أيها المشغول باللذات الفانيات، متى تسعد لملمات الممات? متى تستدرك هفوات الفوات? أتطمع مع حب الوسادات في لحاق السادات? وأنى تجعل مثلهم? أنى، وهيهات.
يا مدمن اللذات ناس غـدرهـا اذكر تهجم هـادمِ الـلـذاتِ
احذر مكايده فهـن كـوامـنٌ في كرك الأنفاس واللحظـات
تمضي حلاوة ما احتبقت وبعده تبقى عليك مرارة التبـعـات
يا حسرة العاصين يوم معادهم ولو أنهم سيقوا إلى الجـنـات
لو لم يكن إلا الحياء من الـذي ستر الذنوب لأكثروا الحسرات
يا عظيم الجرأة يا كثير الانبساط، ما تخاف عواقب هذا الإفراط? يا مؤثر الفاني على الباقي غلطة لا كالأغلاط، ألك صبر يقاوم ألم السياط? ألك قدم يصلح للمشي على الصراط? أيعجبك لباس الصحة? كلا، وثوب البلا يخاط بداء المتون، داء أعيى على بقراط. كم رحل الموت? على غارب اغتراب، كم ألحق ترباً بالأتراب في سفر التراب، إنما الموت مخرنبق ليقول، ومجرمز ليغول.
وكم من فتى يمسي ويصبح آمناً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
يا شدة الوجل عند حضور الأجل، يا حسرة الفوت عند حضور الموت، يا خجلة العاصين يا أسف المقصرين.
للحجاج:
إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي
فما انفـك مـن نـدم وهان دمي فها ندمي
استلب زمانك يا مسلوب! وغالب الهوى يا مغلوب! وحاسب نفسك فالعمر محسوب، وامسح قبيحك فالقبيح مكتوب، واعجباً لنائم وهو مطلوب، ولضاحك وعليه ذنوب.
ألا ذكِّراني قبل أن يأتي الـمـوتُ وبيني لجثماني بدار البلـى بـيتُ
وعرفني ربي طريق سـلامـتـي وبصَّرني لكنني قـد تـعـامـيتُ
وقالوا مشيب الرأس يحدو إلى البلى فقلت أراني قد قربـت فـأدنـيت
أين الدموع السواجم? قبل المنايا الهواجم، أين القلق الدائم? للذنوب القدايم، أترى آثرت الملاوم? في هذه الأقاوم، أيها القاعد والموت قائم أنائم أنت عن حديثنا أم متناوم? لا بد والله من ضربة لازم، تقرع لها سن نادم، لا بد من موج هول متلاطم، ينادي فيه نوح الأسى لا عاصم، لا بد من سقم السالم ينسى فيه يا أم سالم.
يا من سينأى عن بنيه كما نأى عنه أبـوه
مثل لنفسك قولهـم جاء اليقين فوجهوه
وتحللوا من ظلمـه قبل الممات وحللوه
يا مؤخراً توبته بمطل التسويف "لأي يومٍ أُجِّلتْ" كنت تقول إذا شئت تبت فهذي شهور الصيف عناقد انقضت، قدر أن الموت لا يأتي إلا بغتة! أليس مرض الموت يبغت? ويحك قد نفذ السليط، فاستدرك ذبالة المصباح، في كل يوم تضع قاعدة إنابة، ولكن على شفا جرف هار، كم تعزم على طاعة وتوبة، يا ليلى الهوى ما تبصر توبة، تبيت من العزم في شعار أويس، فإذا أصبحت أخذت طريق قيس تنقض عرى العزايم عروة عروة، كل صريع في الهوى رفيق عروة، كم تدفن كثيراً من الأعزة? وما يرجع كثير عن حب عزة.
جنونك مجنون ولست بواجد طبيباً يداوي من جنون جنون
خلق قلبك صافياً في الأصل، وإنما كدرته الخطايا، وفي الخلوة يركد الكدر، تلمح سبب هذا التكدير، فما يخفى الحال على متلمح، كنت مقيماً في دار الإنابة نظيفاً، فسافرت في الهوى فعلاك وسخ، أفلا تحن إلى النظافة? ألا يحرك البدوي ذكر نجد? طال مرضك واليوم بحران، أتدري ما البحران? تجتمع القوة والمرض فيختصمان، فإن تحلبته جاءت العافية، وإن تحلبها فالهلاك، هذه ساعة بحرانك، والعقل يقاوم الهوى، فانظر من يغلب? واعجباً كيف يستأسر أسد لثعلب? يا مستهاناً في خدمة النفس، اخرج إلى ديار القلب تعز، الفيلة في الهند عوامل تنقل رجال القوم وتخدمهم، فإذا خرجت إلى من يعرف قدرها. أكرمت، العود في بلاده خشب، فإذا سوفر به إلى طالب الطيب أعز، تفاح أصبهان في بلده فاكهة، فإذا جيء به إلى العراق، دل على الطباع اللطيفة بريحه. الفهد في الصحراء بهيمة، فإذا وقع بيد من يعرفه، غضب فيترضى، البازي في البرية طائر، فإذا صيد فسريره كف الملك.
يا مختار الكون وما يعرف قدر نفسه، أما أسجدت الملائكة بالأمس لك? وجعلتهم اليوم في خدمتك، لما تكبر عليك إبليس، وقد عبدني سنين طردته، أفتصافيه على خلافي? "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني" أنا القائل قبل وجود أبيك للملائكة "إني جاعلٌ في الأرض خليفة" اطلعوا من خوخات تعبدكم، فانظروا ما أصنع? أخذت قبضة من تراب، فصببت عليها قطرات من ماء "مرج البحرين يلتقيان" قال التراب والماء: وأي قدر لنا? فنزل دار تواضعهما عزيز "ونفخت فيه من روحي" فانضم صدف بحر البدن على در القلب، فانعقد فصار عرشاً لصفة "ويسعني".
خلا المثقف بالطفل داخل البيت، فسطر في لوح سره العلم "كتب في قلوبهم الإيمان" وأخرجه يوم التخيير وقد حذق المكتوب "فقال أنبئهم بأسمائهم" ثم قيل له، لا يحتمل موضع الخلع، وجوده ذر البذر، فاخرج إلى عالم الطبع، أكلت يا دودة القز، فاذهبي إلى الغزل، وتشاغلي بالنسج، فنزل إلى دار المجاهدة، فظهر من ثمرة شجرته، صبر الخليل، وثبوت الذبيح، وجهاد يوسف، وكمال محمد صلى الله عليه وسلم، ثم جاء أولياء في هذه الدولة، فخجلت عند زهدهم الرهبة، لا بل سبقوا تعبد الملائكة، قال سري: ما فاتني ورد قط فقدرت على إعادته، وذاك أن الزمان الذي مضى فيه وظيفة أخرى.
ما لي شغل سواه ما لي شغـل ما يصرف عن هواه قلبي عذل
ما أصنع إن جفا وخاب الأمـل مني بدل ومنه مـا لـي بـدل
كانت رابعة العابدة، تقوم من أول الليل، وتقول:
قام المحب إلى المؤمل قومه كاد الفؤاد من السرور يطير
فإذا انقضى الليل، صاحت: واحرباه، واسلباه.
ذهب الظلام بأنسه وبألفه ليت الظلام بأنسه يتجدد
دخلوا على زجلة العابدة، فكلموها في الرفق بنفسها، فقالت: والله لأصلين لله ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي. ولأبكين ما حملت الماء عيناي.
لا أقبل نصحكم فخلوا عـذلـي ما أعذب في الغرام طعم القتل
إن طل دمي فكم محب مثلـي قد ضرج باللحاظ لا بالنـبـل
أين أنت والأحباب? كم بين القشور واللباب? لصردر:
هل مدلج عنده من مبكر خبر وكيف يعلم حال الرائح الغادي
يا معجباً بتعبده، تأمل فضائل السابقين، وقد هدرت شقاشق كبرك النظر في سيرهم قرظ يجفف عفن الرعونة، مضى والله هل المعاني، وتخلف أرباب الدعاوي.
هاتيك ربوعهم وفيها كانوا بانوا عنها فليتهم ما بانوا
ناديت وفي حشاشتي نيران يا قوم متى تحول السكان
الفصل التاسع عشر
عجباً لراحل مات وما تزود للرحلة، ولمسافر ماج وما جمع للسفر رحلة، ولمنتقل إلى قبره لم يتأهب للنقلة، ولمفرط في أمره لم يستشر عقله.
لصردر:
لا مرية في الردى ولا جـدلُ العمر دين قضـاؤه الأجـلُ
للمرء في حتف أنفه شـغـل فما تريد السـيوف والأسـلُ
يفرى الدجى والضحى بأسلحة سيان فيها الدروع والحـلـلُ
كأس أديرت على لـذاذتـهـا عُدّل فيها الزعاف والعسـلُ
كل إلـى غـاية يصـير ولا تمييز إلا الإسراع والمَـهَـلُ
والناس ركب يهوون حثـهـم ولا يُسـرُّون أنـهـم نـزلُ
وسوف تطوى مسافة ذملـت بقاطعـيهـا ركـائب ذلـلُ
كيف يعد الدنيا لـه وطـنـاً من هو عنها ينأى وينتـقـلُ
نسخو بأعمارنا ونبـخـل بـا لمال فتبَّ السخاء والبـخـلُ
أضاع راقي الداء العضال كما ضيع في سمع عاشق عـدَلُ
ولو نجا الهائب الجبـان مـن الموت نجا في أقدامه البطلُ
ما أسلموا هذه النفـوس إلـى الأجداث إلا إذا ضاقت الحيلُ
ضرورة ذلت القـروم لـهـا وقد تقود المصاعب الجـدلُ
ومن حذار تبوأ الكدية الضب وأوفى الشواهـق الـوعـل
يقاد في عزه الخبعثنة الضـا ري ويدهي في ذله الجُعَـلُ
وهل يردُّ الأحباب أن ظعنـوا على محب أن يندب الطلـلُ
أخواني، مر الأقران على مدرجة، وخيول الرحيل للباقين مسرجة سار القوم إلى القبور هملجة وباتت أرواح من الأشباح مستخرجة، إلى كم هذا التسويف والمجمجة? بضائعكم كلها بهرجة، وطريقكم صعبة عوسجة، وستعرفون الخبر وقت الحشرجة.
يا من قد ساخ في أوساخ، إلى كم تملى? تعبت النساخ، يا من ضيع الشباب، وما يسمع العتاب وقد شاخ، بادر صبابة القوى، فاستدرك باقي الطباخ، وتأهب للرحيل فما هذه الدنيا بمناخ، كم بات مزمار في بيت فأصبح فيه الصراخ، أين من حصن الحصون واحترس وعمر الحدائق واحترس، ونصب سرير الكبر وجلس، وظن بقاء للنفس فخاب الظن في نفس، نازله الموت، وتركه في ظلام ظلمة بين العيب والدنس، فالعاقل من بادر الندامة، فإن السلامة خلس.
لابن المعتز:
ألا من لقلب في الهوى غير منـتـه وفي الغي مطواع وفي الرشد مكره
أشـاوره فـي تـوبة فـيقــول لا فإن قلت تأتي فتنة قال: أين هـي?
سابقة القدر قضت لقوم بدليل "سبقت لهم" وعلى قوم بدليل "غلبتْ علينا" تلقيح "سبقت" نور قلوب الجن "فقالوا سمعنا قرآناً عجبا" وخذلان "غلبت" أعمى بصائر قريش "فقالوا أساطير الأولين" إذا هزت صوارم القدر، تقلقلت رقاب المقربين غضب على قوم فلم تنفعهم الحسنات، ورضي عن قوم فلم تضرهم السيئات، ما نفعت عبادة إبليس، ولا ضر عناد السحرة.
هبت عواصف الأقدار في بيداء الأكوان، فنقلت الوجود وعم الخبر، فلما ركدت الريح، إذا أبو طالب غريق في لجة الهلاك وسلمان على ساحل السلامة، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه، وصهيب قد قدم بقافلة الروم، وأبو جهل في رقدة المخالفة، وبلال ينادي الصلاة خير من النوم، لما قضيت في القدم سلامة سلمان، أقبل يناظر أباه في دين قد أباه، فلم يعرف أبوه جواباً إلا القيد، وهذا الجواب المرذول قديم من يوم "حرقوه" فنزل به ضيف "ولنبلونكم" فنال بإكرامه مرتبة "سلمان منا" سمع أن ركباً على نية السفر، فسرق نفسه من حرز أبيه، ولا قطع، فوقف نفسه على خدمة الأدلاء وقرف الأذلاء، فلما أحس الرهبان بانقطاع دولتهم، سلموا إليه أعلام الأعلام على علامات نبينا، وقالوا أن زمنه قد أظل فاحذر أن تضل، وأنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين، فلو رأيتموه قد فلى الفلا والدليل شوقه، وخلى الوطن خلاء يزعجه توقه.
لأبي العلاء المعري:
وأبغضت فيك النخل والنخل يانـع وأعجبني من حبك الطلح والضال
وأهوى لجراك السماوة والغضـا ولو أن ضيفـيه وشـاة وعـذال
رحل مع رفقة لم يرفقوا "فشروه بثمن بخس" فابتاعه يهودي بالمدينة، فلما رأى الحرتين توقد خَرُشَوْقه، وما علم المنزل بوجد النازل.
للمتنبي:
أيدري الرَّبع أيّ دم أراقـا? وأيَّ قلوب هذا الركب شاقى
لنا ولأهلـه أبـداً قـلـوب تلاقي في جسومٍ ما تلاقـى
فبينا هو يكابد ساعات الانتظار، قدم البشير بقدوم البشير وسلمان في رأس نخلة، فكاد القلق يلقيه، لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم "أن كادت لتبدي به" ثم عجل النزول، ليلقى ركب السيارة.
خليلي من نجد قفا بي على الربى فقد هب من تلك الرسوم نسـيم
فصاح به المالك: مالك ولهذا? انصرف إلى شغلك، فأجاب لسان وجده، كيف انصرافي ولي في داركم شغل فاخذ يضربه، فأخذ لسان حاله يترنم، لو سمع الأطروش.
خليلي لا والله ما أنا منكما إذا علم من آل ليلى بداليا
فلما لقي الرسول عرض نسخة الرهبان بكتاب الأصل، فوافق ووافق، يا محمد أنت تريد أبا طالب ونحن نريد سلمان، أبو طالب إذا سئل عن اسمه، قال عبد مناف، وإذا انتسب افتخر بالآباء، إذا ذكرت الأموال عد الإبل، وسلمان، إذا سئل عن اسمه قال عبد الله وعن نسبه، قال ابن الإسلام، وعن لباسه قال التواضع، وعن طعامه قال الجوع، وعن شرابه قال الدموع، وعن وساده قال السهر، وعن فخره قال "سلمان منا" وعن قصده، قال: "يريدون وجهه".
للشبلي:
إن بيتاً أنت سـاكـنـه غير محتاج إلى السرج
وعـلـيلاً أنـت زائره قد آتاه الله بـالـفـرج
وجهك المأمول حجتنـا يوم يأتي الناس بالحجج
الفصل العشرون
يا من يمشي على ظهور الحفر، ويرى السابقين إلى بيوت المدر، لو أصغى سمع التدبير، سمع العبر، كفى بالموت واعظاً يا عمر.
لأبي العتاهية:
وعظتْكَ أجداثٌ ضمت ونعتك أزمنة خـفـت
وتكلمتْ عن أعـظـم تبلى وعن صور شتت
وارتك قبرك في القبور وأنت حيٌّ لم تـمـتْ
يا سادراً في سكر سروره، يا سادلاً ثوب غروره، كأنك بك قد اقتعدت غارب الغربة، واستبدلت بالأثواب التربة، سيقسم مالك من لا يحمدك، وستقدم على من لا يعذرك، غداً يرجع الحبيبان عنك، حبيبك من أهلك يقسم حبيبك من مالك، وأنت في قفر الفقر إلى ما أسلفت، تبكي على ما خلفت، بين أناس كلهم أسير الفرق، وجميعهم على مهاد القلق.
محلة سفر كـان آخـر زادهـم إليه متاع من حنوط ومن خرق
إلى منزل سوى البلى بين أهلـه فلم تستبن فيه الملوك من السوق
إلى متى تبقى بدائك? أهذا الذي تفعله برائك? لقد حل فناؤك بفنائك، وأخبر انتقاض بنائك بنمائك، وأن وراءك طالباً لا تفوته، وقد نصب لك علم لا تجوز، فما أسرع ما يدركك الطالب، وما أعجل ما تبلغ العلم، أخواني، هذا الموت غداً، يقول للرحيل غد، كيف بكم إذا صاح إسرافيل? في الصور بالصور، فأسمع العظام البالية تحت المدر، فاجتمعت من بطون السباع، وحواصل الطير، فقامت تبكي على فوات الخير، وسار الخلائق كلهم حفاة عراة، كل منهم مشغول بما عراه، وقد رجت الأرض وبست الجبال، وذهلت العقول وشاب الأطفال.
أيا نفس حقك أن تجزعـي ويا عين إياك أن تهجعـي
ويا أذن إن دعاك الـهـوى فإياك إياك أن تسمـعـي
وبالله يا جفن عيني القـريح ضرج بفيض الدما أدمعي
ويا كل جارحة لي علـيك حفيظ فابكي ونوحي معيد
يسير بنا الدهر من موضع ترحل عنه إلى مـوضـع
إلى حيث لا العين فيه ترى ولا الأذن إن خاطبوها تعي
فيا ويلنا من طريق هنـاك طويل بعيد المدى مسبـع
يا أهل الذنوب والخطايا ألكم صبر على العقوبة? "كلا إنها لظى" إذا شاهدت من اشترى لذة ساعة بعذاب سنين "تكاد تميَّز من الغيظ" من أراد أن ينجو منها فليتب "من قبل أن يتماسا" كيف أمن العصاة? "وإن منكم إلا واردها" كيف نسوا غب الزلل? "ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره".
أخواني، مثلوا أهل الجنة "يوم نحشر المتقين" "ونورهم يسعى بين أيديهم" ومعهم توقيع "لا خوفٌ عليهم" فلما وصلوا إلى الجنان "وفُتحت أبوابها" وبدأهم الخزنة "سلام عليكم طبتم" وبشروهم بالبقاء الدائم "فادخلوها خالدين" وقرأت الأملاك من سجل الأملاك مبلغ الثمن "بما صبرتم" وجميع المرادات داخلة في إقطاع "ما تشتهي أنفسكم" وقد استرجح في الميزان "ولدينا مزيد" وأتم التمام "وما هم منها بمخرجين".
وهذا السرور بتلك الكرب وهذا النعيم بذاك التعـب
ويحك ميز بعقلك وحسك بين الدارين، وأحضر الذنب والعقاب والمح العاقبتين، هذا الحيوان البهيمي ينظر في العواقب، الإبل يأكل الحيات فيشتد عطشه فيحوم حول الماء ولا يشرب لعلمه أن الماء ينفد السموم إلى أماكن لا يبلغها الطعام، ومن عادته أن يسقط قرنه كل سنة وهو سلاحه فيختفي إلى أن ينبت، هذه الحية، تختفي طول الشتاء بالأرض، فتخرج وقد عشى بصرها، فتحكه بأصول الرازايانج لأنه يزيل العشا، هذا الفهد إذا سمن علم أنه مطلوب وشحمه يمنعه من الهرب فهو يستر نفسه إلى أن ينحل الشحم، هذه النملة تدخر في الصيف للشتاء، فإذا خافت عفن الحب أخرجته إلى الهواء فإذا حذرت أن ينبت نقرت موضع القطمير.
أسمعت يا مقطوع الحيلة? متى تدخر من صيف قوتك إلى شتاء عجزك? هذه السمكة إذا حبستها الشبكة جمزت بكل قوتها لتقطع الحابس، لو نهضت بقوة العزم لانخرقت شبكة الهوى، إذا مد النهر اغتنمت ذلك المد الزنابير، فبنت منه بيوتاً لأنه لا يصلح لها غيره، مد بحر الشباب وما بنيت بيت جد، فحدثني ما الذي تصنع في القحل? إن فاتك زمن المد، فمد اليد للسؤال حيلة المفلس.
يا محصراً عن الوصول لا يجزيه الهدى، يا منقطعاً في الطريق عن جملة الوفد، تحامل إلى بعض خيم أهل الوصل، واشهد على وصيتك ذوي عدل، وناد في النادي بصوت الذل.
إذا ما وصلتم سالمين فبـلِّـغـوا تحيةً من قد ظن أن لا يرى نجداً
وابسط في الدجى يد الطلب، فأطيب ما أكل الرجل، من كسب يده، وقل بلسان التملق:
أحبابنا أنا ذاكم العبـد الـذي راعيتموه نـاشـئاً وولـيداً
حالت به الأحوال بعد فراقكم فرمى بأسرته وجاء فـريدا
إذا جلست في ظلام الليل بيد يدي سيدك فاستعمل أخلاق الأطفال، فإن الطفل إذا طلب من أبيه شيئاً فلم يعطه يكن عليه.
بلغ المنى من حل في وادي منى غيري فإني ما بلغت مـرادي
وبكيت من ألم الفراق وشقوتـي فبكى الحجيج بأسره والـوادي
يا من قد نزلت به بلية الطرد، تروح إلى حديث المناجاة وإن لم تسمع منك، وابعث رسائل الأحزان مع رياح الأسحار ولو لم تصل.
يا نسيم الشمال بلـغ خـطـابـي واشف مني الجوى بحمل الجواب
طفت بساحات ذلك الربع واحمل ذرة من تراب ذاك الجـنـاب
قل لمولاي يا منى الروح والقلب ومن فيه ذلتي وانـتـحـابـي
كنت أخشى الوشاة فيك ولـكـن جفوة الحب لم تكن في حسابي
الفصل الحادي والعشرون
يا ساعياً لنفسه في المهالك، دنا الرحيل ونضو النقلة بارك، متى تذكر وحشتك بعد إيناسك? متى تقتدي من ناسك بناسك? كأنك بك قد خرجت عن أهلك وولدك، وانفردت عن عددك وعددك، وقتلك بسيف الندم ولم يدك، ورحلت ولم يحصل بيدك إلا عض يدك.
كأنك لم تسمع بأخبار من مـضـى ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر
فإن كنت لا تدري فتلـك ديارهـم محاها مجال الريح بعدك والقطر
على ذاك مروا أجمعون وهـكـذا يمرون حتى يستردهم الـحـشـر
فحتام لا تصحو وقد قرب المـدى وحتام لا ينجاب عن قلبك السكـر
بل سوف تصحو حين ينكشف الغطا وتذكر قولي حين لا ينفع الذكـر
يا من يذنب ولا يتوب، كم قد كتبت عليك ذنوب? خل الأمل الكذوب، فرب شروق بلا غروب، وا آسفي أين القلوب? تفرقت بالهوى في شعوب، ندعوك إلى صلاحك ولا تؤوب، واعجباً الناس ضروب، متى تنته لخلاصك أيها الناعس? متى تطلب الأخرى يا من على الدنيا ينافس? متى تذكر وحدتك إذ انفردت عن موانس? يا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس، يا من تحدثه الأماني دع هذه الوساوس.
أين الجبابرة الأكاسرة الشجعان الفوارس، أين الأسد الضواري والظباء الكوانس، أين من اعتاد سعة القصور حبس من القبور في أضيق المحابس، أين الرافل في أثوابه عري في ترابه عن الملابس، أين الغافل في أمله عن أجله سلبه كف المخالس، أين حارس المال، أخذ المحروس وقتل الحارس.
يا مضمراً حب الدنيا إضمار الجمل الحقود، نبعث منقاش اللوم وما يصل إلى شظايا المحبة، الدنيا جيفة قد أراحت ومزكوم الغفلة ما يدري، سوق فيها ضجيج الهوى، فمن يسمع المواعظ.
علمتني بهجرها الصبر عنها فهي مشكورة على التقبيح
إذا أردت دواء حبها فما قل في الشربة صبر، انفرد في صومعة الزهد، واحفر خندق الحذر، وأقم حارس الورع، ولا تطلع من خوخة مسامحة فإن البغي في الفتى صناع.
لصردر:
النجاء النجاء من أرض نجد قبل أن يعلق الفؤاد بوجـد
كم خلى غدا إليه وأمسـى وهو يهوي بعلوة وبهـنـد
حصّن حصن التقى بسور القناعة، فإن لص الحرص يطلب ثمة، غريم الطبع متقاض ملح، والشره شرك، وخمار المنى داء قاتل، بينا الحرص يمد وتر الأمل انقطع، هل العيش إلا كأس مشوبة بالكدر ثم رسوتها الموت "فابتغوا عند الله الرزق".
قال محمد بن واسع لو رأيتم رجلاً في الجنة يبكي، أما كنتم تعجبون? قالوا بلى، قال: فأعجب منه في الدنيا رجل يضحك ولا يدري إلى ما يصير? ضحك بعض الصالحين يوماً ثم انتبه لنفسه فقال: تضحكين? وما جزت العقبة، والله لا ضحكت بعدها، حتى أعلم بماذا تقع الواقعة?
يا نسيم الشمال بالله بلغ ما يقول المتيم المستهام
قل لأحبابنا فداكم محب ليس يسلو ومقلة لا تنام
كل عيش ولذة وسرور قبل لقياكم علي حرام
فرغ القوم قلوبهم من الشواغل، فضربت فيها سرادقات المحبوب، فأقاموا العيون تحرس تارة، وترش الأرض تارة، هيهات هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بسمع الملك.
لابن المعتز:
أيها الملك الذي سهـري فـيه كطعم الرقاد بل هو أحـلـى
غرضي ما يريده بي حبـيبـي لو سقاني مهلاً لما قلت مهلا
لست أدري أطال لـيلـي أم لا كيف يدري بذاك من يتقـلـى
إن العاشقين في قصر الـلـيل وفي طوله عن النوم شـغـلا
لو تفرغت لاستطـالة لـيلـي أو لرعي النجوم كنت مخـلا
وغرام الفؤاد مذ غبت عـنـه لم يحل عن هواك حاشى وكلا
قلوب العارفين، مملوءة بذكر الحبيب، ليس فيها سعة لغيره.
قد صيغ قلبي على مقدار حبهم فما لحب سواهم فيه متسـع
إن نطقوا فبذكره، وإن تحركوا فبأمره، وإن فرحوا فلقربه، وإن ترحوا فلعتبه.
والله ما طلعت شمس ولا غربـت إلا وأنت مني قلبي ووسـواسـي
ولا جلست إلى قـوم أحـدثـهـم إلا وأنت حديثي بـين جـلاسـي
ولا هممت بشرب الماء من عطش إلا رأيت خيالاً منك في الكـاس
أقواتهم ذكرى الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا يتكلمون في غير رضاه بلفظة.
حياتي منك في روح الوصـال وصبري عنك من سلب المحال
وكيف الصبر عنك وأي صبـر لعطشان عن المـاء الـزلال
إذا لعب الرجال بكـل شـيء رأيت الحب يلعب بالـرجـال
كم تدرس أخبارهم وما تدرس، لئن طواهم الفناء لقد نشرهم الثناء، لو سمعتهم في الدجا يعجون، لو رأيتهم في الأسحار يضجون، لولا نسايم الرجاء كانوا ينضجون.
ما لي عن وصلك اصطبار إليك من هجرك الفـرارُ
أصبحتُ ظمآن ذا جفـون مياه أخلافـهـا غـزارُ
أرومُ كتمـان مـا ألاقـي وبالأماقي له اشـتـهـارُ
ومن نسيم الصبـا إذا مـا هبت على أرضكم أغـار
آه لذكرى ديار سـلـمـى لا أجدبت تلـكـم الـديار
لهفي لعيش بهـا تـولـي نظير أيامه الـنـضـارُ
إذ أعين الدهـر راقـدات وفي غضون الهوى ثمارُ
الفصل الثاني والعشرون
أيها الحاطب على أزره، وزراً وآثاماً، تنبه ترى الدنيا أحلى ما كانت أحلاماً، كم نكس الموت فيها أعلاماً أعلى ما، كم أذل بقهره أقواماً أقوى ما، لا كان مفتاح أمسى له الموت ختاماً.
مَن على هذه الـديار أقـامـا أو صفا ملبس علـيه فـدامـا
عج بنا ننـدب الـذين تـولـوا باقتياد المنون عاماً فـعـامـا
تركوا كـل ذروة مـن أشـم يحسر الطرف ثم حلوا الرغاما
يا لحا الله مهملاً حسب الدهـر نؤوم الجفون عنـه فـنـامـا
هل لنا بالـغـين كـل مـراد غير ما يملأ الضلوع طعامـا
وإذا أعوز الحلال فشل الـلـه كفا جرت إلـيهـا حـرامـا
التبعات تبقى واللذات تمر، وغب الأرى وإن حلا فهو مر، وكأن قد عوى في دار العوافي ذئب الضر، وما يلهي شيء من الدنيا ويسر إلا يؤذي ويضر، وقد بانت عيوبها، فليس فيها ما يغر وإنما يعشقها الجهول ويأنف منها الحر.
تذل الرجال لأطماعها كذل العبيد لأربابهـا
ولا تجنين ثمار المنى فتجنى الهوان بأعقابها
أخواني، ربما أورد الطمع ولم يصدر، كم شارب شرق قبل الري? من أخطأته سهام المنية قيده عقال الهرم، ألا يتيقظ العاقل بأضرابه، ألا يتنبه الغافل بأوصابه، أيسلم والرامي تحت ثيابه? يا مريضاً أتعب الأطباء ما به، كأنك بالدنيا التي تقول مرحباً قد حلت الحبى وتفرقت أيدي سبا.
ويحك أخوك من عذلك لا من عذرك، صديقك من صدقك لا من صدّقك، ويحك من يطربك يطغيك، ومالا يعنبك يعنيك، تتوب صباحاً فإذا أمسيت تحول وتعول وتقول غير أنك تنقض ما تقول، وتتلون دائماً كما تتلون الغول.
يا عبد الهوى، إن دعا أمّنت وإن ادعى آمنت، كم قال لك الهوى وما سمعت، أنا مكار وتبعت، والله لقد أفتك أضعاف ما أفدتك، ولقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر، لما رأى المتيقظون سطوة الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابها لجأوا إلى حصن الزهد، كما يأوي الصيد المذعور إلى الحرم، لاح لهم حب المشتهي، فلما مدوا إليه أيدي التناول بان لأبصار البصائر، خيط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر، وصوتوا إلى الرعيل الثاني "يا ليتَ قومي يعلمون" جمعوا الرحل قبل الرحيل، وشمروا في سواء السبيل، فالناس في الغفلات وهم في قطع الفلاة "تلك أمة قد خلتْ" لو رأيت مطايا أجسامهم، وقد أذا بها السرى فهي تحن مما تجن فتبكي الحداد.
للمصنف:
حنتْ فأذكتْ لوعـتـي حـنـينـا أشكو من البين وتشكـو الـبـينـا
قد عاث في أشخاصها طولُ السرى بقدر ما عـاث الـفـراق فـينـا
فخلها تمشي الهـوينـا طـال مـا أضحت تباري الريح في البرينـا
وكيف لا نأوي لها وهـي الـتـي بها قطعنا السهـل والـحـزونـا
إن كن لم يفصحن بالشكوى لنا فهن بالأرزام يشـتـكـينـا
قد أقرحت بما تحن كـبـدي إن الحزين يسعد الحـزينـا
وقد تياسرت بـهـن جـائراً عن الحمى فاعدل بها يمينـا
يقول صاحبي أترى آثارهـم نعم ولكن لا أرى القطـينـا
لو لم تجد ربوعهم كوجـدنـا للبين لم تبل كمـا بـلـينـا
أكلما لاح لـعـينـي بـارق بكت فأبدت سرى المصونـا
لا تأخذوا قلبي بذنب مقلتـي وعذبوا الخـائن لا الأمـينـا
دارت قلوب القوم في دائرة الخوف، دوران الكرة تحت الصولجان فهاموا في فلوات القلق، فمن خايف مستجير، ومن واحد يقول، ومن سكران يبث.
إذا لعب الرجال بكل شيء رأيت الحب يلعب بالرجال
طالت عليهم بادية الرياضة، ثم بدت بعدها الرياض، استوطنوا فردوس الأنس في قلة طور الطلب.
شقينا في الهوى زمناً فلمـا تلاقينا كأنا مـا شـقـينـا
سخطنا عندما جنت الليالـي فما زالت بنا حتى رضينـا
فمن لم يحيى بعد الموت يوماً فإنا بعد ما متـنـا حـيينـا
وقفت على قبر بعض الصالحين فقلت: يا فلان، بماذا نلت تردد الأقدام إليك? فقال: أقدمت على رد الهوى بلا تردد، فترددت إلي الأقدام، كان عطر إخلاصي خالصاً فعبق نشره بالأرواح.
للمهيار:
جرتْ مع الرسم لي محاورةٌ فهمتُ منها ما قاله الرسـمُ
هل لك بالنازلين أرض منى يا علَمَ الشوقِ بعدنا عِـلـمُ
أدلج القوم طول الليل في السرى، وخافوا عوز الماء فتمموا المزاد بالبكاء.
سلو غير طرفي إن سألتم عن الكرى فما لجفون العـاشـقـين مـنـام
سكن الخوف قلوبهم فإذا بها، فإذا بها في محلة الأمن، نحلوا المعرفة فتحلوا فعمر قصر القلب للملك، وقنعت الحواشي في القاع بالخيم.
وكم ناحل بين تلك الخيام تحسبه بعض أطنابهـا
يا هذا، سرادق المحبة لا يضرب إلا في قاع فارغ نزه "فرِّغ قلبك من غيري ،أسكنه".
للشريف الرضي:
تركوا الدار فـلـمـا نزلوا القلب أقامـوا
يا خليلي اسـقـيانـي زمن الوجـد مـدامُ
وصِفا لي قلعة الركب ولـلـيلِ مُـقــامُ
ومِـنـىً أين مـنـىً مِنِّي لقد شط المَـرامُ
هل على جمع نزول وعلى الخيف خـيام
بحق لا بد أن المحبين تذوب، ولسماء أعينهم تهمي وتصوب، لو حملوا جبال الأرض مع كر الكروب، كان ذلك قليلاً في حب المحبوب.
لابن المعتز:
رأى خضوعي فصدَّ عني فازددت ذلاً فزادتـيهـا
قلت له خالـياً وعـينـي قد أحرق الدمع ما يليهـا
هل لي في الحب من شبيه قال: وأبصرت لي شبيها
الفصل الثالث والعشرون
أخواني، شمروا عن سوق الدأب في سوق الأدب، واعتبروا بالراحلين وسلوا السلب قبل أن يفوت الغرض بالمرض إن عرض، فكأنكم بمبسوط الأمل قد انقبض، وبمشيد المنى قد انتقض.
يا ساكن الدنيا تأهّـب وانتظر يوم الفـراق
وأعد زاداً للـرحـيل فسوف يحدى بالرفاق
وابك الذنوب يا دمـع تنهل من سحب المآق
يا من أضاع زمانـه أرضيت ما يفنى بباق
أين عزائم الرجال? أين صرائم الأبطال? تدعي وتتوانى، هذا محال.
أشتاقكم ويحول العزم دونـكـم فأدعي بعدكم عنـي وأعـتـذر
وأشتكي خطراً بيني وبـينـكـم وآية الشوق أن يستصغر الخطر
إن هممت فبادر، وإن عزمت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر. قال عمر بن عبد العزيز: خلقت لي نفس تواقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة.
لأبي فراس:
بدوت وأهلي حاضرون لأنـنـي أرى أن داراً لست من أهلها قفر
وما حاجتي في المال أبغي وفوره إذا لم يفر عرضي فلا وفر الوفر
وقال أصيحابي الفرار أو الـردى فقلت هما أمران أحلاهمـا مـر
سيذكرني قومي إذ جـد جـدهـم وفي الليلة الظلماء يفتقد الـبـدر
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به وما كان يغلو التبر لو نفق الصبر
ونحن أناس لا توسـط عـنـدنـا لنا الصدر دون العالمين أو القبـر
تهون علينا في المعالي نفوسـنـا ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
ابتليت الهمم العالية بعشق الفضائل، شجر المكاره يثمر المكارم، متى لاحت الفريسة قذفت الغابة السبع، إذا استقام للجواد الشوط لم يحوج راكبه إلى سوط، من ضرب يوم الوغى وجه الهوى بسهم، ضرب مع الشجعان يوم القسمة بسهم، من اشتغل بالعمارة استغل الخراج، إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة ثم ردفه قمر العزيمة "أشرقت الأرض بنور ربها" يا طالباً للبدعة أخطأت الطريق، علة الراحة التعب، إن لم تكن أسداً في العزم ولا غزالاً في السبق فلا تتثعلب، يا هذا الجد جناح النجاة وكسلك مزمن، من كد كد العبيد تنعم تنعم الأحرار، من امتطى راحلة الشوق لم يشق عليه بعد السفر.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
يا هذا ركائب الرحيل قد أنيخت بالجناب ولم تتحرج، وناقد البايع قائم على الباب ونقدك بهرج، كيف يلحق السابقين كسلان أعرج? لو تنقلت على عيطموس العزم وهوجاء الطلب وبميسجور القصد، وجعلباة السير، ومشمعلة الجد، ووصلت الديجور بالضحى لانقطعت الديمومة القذف، ولكنك استوطأت مهاد الكسل وإبر النحل دون العسل.
قيل لبعض أهل الرياضة: كيف غلبت نفسك? فقال: قمت في صف حربها بسلاح الجد، فخرج مرحب الهوى بدافع، فعلاه على العزم بصارم الحزم، فلم تمض ساعة حتى ملكت خيبر







يحيى الحكمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2009, 10:42 PM   #10
يحيى الحكمي
لا شيءَ يفرِح
 
الصورة الرمزية يحيى الحكمي
 
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 8,856
افتراضي

، وقيل لآخر: كيف قدرت على هواك? فقال: خدعته حتى أسرته واستلبت عوده فكسرته وقيدته بقيد العزلة، وحفرت له مطمور الخمول في بيت التواضع، وضربته بسياط الجوع، فلان يا فلان، ألك? في مجاهدة النفس نية أم النية نية? أتعبتني وأنت أنت، يا خنشليلا في كل دردبيس، إلى متى تجول في طلب هجول? ما نفشت غنم العيون النواظر في زروع الوجوه النواضر إلا وأغير على السرح، من تعرض للعنقفير لقي الأمرين، المتعرض للنبلة أبله، ما عزَّ يوسف إلا بترك ما ذل به ماعز، لو ركد كدر دهن الذهن سمت ذبالة المصباح.
أخواني إلى متى سكر عن المقصود? ألا صحو ساعة? أريقوا قرقف الهوى قبل هجوم صاحب الشرطة، اكسروا الظروف ظرفاً ليعلم حسن قصدكم للتوبة، وليشغلكم ذكر صوت الناي عن صوت الناي، والفكر في خراب المغاني عن لغات الأغاني، فكم من شاب ما شاب، وكم من راج راج له أن خاب، ما أسرع افتراق الصاحبين إذا صاح بين، "فمفترق جاران داراهما عمر".
مثل أهل الدنيا في غفلتهم وطول آمالهم كمثل الحاج، نزلوا منزلاً فقام أقوام يقطعون الصخور ويبنون البيوت، فقال المتيقظون: ويحكم ما هذا البله? الرحيل بعد ساعة، لو علم الورد قصر عمره ما تبسم، بينما هو ينشر بز ريحه، في شمال البكور بزه الناطور فإذا به في زجاجة الزور، فانتبه أنت ولا تغتر بزور نسيم الدجى يفتح مستغلق الجبند، وخوف سموم النهار يعيد اللينوفر إلى الماء، اسمع يا من لا يحركه تشويق، ولا يزعجه تخويف.
إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة
تزوج صلة بن أشيم فأدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخل إلى المرأة وقد طيب فقام يصلي فمد الصلاة إلى الفجر، فعاتبه ابن أخيه فقال: إنك أدخلتني أمس بيتاً ذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتاً ذكرتني به الجنة، فما زال فكري فيهما حتى أصبحت.
كفى حزنـاً أن لا أعـاين بـقـعة من الأرض إلا ازددت شوقاً إليكم
وإني متى ما طاب لي خفض عيشة تذكرت أياماً مضت لـي لـديكـم
مر بعض الفقراء بامرأة فأعجبته فتزوجها، فلما دخل البيت نزعوا خلقانه وألبسوه ثياباً جدداً، فلما جن عليه الليل طلب قلبه فلم يجده فصاح: خلقاني خلقاني، فأخذها ورجع.
للشريف الرضي:
ما ساعفتني الليالي بعد بعـدهـم إلا ذكرت ليالينـا بـذي سـلـم
ولا استجد فؤادي في الزمان هوى إلا ذكرت هوى أيامنـا الـقـدم
لا تطلبن لي الأبدال بعدهـم فإن قلبي لا يرضى بغيرهم
الفصل الرابع والعشرون
يا طويل الأمل في قصير الأجل، أما رأيت مستلباً وما كمل? أتؤخر الإنابة وتعجل الزلل.
يا من يعد غداً لتوبـتـه أعلى يقين من بلوغ غد
المرء في زلل على أمل ومنية الإنسان بالرصـد
أيام عمرك كلهـا عـدد ولعل يومك آخر العدد
يا أخي التوبة التوبة قبل أن تصل إليك النوبة، الإنابة الإنابة قبل أن يغلق باب الإجابة، الإفاقة الإفاقة فيا قرب وقت الفاقة، إنما الدنيا سوق للتجر، ومجلس وعظ للزجر، وليل صيف قريب الفجر، المكنة مزنة صيف، الفرصة زورة طيف، الصحة رقدة ضيف، الغرة نقدة زيف، الدنيا معشوقة وكيف، البدار البدار فالوقت سيف.
يا غافلاً عن مصيره، يا واقفاً في تقصيره سبقك أهل العزائم وأنت في اليقظة نائم، قف على الباب وقوف نادم، ونكس رأس الذل وقل أنا ظالم، وناد في الأسحار مذنب وواجم، وتشبه بالقوم وإن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح الزفرات سحاب دمع ساجم، قم في الدجا نادبا، وقف على الباب تائبا، واستدرك من الغمر ذاهباً، ودع اللهو والهوى جانباً، وإذ لاح الغرور رأى راهباً، وطلق الدنيا إن كنت للأخرى طالباً ولكن بلا قلب إلى أين أذهب.
يا من قد ضاع قلبه اطلبه في مظان إنشاد الضلال، الضايع إنما ينشد في المجامع، فاطلب قلبك في مجالس الذكر، أو بين أهل المقابر، وربما دخلت بيت الفكر فرأيته فأي موضع غلب على ظنك وجوده فلا تقصر في البحث عنه، هذه النسور والرخم على كثافة طبعها إذا رأت جيشاً تبعته لما ترجو من قتال يوجب قتلى وأخداج حامل، أفما ترجو أنت في المجلس إجابة دعوة أو حضور قلب? يا نائماً طول الليل، سارت الرفقة، رحل القوم كلهم وما انتبهت من الرقدة، ويحك أتدري ما صنعت بنفسك? دخلت دار الهوى فقامرت بعمرك، كنت أمس قلب أمس فتراك في تصحيف ترى، لاحت لك العاجلة، فهمت كأنك ما فهمت فلما تبدلت تبلدت أخبرني عن تخليطك فالطبيب لا يكذب، سجيتك تعلمني فاسمع أحدثك، استكثرت من برودات الغفلة فقعد نشاط العزم، فلو قاومتها بحرارات الحذر لقام المقعد، أما تعلم أن مطاعم المطامع تولد سدداً في كبد الجد، المحنة العظمى موافقة الهوى من غير تدبر، أنت ترى ما تشتهي فتضرب الحد.
يا أسيراً في قبضة الغفلة، يا صريعاً في سكرة المهلة، أما يخطر بقلبك خطر أمرك، ويحك قد وهن العظم العظيم وما شابت همة الأمل، اخلق برد الحياة وما انكفت كف البطالة، قربت نوق الرحيل وما في المزاد زاد قدمت معابر العبور وأنت تلهو على الساحل، أكثر العمر قد مر، وأنت تتغلغل في تضييع الغابر، أترجح الفاني على الباقي? تثبت، ففي الميزان عين، إن حركك حظ من حظ فالحظ الحظ الأحظ، والله لو شغلك نيل الجنة عن الحق لحظة كان في تدبيرك وكس، ويحك أنا بدك اللازم فالزم بدك، خاصمت عنك قبل وجودك "إني أعلم" واعتذرت عنك في زلل "فدلاهما" ولقنتك العذر "ما غرك بربك" وواصلتك برسائل "هل من سائل".
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل فريح الصبا مني إليك رسول
كان بعض الأغنياء كثير الشكر، فطال عليه الأمد فبطر وعصى فما زالت نعمته ولا تغيرت حالته، فقال: يا رب تبدلت طاعتي، وما تغيرت نعمتي، فهتف به هاتف: يا هذا لأيام الوصال عندنا حرمة حفظناها وضيعتها.
للمهيار:
سَلْ بـسـلـعٍ كـان وكـنـا ليت شعري ما الذي ألهاك عنّا
أهوىً أحدّثْـتَـه أم كـاشـحٌ دبَّ أم ذنبٌ سرى أم تتجنّـى
تاب رجل ممن كان قبلكم ثم نقض، فهتف به هاتف في الليل:
سأترك ما بيني وبينك واقفاً فإن عدت عدنا والوداد سليم
تواصل قوماً لا وفاء لعهدهم وتترك مثلي والحفاظ قديم
يا ناقضي العهود انظروا لمن عاهدتم، تلافوا خرق الخطاء قبل أن يتسع.
عودوا إلى العهد عودوا فالهجر صعب شـديد
تذكرونا فمـا عـهـد نا لـديكـم بـعــيد
هل يرجع البان يومـاً وهل تـعـود زرود
يا هذا أقبل علينا، تر من إقبالنا عليك العجب، احفظ الله يحفظك، اطلب الله تجده أمامك، من كان لنا عينا على قلبه، أجرينا له جامكية أمين.
أنت على البعد همومي إذا غبت أشجاني على القرب
لا أتبع القلب إلى غيركـم عيني لكم عين وعلى قلبي
يا هذا حفر النهر إليك وإجراء الماء ليس عليك، احفر ساقية "فاذكروني" إلى جنب بحر "أذكركم" فإذا بالغ فيها معول الكد، فاضت عليك مياه البحر، "فبي يسمع وبي يبصر" الق بذر الفكر في أرض الخلوة وسق إلى ساقية من ماء الفكر، لعلها تنبت لك شجرة "أنا جليس من ذكرني".
للشريف الرضي:
يُرَنِّحُني إليكَ الشوق حتـى أميل من اليمين إلى الشمالِ
كما مال المُعاقِر عـاودَتْـه حُمَيّا الكأس حالاً بعد حالِ
ويأخذني لذكـراك ارتـياحٌ كما نشط الأسير من العِقالِ
وأيسرُ ما ألاقي أن هـمّـا يُغَصِّصُني بذا الماءِ الزلالِ
هبت رياح الخوف فقلقلت قلوب الخائفين فلم تترك ثمرة دمع في فنن جفن، إذا نزل آب في القلب، سكن أذار في العين.
تبلني بجفـاً يزيد خـضـوعـي يكفيك أن النار بين ضلـوعـي
وحياة سقمي في هـواك فـإنـه قسم الهوى ووحق فيض دموعي
لأوكلن عليك عيني بـالـبـكـاء ولأعشقن عليك طول هلوعـي
كانت مع هشام بن حسان جارية في الدار فكانت تقول: أي ذنب عمل هذا? من قتل هذا? فتراه الليل كله يبكي.
تركت الفؤاد علـيلاً يعـاد وشردت نومي فما لي رقاد
كان فتح الموصلي يبكي الدموع ثم يبكي الدم، فقيل له: على ماذا بكيت الدم? فقال: خوفاً على الدموع أن تكون ما صحت لي.
يا من لفؤاد وامق ما يصحـو قد طال لعظم ما عناه الشرح
والعين لها دم ودمع سـمـح ذا يكتب شجوه وهذا يمحـو
الفصل الخامس والعشرون
يا من يعظه الدهر ولا يقبل، وينذره القهر بمن يرحل، ويضم العيب إلى الشيب وبئس ما يفعل، كن كيف شئت فإنما تجازى بما تعمل:
دعني فإن غريم العقل لازمـنـي وذا زمانك فامرح فيه لازمنـي
ولّى الشباب بما أحببت من مـنـح والشيب جاء بما أبغضت من محن
فما كرهت ثوى عندي وعنفـنـي وما حرصت عليه حين عن فنـي
يا جايراً، كلما قيل أقسط قسط، يا نازلاً، فسطاط الهوى، على شاطئ الشطط، يا ممهلاً لا مهملاً ما عند الموت غلط، كم سلب وضيعاً وشريفاً سلباً عنيفاً وخبط، أما مضغ الأرواح? فلما طال المضغ استرط، أما يكفي نذيرهم? بلى قد خوف الفرط، تالله ما يبالي حمام الحمام أي حب لقط? أما خط الشيب خط النهي عن الخطآء لما وخط، أما آذن الشباب بالذهاب فماذا بعد الشمط?
ما أن يطيب لذي الرعاية للأ يام لا لـعـب ولا لـهـو
إذ كان يطرب في مسرتـه فيموت من أجزائه جـزو
يا مدعواً إلى نجاته وهو يتوانى، ما هذا الفتور? والرحيل قد تدانى، يا مقبلاً على هفواته لا يألو بهتاناً، كأنك بالدمع يجري عند الموت تهتاناً، وشغل التلف قد أوقد من شعل الأسف نيرانا، وأنت تبكي تفريطك حتى لقد أقرحت أجفانا، والعمل الصالح ينادي من كان أجفانا، احذر زلل قدمك، وخف حلول ندمك، واغتنم وجودك قبل عدمك، واقبل نصحي ولا تخاطر بدمك.
إذا ما نهاك امرؤٌ نـاصـحٌ عن الفاحشات انزجر وانتهِ
وإما علـوت إلـى رتـبة فكن حذراً بعدها أن تهـي
وإما ترى مهجة في الثرى فلا تغترر بالمنى أنت هي
خاصم نفسك عند حاكم عقلك لا عند قاضي هواك، فحاكم العقل يدين وقاضي الهوى يجور، كان أحد السلف إذا قهر نفسه بترك شهوة أقبل يهتز اهتزاز الرامي إذا قرطس، لما عرف القوم قدر الحياة، أماتوا فيها الهوى فعاشوا، انتبهوا بأكف الجد من الزمن ما نثره زمن البطالة.
وركب سروا والليل ملق رواقـه على كل مغبر الطوالـع قـاتـم
حدوا عزمات ضاقت الأرض بينها فصار سراهم في ظهور العزائم
تريهم نجوم الليل ما يبتـغـونـه على عاتق الشعري وهام النعـائم
إذا طردوا في معرك الجد قصفوا رماح العطايا في صدور المكارم
هان عليهم طول الطريق لعلمهم أين المقصد، وحلت لهم مرارات البلا حباً لعواقب السلامة، فيا بشراهم يوم "هذا يومكم".
قف بالديار فـهـذه آثـارهـم نبكي الأحبة حسرة وشـوقـا
كم قد وقفت بها أسائل مخبـراً عن أهلها أو صادقاً أو مشفقـا
فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى
يا ربوع الأحباب أين سكانك? يا مواطن الألباب أين قطانك? يا جواهر الآداب أين خزانك? للمهيار:
يطربني للمنازل الـيوم مـا أسأر عندي أيامُهـا الـقُـدُمُ
وتطيبني على فصاحة شكواي إليها ربوعُـهـا الـعُـجُـمُ
علي يا دار جهدُ عيني ومـا عليَّ عارٌ أن تبخـل الـدِّيَمُ
لك الرضا من جِمام أدمعهـا أو دمها إن سقى ثـراك دمُ
أما وعهد الغادين عنـكِ وأش جانٍ بواقٍ لي فيكِ بعـدهُـمُ
وما أطال المنى وأعرض من عيشٍ كأن اختلاسه حُـلْـمُ
هل هو إلا أن قيل: جُن بهـم نعم! على كل حـالة نَـعَـمُ
بتـنـا وأطـواقـنـا يد ويد ورسل أشواقنـا فـم وفـم
يا هذا تنزه في أخبار المحبين إن لم تكن منهم، إن أهل الكوفة يخرجون للتفرج على الحاج، اقعد على جانب وادي السحر لعل إبل القوم تمر بك.
خذي على قطن يمينـا فعسى أريك به القطينا
مني تعلمت الحـمـام النوح والإبل الحنينـا
وآسف المتقاعد عنهم، واحسرة البعيد منهم
سلو عن فؤادي ساكني ذلك الـوادي فقد مر مجتازاً على يمـنة الـوادي
مضى يطلب الأحباب والقوم قد سروا فضل ومروا مسرعين مع الحـادي
فها أنا أبكيهم وأبـكـيه بـعـدهـم وتطلبهم عيني مع الرائح الـغـادي
وا حاجتنا إلى رؤية القوم، ويا شدة إيثارهم البعد عنا، إن رأينا شخصاً فأعلمتنا الفراسة أنه منهم كانت همته الهرب منا، وما ذاك إلا للتباين بين أفعالنا وأعمالهم فلنبك على هذه الحال.
عجبت لمـا رأتـنـي أندب الربع المحـيلا
واقفاً في الدار أبكـي لا أرى إلا الطـلـولا
كيف نبـكـي لأنـاس لا يملـون الـذمـيلا
كلما قلت اطمـأنـت دارهم صاحوا الرحيلا
كان بعض الصالحين يتستر بإظهار الجنون فتبعه مريد فقال له: والله ما أبرح حتى تكلمني بشيء ينفعني، فإني قد عرفت تسترك، فسجد وجعل يقول في سجوده: اللهم سترك، فمات.
أسميك سعدى في نسيبي تـارة وآونة اسمـا وآونة لـبـنـى
حذاراً من الواشين أن يسمعوا بنا وإلا فمن سعدى لديك ومن لبنا
?الفصل السادس والعشرون
يا مخدوعاً قد فتن، يا مغروراً قد غبن، من لك إذا سوى عليك اللبن? في بيت قط ما سكن، سلب الرفيق نذير والعاقل فطن.
أنت في دار شتات فتأهب لشتـاتـك
واجعل الدنيا كـيومٍ صمته عن شهواتك
وليكن فطرك عنـد الله في يوم وفاتك
إياك والدنيا فإن حب الدنيا مبتوت، واقنع منها باليسير فما يعز القوت، يا قوت الندم يغني عن الياقوت، احذر منها فإنها أسحر من هاروت وماروت، ليس للماء في قبضة ممسك ثبوت "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت" أين من جمع المال وملأ التخوت، تساوى تحت اللحود السادات والتحوت، ما نفعه إن جال في البأس جالوت ولا رد عنه إن طال القوم طالوت، ولا منع أصحابه حلول التابوت، لقد أخرج الموت من قعر اليم الحوت، قل للذين تديروا تدبروا، أين البيوت? جوزوا على الذين جوزوا، فقد وعظ الخفوت، كم مسئول عن عذره في قبره مبهوت، لقد أنطق الوعظ الصخور الصموت، أما يكفي زجراً أنك تموت، بادر عمراً في كل يوم يفوت، قل أنا تائب إلى كم سكوت? قد تعودت منك النفس في المجلس، النطق بالتوبة فهي تسخو بالكلام لعلمها أنه على غير أصل، ولو تيقنت صدق عزمك لتوقفت عن القول، هذا العصفور إذا كان على حائط فصحت به لم يبرح فإذا أهويت إلى الأرض كأنك تناول حجراً يلمح يدك فارغة فلم ينفر، فإذا وضعت يدك على حجر رأى الجد ففر، يا هذا، قولك أنا تائب من غير عزم، نفخ في غير ضرم، بيض التراب لا يخرج منه فرخ.
أخواني، العمر أنفاس تسير بل تطير، الأمل منام لا ترى فيه إلا الأحلام، هذا سيف الموت قد دنا، فإن ضرب قدنا، هذا الرحيل ولا زاد عندنا، انتبهوا من رقاد الغفلة، تيقظوا من نوم العطلة، عرجوا عن طريق البطالة، ابعدوا عن ديار الوحشة، الفترة حيض الطباع، ووقوع العزيمة، رؤية النقا فحينئذٍ يتوجه الخطاب بالتوجه إلى محراب الجد، أول منازل الآخرة القبر، فمن مات فقد حط رحل السفر، وسائر الورى سائر، من كان في سجن التقى فالموت يطلقه، ومن كان هائماً في بوادي الهوى فالموت له حبس يوثقه، موت المتعبدين عتق لهم من استرقاق الكد ورفق بهم من تعب المجاهدة، وموت العصاة سباء يرقون به لطول العذاب، من كان واثقاً بالسلامة من جناية فرح يفك باب السجن، لما توعد فرعون السحرة بالصلب أنساهم أمل لقاء الحبيب مرارة الوعيد "إنّا إلى ربنا منقلبون" يا فرعون غاية ما تفعل أن تحرق الجسم، والركب قد سرى "لا ضير" من لاحت له منى، نسي تعب المدرج.
للمهيار:
متى رُفعت لها بالغور نار وقرّ بذي الأراك لها قرارُ
فكلُّ دمٍ أراق السير منهـا بحكم الشوق مطلولٌ جُبارُ
لا بد للمحبوب من اختبار المحب "ولنبلونكم" أسلم أبو جندل بن سهيل فقيده أبوه، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية خرج أبو جندل يرسف في قيده، فدخل في الصحابة، فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فاستغاث أبو جندل: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين، فيفتنوني عن ديني، فقال الرسول: لا بد من الوفاء فرد إليهم، فقدمه يسعى نحوهم وقلبه يجهز جيوش الحيل في الخلاص.
للمهيار:
أنذرتني أم سعدٍ أن سـعـدا دونها ينهد لي بالشر نَهْـدا
وعلى ما صفحوا أو نقمـوا ما أرى لي منك يا ظبية بُدّا
لما أسلم مصعب بن عمير حبسه أهله، فأفلت إلى الحبشة، ثم قدم مكة، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه أمه، يا عاق أتدخل بلداً أنا فيه ولا تبدأ بي? فقال: ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرادت حبسه، فقال: والله لئن حبستني لأحرصن على قتل من يتعرض لي، فتركته.
وعاذلين لحوبـي فـي مـودتـكـم يا ليتهم وجدوا مـثـل الـذي أجـد
لما أطالوا عتابي فيك قلـت لـهـم لا تفرطوا بعض هذا اللوم واقتصدوا
جمع حبس التعذيب بين بلال وعمار، مصادرين على بذل الدين فزوروا نطق عمار على خط قلبه، فلم يغرفوا التزوير، وأصر بلال على دعوى الإفلاس فسلموه إلى صبيانهم في حديدة يصهرونه في حر مكة، ويضعون على صدره وقت الرمضاء صخرة ولسان محبته يقول:
بعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقـي وللشوق ما لم يبق مني وما بقى
وا عجباً، إيلام ذو حس على عشق يوسف? قدم الطفيل بن عمر والدوسي مكة فقالت له قريش: لا تدن من محمد فإنا نخاف أن يفتنك، فسد أذنيه بقطنتين ثم تفكر، فقال: والله ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فانطلق فسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم.

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصر جفونك يعشق
قطعت قريش لحم خبيب، ثم حملوه إلى الجذع ليصلب، فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك? فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة، ثم نادى وا محمداه.
إن في الأسر لصبـا دمعه في الخد صب
هو بالـروم مـقـيم وله بالشام قـلـب
لما بعث معاذ إلى اليمن، خرج الرسول يودعه، ودموع معاذ ترش طريق الوداع.
ولما تزايلنا من الجزع وانـتـأى مشرق ركب مصعد عن مغرب
تبينت أن لا دار من بعد عـالـج تسر وأن لا خلة بـعـد زينـب
كانت الدنيا بمثلهم عسلاً فتعلقمت بمثلكم، خلت الديار من الأحباب فلما فرغت ردم الباب.
للنابغة:
وقفتُ فيها أصيلاً كي أسـائلـهـا أعيت جواباً وما بالربع مـن أحـدِ
أضحت قفاراً وأضحى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لُـبَـدِ
حن ببعض أنديتهم ونادبها، وابك فقد الأحباب ونادبها.
للبحتري:
إذا جزت بالغور اليماني مغربـا وحاذتك صحراء الشواجر يا سعد
فناد ديار العامـرية بـالـلـوى سقت ربعك الأنواء ما فعلت هند
الفصل السابع والعشرون
إن الدنيا مذ أبانت محبها أبانت حالها، لقد روت وما روت، فأرت مآلها، لقد عرف إدبارها من قد ألف إقبالها، وما اطمأنت أرضها، إلا زلزلت زلزالها.
قل لمن فاخر بالـدنـيا وحـامـى قتلت قبلك سـامـاً ثـم حـامـا
ندفن الخِـلَّ ومـا فـي دفـنـنـا بعده شك ولـكـن نـتـعـامـى
إن قـدامـك يومـاً لـو بـــه هددت شمس الضحى عادت ظلاما
فانتبه من رقـدة الـلـهـو وقـم وانف عن عين تماديك المـنـامـا
صاح صح بالقبر يخبـرك بـمـا قد حوى واقرأ على القوم السلاما
فالعظيم القـدر لـو شـاهـدتـه لم تجد في قبره إلا الـعـظـامـا
تالله لقد ركض الموت فأسرع في الركض، بث الجنود وطبق الأرض، ما حمل على كتيبة إلا وفض، ولا صاح بجيش إلا جاش وارفض، ولا لوح إلى طائر في البرج إلا انقض، إذا تكلمت قوسه بالنبض أسكنت النبض، بينا الحياة تعرب بالرفع جعل الشكل الخفض، أين مصون الحصون? أزعج عنها، أين مقصور القصور? أخرج منها، نقله هادم اللذات نقلاً سريعاً، ومقله في بحار الآفات مقلاً فظيعاً، وفرق بينه وبين بنيه، وطرقه بطارق النقض فأنقض ما كان يبنيه، لقد ولى ولاء ذي ود ينفعه، وبان فبان لباني الدنيا مصرعه، هجره والله من هاجر إليه، ونسيه نسيبه وقد كان يحنو عليه، فلا صديقه صدقه في مودته، ولا رفيقه أرفقه في شدته، حلوا والله بالبلاء في البلى، وودعهم من أودعهم ثم قلى، وانفردوا في الأخدود بين وحش الفلا، وسألوا الإقالة فقيل: أما هذا فلا، لو نطق الموتى بعد دفنهم لندموا على غيهم وافتهم، ولقالوا: رحلنا عن ظلم شرورنا إلى ظلم قبورنا، وخلونا عن الأخلاء بترابنا في آفات لا ترى بنا، أفترى محبنا إذ ظعنا، بمن اعتاض عنا? وهذا مصيرك بعد قليل، فتأهب يا مقيم للتحويل، يا سليماً يظن أنه سليم، جوارحك جوارحك، سور تقواك كثير الثلم، وأعداؤك قد أحاطوا بالبلد، ويحك، قبل الرمي تراش السهام، وبين العجز والتواني ينتج التوى، يا قالي القائل للنصايح إداؤك داؤك، كيف تجتمع همتك مع غوغاء المنى وضوضاء الشهوات، كيف تتصرف في مصالحك والشواغل للشوي غل، كم صادفت الهوى فصدفت? لقد خدع قلبك الهوى فاسترق فاسترق، أضرّ ما عليك سوء تدبيرك، آه للابس شعار الطرد وما يشعر به وأسفاً، لمضروب ما يحس صوت الشوط، عجباً لمن أصيب بعقله وعقله معه، يا معثر الأقدام مع إشراق الشمس، يا فارغ البيت من القوت في أيام الحصاد.
أملي من أملي ما ينقـضـي وغرامي من غرامي قاتلـي
كلما أفنيتُ عـامـاً فـاسـداً جاء عامٌ مثله مـن قـابـل
كلما أملت يوماً صـالـحـاً عرض المقدور لي في أملي
وأرى الأيام لا تُدنـي الـذي أرتجي منك وتدني أجـلـي
يا جرحى الذنوب قد عرفتم المراهم، اخرجوا من قصر مصر الهوى وقد لاحت مدينة مدين، اطلبوا بئر الشرب وإن صد الرعاء فلعل حضور موسى يتفق، متى استقامت لكم جادة البكاء فلا تعرجوا عنها، كان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي يبكيان الدم.
قولوا لسكان الحـي تبدل الدمـع دمـا
وكل شهد بعـدكـم قد صار مراً علقما
إذا تكاثفت كثبان الذنوب في بوادي القلوب، نسفها نسف أسف في نفس، يا أهل الزلل قوموا نفس أنفسكم فقد جمع قسر القهر، بين الناقص والتام، لقد تاب الله على المؤمنين "وعلى الثلاثة الذي خُلِّفوا".
لست وإن أعرضتـم أيأس من أن تعطفوا
فلا برى وجدي بكم ولا أفاق الشغـف
وصبر يعقوب معي حتـى يرد يوسـف
يا من كان له وقت طيب وقلب حسن، فاستحال خله خمراً، ابكِ على ما فقدت في بيت الأسف.
لعل انحدار الدمع يعقـب راحة من الوجدان يطفي نجى البلابل
ما أحسن ما كنتَ فتغيرت، ما أجود جادتك فكيف تعثرت.
وكنا جميعاً قبل أن يظهر الورى بأنعم حالي غبـطة وسـرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا بطون الهوى مقلوبة لظهـور
البكاء على الفايت معول الحزين.
لأبي تمام:
وانجدتم من بعد اتـهـام داركـم فيا دمع انجدني على ساكني نجد
لعمري قد أخلفتم جدة الـبـكـا عليّ وجددتم به خلق الـوجـد
يا معاشر المطرودين عن صحبة أهل الدين.
تعالوا نقم مأتماً للفراق ونندب إخواننا الظاعنينا
هلموا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا، ونبعث مع الواصين رسالة محضر لعلنا نحظى بأجر المصيبة، أنجع المراهم لجراحات الذنوب البكاء، هتكة الدمع ستر على الذنب.
قد كنت أصون دمعتي فـي الأمـاق ستراً للحب وهو مـا لـيس يطـاق
حتى صاح الوجد عن صحيح الأشواق ما حيلة من بلى بمهـجـر وفـراق
كان محمد ابن المنكدر كثير البكاء فسئل عن ذلك فقال: آية من القرآن أبكتني "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون" كيف لا تذهب العيون من البكاء? وما تدري ما قد أعد لها.
سبقت السعادة لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل كونه، ومضت الشقاوة لأبي جهل قبل وجوده، وخوف العارفين من سوابق الأقدار قلقل الأرواح هيبة "لا يُسئل" مع تحكم "ولو شئنا لآتينا كلَّ نفسٍ هداها" قوي قلق العلماء.
أترى سألوا لما رحـلـوا ماذا فعلوا أم من قتـلـوا
أحليف النوم أقل الـلـوم فعندي اليوم بهم شـغـل
أدنى جزعي لم يبق معـي قلب فيعي منذ احتمـلـوا
جلدي سلبوا جسدي نهبـوا كمدي وهبوا كبدي تبلـوا
لما ذرفت عيني وقـفـت أترى عرفت ما بي الإبل
ولحا اللاحي وهو الصاحي وهو راحي وأنا الثـمـل
الفصل الثامن والعشرون
تيقظ لنفسك يا هذا وانتبه، وأحضر عقلك وميز ما تشتبه، أما هذا منزلك اليوم? وغداً لست به.
إذا ما انجلى الرأي فاحكم به ولا تحكمن بما يشـتـبـه
ونبّه فـؤادك مـن رقـدة فإن الموفق من ينـتـبـه
وإن كنتُ لم أنتبه بـالـذي وعظت به فانتبه أنت بـه
لقد أمكنت الفرصة أيها العاجز، ولقد زال القاطع وارتفع الحاجز، أين الهمم العالية وأين النجايز? أما تخاف هادم اللذات والمنى الناجز? أما اعوجاج القناة دليل على الغامز? أما الطريق طويلة وفيها المفاوز، أما القبور قنطرة العبور فمن المجاوز، أما يكفي في التنغيص حمل الجنايز? أما العدو محارب فهل من مبارز? أما الأمن بعيد والهلك ناشز، والقنا مشرع والطعن واخز، تالله تطلب الشجاعة من بين العجايز، وتروم إصلاح فارك وتقويم ناشز، إن لم يكن سبق التصديق فلتكن توبة ماعز، ما هذه الغفلة والبلى مصيرك! وكم هذا التواني فلقد أودى تقصيرك، أما صاح بك في سلب نذيرك، أفلا تتأهب لقدساء تدبيرك.
إبْ يا شارد الطبع من سفر الهوى، وأذب جامد الدمع بنيران الأسى، لعل شفيع الاعتراف يسئل في أسير الاقتراف، نق عينيك من عيوبك، وخلص ذنوبك من بحر ذنوبك، وصن صندوق فمك بقفل صمتك، واطو طيلسان لسانك عن بذلة نطقك، وأغمض عينك عن عيبك حفظاً لدينك، واكفف كفك مكتفياً بما كفك، وابن منبر التذكير لواعظ القلب في ساحة الصدر، وناد في شجعان العزائم ورهبان الفكر، هلموا إلى عقد مجلس الذكر، واحذر عين العدو أن يوقع تشتيت الهم في جمع العزم، فإن رماك القدر بسهم الفتور عن قوس الحكمة من يد لكل عامل فترة فاتق بجنة الاعتذار، فإن ألقى كرة قلبك إلى صولجان التقليب في بيداء المؤمن مفتن فجل في ميدان الدل فإن دب ذئب الهوى فعاث في مزرعة التقى فأقم ناطور القلق، فإن أفلت دجال الطبع فأقام صليب الزلل وأطلق خنزير الشره فألجأ إلى حرم التوبة واستغث بعيسى العون لعله ينزل من سماء الألطاف فيهلك الدجال ويقتل الخنزير ويكسر الصليب، اجلس ليلة على مائدة السحر وذق طعام المناجاة تنسيك كل لذة، أرواح الأسحار لا يستنشقها من كوم غفلة، إنها لتأتي بألطاف الحبيب ثم تعود فيحاء تطلب رسالة، فمن لم يكتب كتاباً فماذا يبعث? لو وقفت على جادة التهجد ليلة لرأيت ركب الأحباب لو سرت في أعراض القوم لحرك قلبك صوت الحداة، أقبلت رياح الأسحار فاحتشمت تقبيل أقدامهم، وذكت أذيال أثوابهم.
للشريف الرضي:
وأمستِ الريحُ كالغيرى تجاذبنـا على الكئيب فضول الرَّيط واللَّمم
يشي بنا الطـيبُ أحـيانـاً وآونةً يُضيئنا البرقُ مجتازاً على أَضَم
يُولّع الطلُّ بُرْدَيْنا وقد نسـمـت رويحة الفجر بين الضال والسلم
حديث القوم مع الدجى يطول، يسيحون في فلوات خلواته، يندبون أطلال الحب ويرتاحون إلى تنسمه لشدة الطرب.
وإني لأستنشي الـشـمـال إذا جـرت حنينا إلى آلاف قلـبـي وأحـبـابـي
وأهدي مع الريح الجـنـوب إلـيهـم سلامي وشكوى طول حزني وأوصابي
واعجباً الرسايل تحمل في الأسحار، لا يدري بها الفلك، والأجوبة ترد إلى الأسرار لا يعلمها الملك.
يا حبذا رند العقـيق وبـأنـه سقى العقيق وأهله وزمانـه
راقت خمايله ورق نسـيمـه وصفت على عصبائه غدرانه
وشكت تباريح الصبابة ورقـه وتمايلت بيد الصبا أفـنـانـه
يا مفرداً في حسنه صل مفرداً في حزنه لعبت به أشجانـه
صباً إذا ذكر العقيق وأهـلـه صابت مدامعه وجن جنانـه
اجتمع المحبون في مساجد التعبد أول الليل، فرماهم الوجد في آخره على قوارع الطرق.
مشوا إلى الراح مشى الرخ فانصرفوا والراح تهشي بهم مشي الـفـرازين
أرواح أزعجها الحب، وأقلقها الخوف، سبحان من أمسكها باللطف.
قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا ماتوا وإن عاد من يهوونه بعثـوا
ترعى المحبين صرعن في ديارهم كفتية الكهف يدرون لا كم لبثـوا
والله لو حلف العـشـاق أنـهـم موتى من الحب أو قتلى لما حنثوا
مجلسنا بحر، يرده الفيل والعصفور كل أناس مشربهم أطيار صناعتها في الجو بالقلب.
فأين الطروب، سحائب التفهيم قد هطلت بودق البيان، أفتراها أخضرت رياض الأذهان? نحن في روضة طعامنا فيها الخشوع وشرابنا فيها الدموع ونقلنا هذا الكلام المطبوع، نداوي أمراضاً أعجزت بختيشوع، ونرقى الهاوي ونرقى الملسوع، فليته كان كل يوم لا كل أسبوع.
لصردر:
يا صحابي وأين منِّي صحـبـي فتنتهم عـيون ذاك الـسـربِ
كلمات أسماؤهن اسـتـعـارات وما هن غير طعـن وضـربِ
أرني ميتة تطيب بها الـنـفـس وقـتـلا يلـذُّ غـير الـحـبِّ
لا تزل بي عن العقـيق فـفـيه وطري إن قضيته أو نحـبـي
لا رعيتُ السوامَ إن قلتُ للصحبة خفّي عني وللعـيس: هـبِّـي
وحدي أتكلم، وجدي يتألم، ألا مريد يتعلم? ألا دموع تتسلم? لابن المعلم:
هو الحمى ومغانيه معانـيه فاحبس وعان بليلى ما تعانيه

ما في الصحاب أخو وجد تطارحه حديث نجد ولا صب تـجـاريه
إليك عن كل قلب في أمـاكـنـه ساه وعن كل دمع في مـآقـيه
يوهي قوى جلدي من لا أبوح به ويستبيح دمي مـن لا أسـمـيه
يبلى فما في لساني ما يعـاتـبـه ضعفا بلى في فؤادي مـا يداريه
الفصل التاسع والعشرون
أخواني تفكروا في مصارع الذين سبقوا، وتدبروا مصيرهم أين انطلقوا? واعلموا أن القوم انقسموا وافترقوا، قوم منهم سعدوا ومنهم قوم شقوا
والمرء مثل هلالٍ عند طلـعـتـه يبدو ضئيلاً لطيفـاً ثـم يتـسـق
يزداد حتى إذا ما تـم أعـقـبـه كر الجديدين نقصا ثم ينـمـحـق
كان الشباب رداءً قد بهجـت بـه فقد تطاير منه للـبـلـى خـرق
وبات منشمراً يحدو المشـيب بـه كالليل ينهض في أعجازه الفلـق
عجبتُ والدهر لا تفنى عجـائبـه للراكنين إلى الدنيا وقد صـدقـوا
وطال ما نغصوا بالفجع ضاحـية وطال بالفجع والتنغيص ما طرقوا
دار تغر بها الآمـال مـهـلـكة وذو التجارب فيها خـائف فـرق
يا للرجال لمخدوع بزخـرفـهـا بعد البيان ومغرور بـهـا يثـق
أقول والنفس تدعوني لباطـلـهـا أين الملوك ملوك الناس والسـوق
أين الذين إلى لذاتـهـا ركـنـوا قد كان فيها لهم عيش ومرتـفـق
أمست مساكنهم قفراً مـعـطـلة كأنهم لم يكونوا قبلهـا خـلـقـوا
يا أهل لذات دار لا بـقـاء لـهـا إن اغتراراً بظـل زايل حـمـق
أين من كان في سرور وغبطة? أين من بسط اليد في بسيط البسطة? لقد أوقعهم الموت في أصعب خطة، جسروا على المعاصي فانقلبت على الجيم النقطة، بيناهم في الخطأ خطا إليهم صاحب الشرطة، هذا دأب الزمان فإن صفا فغلطة، كم تخون الموت منا أخوانا، وكم قرن في الأجداث أقرانا، كم مترف أبدله الموت ديدانا، وهذا أمر إلينا قد تدانى، كم معد عوداً لعيده? صارت ثيابه أكفانا، وما شاهدنا مصرعها وما كفانا، كم مسرور بقصره عوض من قبره أعطانا، افتراناً، هذا الأمن، من أعطانا?
لنمنا وصرف الدهر ليس بنائم خزمنا له قسراً بغير خزائم
من سعى إلى شهواته مستعجلاً تعثر بحسك الأسف، تلمح العواقب قبل الفعل أمان من الندم، قد عرفتم عقابيل قابيل وعلمتم حسن سرابيل هابيل:
الشرى يوجد في أعقابه ضرب خير من الأرى في أعقابه لسع
الهوى مطمورة ضيقة في حبس وعر ومذ خلق الهوى خلق الهوان، لا يتصرف الهوى إلا بربع قلب فارغ من العلم، الجهل خندق يحول بين الطالب والمطلوب والعلم يدل على القنطرة، كتابة العلم في ليل الجهل تفتقر إلى مصباح فطنة ودهن الذهن غال، ما قدر لص قط على فطن، ومتى نام حارس الفكر انتبه لص الهوى، من ثبت قلبه في حرب الشهوات لم يتزلزل قدمه، أول ما ينهزم من المهزوم عقله، ما دمتَ في حرب العدو فلا تبال بالجراح، فإنه قد يصاب الشجاع، إنما المهادنة دليل الذل، تأثيرات الذنوب على مقاديرها، وقعت غلطة من يوسف فقُدَّ القميص وقويت زلة آدم، فخرج عرياناً من الثياب، أين عزيمة توبة ماعز? لا عزيمة توبة، أين هم أويس لا غم قيس، ما لم يكن لك محرِّك من باطنك فالخلق تضرب في حديد بارد.
لصردر:
ظللت أكر عليه الرقي وتأبى عريكته أن تلينا
ويحك، من زم جوارحه ولازم الباب كان على رجاء الوصول، فكيف بمن لازم ولا لازم، طوبى للزهاد لقد مروا في المطلق، من يرافقني إلى ديار القوم? ما أجوز على البلدان إنما أمضى على السماوة، وهذه خيام ليلى فأين ابن الملوح:
هذي منازلهم ومالي بعد بعد القوم خبـر
ويلي أحظى كـلـه من دونه صد وهجر
كان سري يدافع أول الليل فإذا جن أخذ في البكاء إلى الفجر:
أقطع ليلى وجيش وجـدي من عن شمالي وعن يميني
تالله لو عـادنـي رسـول لعاد عن مدنـف حـزين
ما حيلتي فيك غـير أنـي أسرق من زفرتي أنينـي
ذلوا له ليرضى، فإذا رأيتهم قلت مرضى.
لصردر:
مرض بقلب ما يعاد وقتيل حب ما يقـاد
يا آخر العشـاق مـا أبصرت أولهـم يذاد
يقضي المتيم منهـم نحباً ولو ردوا لعادوا
يأنسون في الدجى بالظلام، ويطربون بنوح الحمام، مرضى الأبدان من طول الغرام، أصحاء القلوب مع السقام، إذا ذكرت حبيبهم رأيت المستهام قد هام.
للمهيار:
وأنتَ إن كنتَ رفيقاً فـأعِـد ذكر الحمى أطيب ما غُنّـيا
أعِدْ فمن آية سكان الحـمـى وذكرهم أن يذهب الشجونـا
شجواً كشجوى يا حمام ساعدي إن الحزين يسعد الحـزينـا
كم من دموع ردها صوب دم تخلج البرق علـى يبـرينـا
قال الشبلي: لقيت جارية حبشية، فقلت: من أين? فقالت: من عند الحبيب، قلت: وإلى أين? قالت: إلى الحبيب، قلت: ما الذي تريدين من الحبيب? قالت: الحبيب. قلت: فكم تذكرين الحبيب? فقالت: ما يسكن لساني عن ذكراه حتى ألقاه:
وحرمة الورد ما لي عنكم عوض وليس لي في سواكم بعدكم غرض
ومن حديثي بكم قالوا بـه مـرض فقلت لا زال عني ذلك المـرض
رأى معروف في المنام كأنه تحت العرش، فقال الله عز وجل: ملائكتي من هذا? فقالوا: أنت أعلم، هذا معروف قد سكن من حبك، فلا يفيق إلا بلقائك:
فداو سقماً بجسم أنـت مـتـلـفـه وابرد غراماً بقلب أنت مضـرمـه
ولا تكلني على بـعـد الـديار إلـى صبري الضعيف فصبري أنت تعلمه
تلق قلبي فقـد أرسـلـتـه فـرقـا إلى لقـائك والأشـواق تـقـدمـه
الفصل الثلاثون
أخواني البدار البدار، والجد الجد، فالخصم معد، والقصم مجد:
مكرُ الزمان علينـا غـيرُ مـأمـون فلا تظنن أمراً غـيرَ مـظـنـون
بل المخوف علينا مكرَ أنـفـسـنـا ذات المنى دون مكر البيض والجون
إن الليالـي والأيام قـد كـشـفـت من مكرها كل مستور ومـكـنـون
وحدثتنـا بـأنـا مـن فـرائسـهـا نواطقاً بفصـيح غـير مـلـحـون
واستشهدت من مضي منا فأنـبـأنـا عن ذاك كل لقي مـنـا ومـدفـون
وأم سـوء إذا مـا رام مـرتـضـع أخلافها صد عنها صـد مـزبـون
ونحن في ذاك نصيفهـا مـودتـنـا تباً لكل سفـيه الـرأي مـغـبـون
نشكو إلى الله جهلاً قد أضـر بـنـا بل ليس جهلاً ولكن علم مـفـتـون
أغوى الهوى كل ذي عقل فلست ترى إلا صحيحاً له أفعـال مـجـنـون
حتى متى نشـتـري دنـيا بـآخـرة سفاهة ونبـيع الـفـوق بـالـدون
نبني المعـاقـل والأعـداء كـامـنة فيها بكل طرير الحـد مـسـنـون
ونجمع المال نرجـو أن يخـلـدنـا وقد أبى قبلنـا تـخـلـيد قـارون
نظل نستنـفـق الأعـمـار طـيبة عنها النفوس ولا نسخر بمـا عـون
ومـا تـأخـر حـي بـعـد مـيتة ألا تأخر نـقـد بـعـد عـربـون







يحيى الحكمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2009, 10:42 PM   #11
يحيى الحكمي
لا شيءَ يفرِح
 
الصورة الرمزية يحيى الحكمي
 
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 8,856
افتراضي

يا من دعى إلى نفعه نبا ونشز، يا جامعاً لغيره ما جمع وكنز، يا متثبطاً في الخير فإذا لاح الشر جمز، كأنك بالألم وقد ألم، فنكى ونكز، وكد التبار الروح بالتباريح، واشتد العلز، وأخذ النفس النفس فاضطرها وحفز، ودارت في فلك الفوت فإذا ملك الموت قد برز، فسماك بالمقبور وبالمثبور قد نبز، فتأهب فالسعيد منا من تأهب للخير وانتهز، لقد علت سنك وانتهيت. وما انتبهت ولا انتهيت. أتعبت ألف رايض ولم تؤد الفرايض.
كم ضيعت عمراً طويلاً حملت فيه وزراً ثقيلاً. كم نصب لك الموت دليلاً إذ ساق العزيز ذليلاً، لقد حمل إلى القبور جيلاً جيلاً، ونادى في الباقين رحيلاً رحيلا، لكن الهوى أعاد الطرف كليلا، وما كان الذي رأيت قليلا، يا مرضاً عجيباً كم أتعبت طبيبا، لقد تنوع ضروبا فأخذ كل عضو نصيباً، إلام يبقى الغصن رطيباً? من يرد برد الصبي قشيباً، لقد أمسى الموت قريباً، وستبصر يوماً غريباً.
عجباً لك، لا الدهر يعظك، ولا الحوادث تنذرك، والساعات تعد عليك، والأنفاس تعد منك، وأحب أمريك إليك، أعودهما بالضرر عليك.
يا هذا، من جلا بصيرته من قذى الهوى جلّى على بصره عرائس الهدى. الصور تزاحم المعاني فمن حلها حلى بمغنى المعنى فتعلم حلها بالتدريج. كل ذرة من الكون تخبر بلغة بليغة عن حكمة الفاطر، غير أنه لا يفهم نطق الجوامد إلا العقل نظر الأبصار اليوم إلى الصانع بواسطة المصنوع تدريج إلى رفع الوسايط غداً، يا محبوساً في سجن غفلته أخرج من ديار أدبارك واعبر في معبر اعتبارك، قف على بعض بقاع قاع ترى كيف نمت خضرة حضرته بأسرار الخالق إذ تمت. تلمح أصناف النبات في ثياب الثبات قد برزت في عيد الربيع تميس طرباً بالري، تأمل مختلف الألوان في الغصن الواحد، فإن صباغ القدرة صناع. اسمع غناء الورق، على عيدان العيدان. لعل مقاطع السجوع توجب رجوع المقاطع:
ولقد تشكو فما أفهـمـهـا ولقد أشكو فما تفهمـنـي
غير أني بالجوى أعرفهـا وهي أيضاً بالجوى تعرفني
الحمائم نواح المشتاقين قد رضيت من خلعهم بجريان الدموع:
ناحت سحراً حمامة في غصن قد جرعها الفراق كأس الحزن
تبكي شجناً تلـقـتـه مـنـي ما يبكي باك إلا ويروي عنـي
واعجباً، متى يثمر لك وجود الثمر معرفة النعم. كم تنضج الثمار وتتناولها وثمرة عرفانك بعد فجة. ليس حظك من النبات إلا الأكل. أين التدبير لعجيب الصنعة والصنع. يا مؤثراً ضنك الحس، على فضاء العقل. كيف تبيع صفاء للتأمل بكدر الإهمال? من العجب أن ندعوك إلى تلمح العبر في الغير وأنت ما تبصر نفسك، تدبر قطرة قطرة من ماء. صبت على إيقاد نار الشهوة. كيف ظهرت فيها عن حركات اللذة? رقوم نقوش عقدتها يد القدرة. كما تظهر الصورة في ثوب السقلاطوني عن حركات الشد.
تأمل نطفة مغموسة في دم الحيض، ونقاش القدرة يشق سمعها وبصرها من غير مساس. كيف تربى في حرر مصون عن مشعب، بينا هي ترفل في ثوب نطفة اكتست رداء علقة. ثم اكتست صفة مضغة، ثم انقسمت إلى عظم ولحم. فاستترت من يد الأذى بوقاية جلد. ثم خرجت في سربال الكمال تسحب مطارف الطرائف. فبينا هي في صورة طفل درجت درجة الصبي. فتدرجت إلى النطق وتشبثت بذيل الفهم. فكم من صوت بين أرجل النقل من تحريك جلاجل العبر. في خلاخل الفكر، كلما رنت غنت ألسن الهدى في مغاني المعاني. وكيف يسمع أطروش الغفلة? هذا بعض وصف الظاهر، فكيف لو فهمت معنى الباطن? الآدمي كتاب مسطور. وشخصه رق منشور. قلبه بيت معمور. همه سقف مرفوع. علمه بحر مسجور. من ينتفع بأسماعكم بعدي? وما تحسن الأيام تكتب ما أملى.
الفصل الحادي والثلاثون
يا جامعاً المال لغيره، تاركاً للتزود في سيره، أتحظى بشر كسبك، ويحصل سواك بخيره:
سابق إلى مـالـك وراثـه ما المرء في الدنيا بلبـاث
كم صامت يخنق أكـياسـه قد صلح في ميزان ميراث
أين جامع الدنيا? طرحها واطرح، أين اللاهي بها? حزن بعد أن فرح، جال في وصف الحرب عنها فاغتيل وجرح، وظن الأمر سهلاً فإذا الرجل قد ذبح، بينا هو في لذاته يغتبق ويصطبح برح به أمر مرحل، فما برح نزل والله لحداً ضيقاً فما ينفسح، وصمت تحت الثرى فكأنه لم ينطق ولم يصح، وكتب على قبره ما أخّر خسر، وما قدم ربح، وعدل إلى قصره بعد الدفن فافتتح، وأصبحت سهام الوارث في ماله تنتطح، يا معرضاً عن الهدى والأمى متضح، أو ما حالك كهذا الحال? الذي شرح، كأنك بك في ضيق خناقك تبكي على قبيح أخلاقك، وحبل الدموع تجري في حلبات آماقك، وقد تحيرت عند التفاف ساقك بساقك، وأسرت لا بقيد عن حركات إطلاقك، وناداك تفريطك: هذا بعض استحقاقك.
لا تكـذبـن فـإنـنـي لك ناصح لا تكذبـنـه
فاعمل لنفسك ما استطع ت فإنها نـار وجـنة
أخواني، كم من حريص قد جمع المال جمع الثريا? فرقته الأقدار تفريق بنات نعش، يا ذا اللب، حدثني عنك، أتنفق العمر الشريف في طلب الفاني الرذيل? ويحك، إن الهوى مرعاد مبراق بلا مطر، الدنيا لا تساوي نقل أقدامك في طلبها، أرأيت غزالاً يغدو خلف كلب، الدنيا مجاز والأخرى وطن، والأوطار في الأوطان أطوار، إيثار ما يفنى على ما يبقى برسام حاد.
ا أبناء الدنيا إنها مذمومة في كل شريعة، والولد عند الفقهاء يتبع الأم، يا من هو في حديثها أنطق من سبحان، وفي انتقاد الدنانير أنسب من أغفل، فإذا ذكرت الآخرة فأبله من باقل، حيلتك في تحصيلها أدق من الشعر، وأنت في تدبيرها أصنع من النحل، وعين حرصك عليها أبصر من العقاب، وبطن أملك أعطش من الرمل، وفم شرهك أشرب من الهيم، تجمع فيها الدر جمع الذر، يا رفيقاً في البله لدود القز، ما انتفعت بموهبة العقل:
كدود كدود القز ينسـج دائمـاً ويهلك غماً وسط ما هو ناسجه
ويحك، إن سرورها أقتل من السم، وإن شرورها أكثر من النمل، إنها في قلبك أعز من النفس، وسنصير عند الموت أهون من الأرض، حرصك بعد الشيب أحر من الجمر، أبقي عمر? يا أبرد من الثلج، يا من هو عن نجاته أنوم من فهد، ضيعت عمراً أنفس من الدر، أنت في الشر أجرى من جواد، وفي الخير أبطأ من أعرج، تسعى إلى العاجل سعي رث، ويمشي في الأجل مشي فرزان، الزكاة عليك أثقل من أحُد، والصلاة عندك كنقل صخر على ظهر، وطريق المسجد في حسبان كسلك كفرسخي دير كعب، صدرك عن حديث الدنيا أوسع من البحر، ووقت العبادة أضيق من تسعين، معاصيك أشهر من الشمس، وتوبتك أخفى من السهي، إن عرضت خطيئة وثبت وثوب النمر، فإذا لاحت طاعة رغت روغان الثعلب، تقدم على الظلم أقدام السبع، وتخطف الأمانة اختطاف الحدأة، يا أظلم من الجلندي ما تأمنك غزلان الحرم، يا كنعان الأمل، يا نمرود الحيل، يا نعمان الزلل، أنت في حب المال شبه الحباحب، وفي تبذير العمر رفيق حاتم، تمشي في الأمل على طريق أشعب، وستندم ندامة الكسعي، يا عذري الهوى في حب الدنيا، يا كوفي الفقه في تحصيلها، يا بصري الزهد في طلب الآخرة، إنما يتعب في تعليم البازي ليصيد ماله قدر، ولما تعلم بازي فكرك، أرسلته على الجيف.
ويحك تفكر قبل سلوك طريق الهوى، في كثرة المعاثر والصدمات أوما المكروهات في طي المحبوبات كوامن? يا مطلقاً نفسه في محظور شهواتها، اذكر الغمس في الرمس، يا ذا البال الناعم فوق الأرض، اذكر الناعم البالي تحتها، أتلفق? والزمان يفرق، أتؤلف? والحدثان يمزق، أتصفي? والدهر يرنق، أتؤمل? والموت معوق، ويحك إن القاصد قاصم، وما للعاصي عاصم، أنت في أرباب الذنوب غريق، وفي روم الهوى بطريق، فاحذر عقاب الأكابر، يا قليل الخبرة بالطريق اطلب رفقة، إذا لم تعرف القبلة بالعلامات، ففي المساجد محاريب، إذا رأيت قطار التائبين متصلاً فعلق عليه.
أهل الغرام تجمعوا فاليوم يوم عتابنـا
نعق الغراب ببيننا فغرابنا أغرى بنا
إن الذين نحبـهـم قد وكلوا بعذابنـا
قوموا بنا بحياتكـم نمضي إلى أحبابنا
قوم إذا ظفروا بنا جادوا بعتق رقابنا
من مشى إليَّ هرولتُ إليه، دعوناك بالوسائط فلم تحضر، فأتى المرسل ينزل إلى السماء، النظر متشابه والذوق محكم.
ولما رأيت الحب قد مد جـسـره ونودي بالعشاق قوموا بنا فاسروا
خرجتُ مع الأحباب كيما أحـوزه فصادفني الحرمان وانقطع الجسر
ومالت بنا الأمواج من كل جانـبٍ ونادى مناد الحب قد غرق الصبر
الفصل الثاني والثلاثون
يا هذا. لو عاينت قصر أجلك لزهدت في طول أملك، وليقتلنك ندمك إن زلت بك قدمك.
للمتنبئ:
إلى كم ذا التواني في التواني? وكم هذا التمادي في التمادي?
وما ماضي الشباب بمسـتـردٍّ ولا يومٌ يمر بمـسـتـعـار
متى لحظتْ بياض الشيب عيني فقد وجدته منها في الـسـواد
متى ما ازددت من بعد التناهي فقد وقع انتفاضي فـي ازدياد
إلى متى تحرص على الدنيا وتنسى القدر? من الذي طلب ما لم يقدر فقدر? لقد أذاك إذ ذاك النصب، وأوقعك الحرص في شرك الشرك إذ نصب، أتحمل على نفسك فوق الجسد? ولو قنعت أراحك الزهد فلماذا تحمل ما آذى ولمن? ومن ينفعك إن قتلت نفسك يا هذا، ومن? تحمل على الهم الهم، لأمر لو قضى تم، أحرصاً على الدنيا. لا كانت، أم شكاً في عيوبها? فقد بانت.
رأيت ظنوني بها كالسراب فأيقنت أن سرابي سرابي
كم غرت الدنيا فرخها? فعرت، ثم ذبحته بمدية ما مرت، إنها لتقتل صيادها، وتقتل أولادها.
عزيز على مهجتي غرني وسلم لي الوصل واستسلما
فلما تملكنـي واحـتـوى على مهجتي سل ما سلما
والله لو كنت من رياشها أكسى من الكعبة، لم تخرج منها إلا أعرى من الحجر الأسود.
قيل لراهب: ما الذي حبب إليك الخلوة وطرد عنك الفترة? قال: وثبة الأكياس من فخ الدنيا.
وقيل لآخر: لم تخليت عن الدنيا? فقال: خوفاً والله من الآخرة أن تتخلى عني.
من غرس في نفسه شرف الهمة فنبت، نبت عن الأقذار، ومن استقر ركن عزيمته وثبت، وثبت نفسه عن الأكدار.
قد انقضى العمر وأنت في شـغـل فاجسر على الأهوال إن كنت رجل
يا زمن الهمة، يا مقعد العزيمة، يا عليل الفهم، يا بعيد الذهن.
أما اشتقت مغنى الهوى حين طاب ومنبت غصن الصبي حين مـالا
أمـا آن مـن نـازح أن يحــن وللوصل مـن هـاجـر أن يدالا
سار المجدون وتركوك، ونجا المخفون وخلفوك، نادهم إن سمعوك، واستغث بهم إن رحموك.
أيها الراحلون من بـطـن خـيف وركاب النوى بهـم تـتـرامـى
إن أتيتـم وادي الأراك فـاهـدوا لحبيبي تـحـيتـي والـسـلامـا
وردوا ماء ناظري عوض الغـدر ان وارعوا بين الحشى لا الخزامى
واطلبوا إلى قـلـبـي وآيتـه أن تجدوا فيه من هواهم سـهـامـا
يا من أبعدته الخطايا عنهم، أدرج مرحلة الهوى وقد وصلت أنت تتعلل للكسل بالقدر فتقول: لو وفقني، ولكسب الشهوات بالندب إلى الحركة "فامشوا في مناكبها" أنت في طلب الدنيا قدري، وفي طلب الدين جبري، أي مذهب وافق غرضك تمذهبت به، أوليس في الإجماع "من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها" جسدك عندنا وقلبك في البيت، نحن في واد وأنت في واد.
بكرت صبحاً عواذلـه ورسيس الحب قاتله
هوى في واد ولسن به والهوى عنهن شاغله
يتمنين السـلـو لـه ومناه من يواصـلـه
لا بد والله من قلق وحرقة أما في زاوية التعبد أو في هاوية الطرد، إما أن تحرق قلبك بنار الندم على التقصير والشوق إلى لقاء الحبيب، وإلا فنار جهنم أشد حراً:
شجاك الفراق فما تصنع أتصبر للبين أم تجـزع
إذا كنت تبكي وهم جيرة فما ذا تقول إذا ودعوا
القلق القلق يا من سلب قلبه، والبكاء البكاء يا من عظم ذنبه.
كان الشبلي يقول في مناجاته: ليت شعري ما اسمي عندك يا علام الغيوب، وما أنت صانع في ذنوبي يا غفار الذنوب، وبم تختم عملي يا مقلب القلوب? وكان يصيح في جوف الليل: قرة عيني، وسرور قلبي ما الذي أسقطني من عينك? أقلت هذا فراق بيني وبينك?
هجرانك قاتلي سـريعـا والهجر من الحبيب قاتـل
إن كنت نسيتني فعـنـدي شغل بك لا يزال شاغـل
قلبي يهواك ليت شعـري ما أنت بذا المحب فاعـل
حقاً قد قلت يا حـبـيبـي قام على قولـي الـدلائل
شوق وجوى ونـار وجـد تذكي بعظائم الـبـلابـل
سائل دمعي فجفن عـنـي لا يبرح بالبكـاء سـائل
إن جن لي الليل يا حبيبـي فجنة القلب في الرسـائل
أبكي ما كان من وصـال والحزن تهيجه المنـازل
هذا خدي علـى ثـراكـم لا أبـرحــه ولا أزايل
إن أنت طردتني فـويلـي بعد الإعراض من أواصل
كلا والجود لـي شـفـيع والجود مقدم الـوسـائل
الفصل الثالث والثلاثون
يا من بين يديه الأهوال والعجائب، وقدماً نوى له الدهر النوائب، أما سهم المصائب كل يوم صائب، أحاضر فتحمل من عتبنا? كلا بل أنت غائب.
وكيف قرّت لأهل العلم أعينهـم أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا
والموت ينذرهم جهراً علانـية لو كان للقوم أسماعٌ لقد سمعوا
والنار ضاحية لا بد مـوردهـم وليس يدرون من ينجو ومن يقع
قد أمست الطير والأنـعـام آمـنة والنون في البحر لن يغتالها فـزع
والآدمي بهذا الكسـب مـرتـهـن له رقيب على الأسـرار يطـلـع
حتى يوافيه يوم الجمع مـنـفـرداً وخصمه الجلد والأبصار والسمـع
إذ الـنـبـيون والأشـهـاد قـائمة والجن والإنس والأملاك قد خشعوا
وطارت الـصـحـف فـي الأيدي منشرة فيها السرائر والأخبار تطلع
فكيف سهـوك والأنـبـاء واقـعة عما قليل ولا تـدري مـمـا يقـع
أفي الجنان وفوز لا انقـطـاع لـه أم الجحيم فلا تـبـقـي ولا تـدع
تهوي بساكنها طوراً وترفـعـهـم إذا رجوا مخرجاً من غمها قمعـوا
طال البكاء فلم يرحم تضـرعـهـم هيهات لا رقة تغنـي ولا جـزع
لينفع لعلم قبل المـوت عـالـمـه قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا
يا من عمره يقد بالساعات ويعد بالأنفاس، يا خل الأمل خل أحاديث الوسواس، يا طويل الرقاد إلى كم ذا النعاس?، قد بقي القليل لا ريب وهذا الشيب يقلع الأغراس، إن في المقابر عبراً، وما أدراك ما الأدراس?، تالله لو سكن اليقين القلب، لضربت أخماساً في أسداس، هل تجد لماضي العمر لذة? والباقي على القياس، ماذا التهول في البوار، وجر الأذيال في الخسار، كأنك لم تسمع بجنة ولا نار، لهيب حرصك ما يطفي، وشر شرهك ما يخفى، أترى هذا ? على ماذا، أليس لما إذا? قيل آذى.
أنت في طلب الدنيا أحير من صَب، تبيت في عشقها أسهر من صب، أين ما حلا في الفم وحلى في العين، ذهب الكل وأنت تدري إلى أين، ما أصعب السباحة في غدير التمساح، ما أشق السير في الأرض المسبعة، إن المفروح به هو المحزون عليه، غير أن عين الهوى عميا، طاير الطبع يرى الحبة لا الشرك، ضيعت سهادك بسعادك، رمَتْكَ إلى الهند هند، صَيرتَ نهارك ليلا ليلى، ويحك ربات الظلم ظلم، كم أراق الهوى دماً في دمن، ويحك دع سلمى وسل ما ينفعك، دعة لمثلك ترك دعد للنوى، وسعادة لك هجرة لسعاد، قطع الطمع من خضر الدنيا بموسى الياس، تجمع للقلب عزم الخضر وموسى وإلياس.
يا معشر الفقراء الصادقين قد لبستم حلة الفقر، فتجملوا بحلية الكتمان ، اصبروا على عطش الزهد، ولا تشربوا من مشربة من، فالحرة تجوع ولا تأكل بثدييها، لا تسألوا سوى مولاكم فسؤال الغير غير سيده تشنيع عليه، إن الفقير ترك الدنيا إنفة رآها قاطعاً فقاطع، جاز على جيفة مستحيلة فسد منخر الظرف وأسرع، الأنف الأشم لا يشم رذيلة بينا هو في قطع فيافي القناعة، وقع بكنز ما وجده الإسكندر، فقلبه أغنى من قارون، وبيته أفرغ من فؤاد أم موسى. كان إبراهيم بن أدهم يعطي عطاء الأغنياء وهو فقير، ويستدين عليه ثم يؤثر به.
للشريف الرضي :
وهم ينفذون المالَ في أول الغـنـى ويستأنفون الصبرَ في آخر الصبـر
مغاوير في الجُليّ مغاييرُ في الحمى مفاريج للغُمّي مـداريكُ لـلـوِتْـر
وتأخذهم في ساعة الـجـود هِـزّةٌ كما خايل المطرابُ عن نزوةِ الخمرِ
فتحسبهم فيها نشاوى من الـغـنـى وهم في جلابيب الخَصاصة بلا وفر
عظيمٌ علـيهـم أن يمـنّـوا بـلا يدٍ وهَيْنٌ عليهم أن يبيتـوا بـلا وفـر
إذا نزل الحيّ الغريبُ تـقـارعـوا عليه فلم يدرِ المُقل من المـثـري
يميلون في شِق الوفاء مـع الـردى إذا كان محبوب البقاء مع الـغـدر
أحكم القوم العلم فحكم عليهم بالعمل، فقاطعوا التسويف الذي يقطع أعمار الأغمار، وانتبهوا فانتبهوا الليل والنهار، أخرجوا قوى العزائم إلى الأفعال، فلما قضوا ديون الجد قضت علومهم بالحذر من الرد، أقدامهم على أرض التعبد قد ألفت الصفون تعتمد على سنابك الحذر، فإذا أثر عندها النصب، راوحت بين أرجل الرجاء قلوب كالذهب ذهب غشه، أنفاسهم لا تخفى، نفوسهم تكاد تطفى، لون المحب غماز، دمع المشوق نمام.
أخفي كمدي ودمع عينـي في الخد على هواك شاهد
فالجفن بلوعتـي مـقـر للعاذل واللسان جـاحـد
اشتد الخوف يوماً بإبراهيم بن أدهم، فسأل الراحة فعوتب.
لو شئت داويت قلباً أنت سقمه وفي يديك من البلوى سلامته
علامة كتبت في خد عارفكـم من كان مثلي فقد قامت قيامته
ضجت الناقة لثقل الحمل، رأت عظامها قد فرغت ففغرت فم الشكوى فرغت.
يا حادي العيس قد براها حمل هموم لها عظـام
رفقاً بها إنهـا جـلـود ملصقات على عظـام
أشواقها خلفها وشوقـي خلاف أشواقها أمامي
تمادى في قلب العارف جبل الخوف وجبل الحزن، فلما وصل اسكندر الفكر عبى زبر الهموم، حتى إذا ساوى بين الصدفين صاح بجنود الفهم، انفخوا، فاستغاث الواجد لتراكم الكرب.
أيا جبلي نعمان بـالـلـه خـلّـيا نسيم الصبا يخلص إلى نسيمـهـا
أجد روحها أو تشف مني حـرارة على كبد لم يبق إلا صمـيمـهـا
لأن الصبا ريح إذا ما تنـسـمـت على نفس مكروب تجلت همومها
الفصل الرابع والثلاثون
إخواني، رحيل من رحل عنا نذير لنا عنا، وما جرى على من تقدمنا وعظ لنا.
للشريف الرضي:
ما أسرعَ الأيامَ في طـيّنـا تمضي علينا ثم تمضي بنا
في كل يوم أملٌ قـد نـأى مرامُهُ عن أجل قـد دنـا
أنذرنا الدهرُ وما نرعـوي كأنما الدهر سوانا عـنـا
تعاشياً والموت فـي جـده ما أوضح الأمرَ وما أبَيْنـا
والناسُ كالأجمالِ قد قُرِّبتْ تنتظر الحيَّ لأن يظعـنـا
تدنو إلى العشب ومن خلفها مقامرٌ يطردها بالـقـنـا
أين الأُولى شادوا مبانيهـم تهدّموا قبل انهدامِ البـنـا
لا مُعدِمٌ يحميه إعـدامُـه ولا يقي نفسَ الغنيِّ الغِنى
كيف دفاعُ المرء أحداثهـا فرداً وأقرانُ الليالي ثِنـى
حط رجالٌ وركبنا الـذُّرى وعُقبةُ السير لمن بعـدنـا
والحازم الرأي الذي يَغتَذي مُستقلعاً ينذرُ مستوطـنـا
لا يأمنُ الدهرَ على غِـرَّةٍ وعزّ ليث الغاب أن يؤمنا
كم غارسٍ أمّل في غرسه فاعجل المقدار أن يُجتنى
ما هذا التقصير في العمر القصير، ما هذا الزهو يا من إلى البلى يصير، كم فرق الموت أميرة أمير?، كم أزار الألحاد من وزير?، وسوى في القبور بين من هجر وزير، أين الأبطال الذين خاطرهم خطير، طال ما اقتتلوا، حتى كسروا القنا على القناطير، تالله لقد أمسوا حتى أصبحت خيل الموت تعثي وتغير، ونزلوا لحداً كبيراً غير كبير، ورأوا كل منكر من منكر وكل نكير من نكير، فهم مفترقون في القبور، فإذا اجتمعوا بنفخة الصور، عاد شراب الفراق قد أدير "فريقٌ في الجنّةِ وفريقٌ في السّعير".
يا غافلاً والموت يسعى في طلبه، يا مشغولاً بلهوه مفتوناً بلعبه، يا مشترياً راحة تفنى بطول تعبه، أما عللت مريضاً ورأيت كرب كربه، أما شيعت ملكاً فرجعت إلى سلبه، أما تخلى عن ماله وتخلى بمكتسبه، أنفعه غلوّ عزّه أو علوّ نسبه، لقد ناجاك قبره وناداك أمره، فانتبه، ولقد ضرّه هواه، فلا تلهج أنت به، لا تغرنك السلامة فمع الخواطي سهم صائب.
نظر شاب إلى شيخ ضعيف الحركة فقال: يا شيخ، من قيدك? فقال: الذي خلفته يفتل قيدك.
من أخطأته سهام المـوت قـيده طول السنين فلا لهو ولا غـزل
وضاق من نفسه ما كان متسعـاً حتى الرجاء وحتى العزم والأمل
الشباب باكورة الحياة، والشيب رداء الردى، إذا قرع المرء باب الكهولة فقد استأذن على البلا، يا رهين الإثم على العقوبة، ليس لك من يستفكك إلا التوبة، المنطع في قيد يتلقى الحاج منكس الرأس، رب خجلة تمت الناقص، كان بعض الأشياخ يقول: إلهي، من عادة الملوك، أنهم إذا كبر لهم مملوك أعتقوه، وقد كبرت فأعتقني. وقف أعجمي عند الكعبة، والناس يدعون وهو ساكت، ثم اخذ بلحيته فرفعها، وقال: يا خداه شيخ كبير.
لما أتونا والشيب شافعهـم وقد توالى عليهم الخجـل
قلنا لتلك الصحائف انقلبـي بيضاً فإن الشيوخ قد عقلوا
يا معاشر الشباب انتبهوا، القوى في التقوى، فلو قد حل المشيب حل التركيب، إذا هلك أمير الشباب وقع الشتات في العسكر، الشباب رياض والشيب قاع قفر، فاستصحبوا الزاد قبل دخول الفلاة.
يا قومنا، الفوائد فوايت، كف من تبذير يؤذي، فكيف ببيذر من رعونة?، إذا كانت القلوب عقماً عن الفكر، واتفقت عنة الفهم فلا وجه لنسل الفضائل، الخوف ذكر والرجاء أنثى ومخنث البطالة إلى الإناث أميل. من زرع بذر العمل في أرجاء الرجا ولم تقع عليه شمس الحذر جاءت ثماره فجة. الجاهل ينام على فراش الأمن فيثقل نومه، فتكثر أحلام أمانيه، والعالم يضطجع على مهاد الخوف وحارس اليقظة يوقظه، من فهم معنى الوجود علم عزة النجاة. النفس طائر قد أرسل من عبادان التعبد محملاً كتاب الأمانة إلى دار الملك والعدو قد نصب له صنوف الأشراك، يلوح في ضمنها الحب المحبوب، فإن تم كيده فهو صيده، وإن خبر الخبر عبر، يا أطيار الفهوم احذري مراعي الهموم فثم عقبان التلف، ومن نجا منها بعد المحاربة أفلت مكسور الجناح، واعجباً لبلبل الفطنة كيف اغتر بفخ الفتنة.
للشريف الرضي:
يا قلب كيف علقت في أشراكهم ولقد عهدتك تُفلِتُ الأشـراكـا
لا تشكونَ إليّ وَجداً بـعـدهـا هذا الذي جرَّتْ علـيكَ يداكـا
من حدق بصره إلى طرف الدنيا طرفت عينه. من أصغى إلى حديث الهوى أورثه الصمم عن النصائح. خست همة فرعون فاستعظم الحقير "أليسَ لي مُلكُ مِصر" يا دني النفس حمارك ينهق من كف شعير يراه، الدنيا كلها كجناح بعوضة فما نسبة مصر إليها. صبي الفهم يشغله لون الصدفة والمتيقظ يرى الدرة. يا هذا، إذا لاحت لك شهوة فقف متدبراً عواقبها وقد بردت حرارة الهوى فبين النجاة والهلاك فواق. واعجباً أنفقت المال المسروق وبقي القطع:
أبكي زللي وأشتكـي آثـامـي في سفك دمي تقدمت أقدامـي
ما أبصرت إلا والبلى قـدامـي ما أسرع ما أصاب قلبي الرامي
ضر والله التخليط آدم، ونفعت الحمية يوسف، ملك هواه فملك زليخا، أمرضها حبه فأرادت تناول مقصودها في زمان الحمية فصاح لسان طبه "معاذ الله" فخلطت في بحران المرض "ما جزاء من أرادَ بأهلكَ سوءاً إلاّ أن يُسْجَنَ" فلما صح الذهن قالت: "الآنَ حصحصَ الحَقُّ". لما نظر يوسف في عواقب الذنب ونهاية الصبر فكف الكف اطلع بتعليم التأويل على عواقب الرؤيا. دخل اليوم موسى وعظى إلى مدينة مدين قلبك فوجد فيها رجلين يقتتلان، القلب والهوى، فاستغاثه الذي من شيعته وهو القلب على الذي من عدوه وهو الهوى، فوكزه موسى فقضى عليه، فكان قتل الهوى سبباً للخروج من قصر مصر الغفلة إلى شعب شعيب اليقظة، فالآن يناديك لسان المعاملة، هل لك في بلوغ عرضك على أن تأجرني، فإن وفيت انقلبت إلى لذاتك مسروراً، واسترجع لك التكليم على طور الجنة، فإن صحبت فرعون الهوى غرقت بعبورك يوم اليم.
الفصل الخامس والثلاثون
يا هذا، إنما خلقت الدنيا لتجوزها لا لتحوزها، ولتعبرها لا لتعمرها، فاقتل هواك المايل إليها، واقبل نصحي لا تعول عليها.
لورقة بن نوفل:
لاشيء فيما ترى تبقى بشاشتـه يبقى الإله ويؤدي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه والخلد قد حاولتْ عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له والإنس والجنّ فيما بينها تـردُ
أين الملوك التي كانت نوافلهـا من كل أوب إليها وافـدٌ يفـد
حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كـذبٍ لا بدّ من رده يوماً كمـا وردوا
الدنيا مزرعة النوائب ومشرعة المصائب، ومفرقة المجامع ومجرية المدامع. كم سلبت أقواماً أقوى ما كانوا، وبانت أحلى ما كانت أحلاماً فبانوا، ففكر في أهل القصور والممالك، كيف مزقوا بكف المهالك ثم عد بالنظر في حالك، لعله يتجلى القلب الحالك. إن لذات الدنيا لفوارك، وإن موج بلائها لمتدارك، كم حج كعبتها قاصد فقتلته قبل المناسك، كم علا ذروتها مغرور فإذا به تحت السنابك، كم غرت غراً فما استقر، حتى صيد باشك، خلها واطلب خلة ذات سرور وسرر وأرائك، تالله ما طيب العيش إلا هنالك. أخواني ، ما قعودنا وقد سار الركب، ما أرى النية الآنية، يا مسافرين من عزم تزود، يا راحلين بلا رواحل وطنوا على الانقطاع، ليت المحترز نجا فكيف المهمل?، يا أقدام الصبر تحملي فقد بقي القليل، تذكري حلاوة الدعة يهن عليك مر السرى، قد علمت أين المنزل، فاحدلها تسير .
للمهيار:
تغنَّ بالجـرعـاء يا سـائقـهـا فإن ونت شيئاً فزدها الأبـرقـا
واغنَ عن السياطِ في أرجـوزة بحاجرٍ ترَ السهـامَ الـمُـرقـا
واستقبال الريح الصبا بخُطمهـا تجدْ سُرى ما وجدتْ منتسـقـا
إن لها عند الحـمـى وأهـلـهِ تعلقاً من حـبـهـا وعـلـقـا
وكل ما تـزجـره حـداتُـهـا رعى الحمى ربُّ الغمام وسقى
حواملا منها همومـاً ثـقُـلـتْ وانفساً لـم تـبـق إلا رمَـقـا
تحملنـا وإن عـرين قـصَـبـاً وإن دمـين أذرعـاً وأسـوقـا
دام عليها الليلُ حتى أصبـحـت تحسب فجرَ ذاتِ عرقٍ شفقـا
عرِّجْ على الوادي فقل عن كبدي ما شئت للبان الجوى والحُرَقـا
الجنة ترضى منك بالزهد، والنار تندفع عنك بترك الذنب، والمحبة لا تقع إلا بالروح.
إنّ سلطان حبـه قال لا أقبل الرشا
ما سلك الخليل طريقاً أطيب من الفلاة التي دخلها، لما خرج من كفه المنجنيق، زيارة تسعى، فيها أقدام الرضا على أرض الشوق، شابهت ليلة "فزجني في النور، وقال ها أنت وربك".
زرناك شوقاً ولو أن النوى بسطت فرش للفلا بيننا جمراً لزرنـاك
رآه جبريل وقد ودع بلد العادة، فظن ضعف أقدام المتوكل فعرض عليه زاد "ألك حاجة" فرده بأنفة "أما إليك فلا" قال فسل مولاك، قال: علمه بحالي يغنيني عن سؤالي.
تملكوا واحتكـمـوا وصار قلبي لـهـم
تصرفوا في ملكهـم فلا يقال ظلـمـوا
إن وصلوا محبـهـم أو قطعوا لهم هـم
يا أرض سلع أخبري وحدثيني عـنـهـم
تبكيهم أرضى منـى وتشتكيهـم زمـزم
يا ليت شعري إذ غوا أأنجدوا أم اتهـمـوا
ما ضرهم حين سروا لو وقفوا فسلّـمـوا
أبدان المحبين عندكم وقلوبهم عند الحبيب، طرق طارق باب أبي يزيد فقال: ها هنا أبو يزيد? فصاح من داخل الدار: أبو يزيد يطلب أبا يزيد فما يجده.
للمهيار:
وبجرعاءِ الحمى قلبـي فـعـج بالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترجّـلْ وتـحـدّثْ عـجَـبـاً أن قلباً سار عن جسمٍ أقـامـا
قل لجيران الغضـا آهٍ عـلـى طيب عيشٍ بالغضا لو كان داما
حملوا ريحَ الصبـا نـشـركُـمُ قبلَ أن تحملَ شيحاً وتـمـامـا
وابعثوا لي بالكرى طـيفـكـم إن أذنتم لعيونـي أن تـنـامـا
بلغت بالقوم المحبة إلى استحلاء البلى، فوجدوا في التعذيب عذوبة لعلمهم أنه مراد الحبيب.
إرضاء أسخط أو أرضي تلونه وكل ما يفعل المحبوب محبوب
ضنى سويد بن مثعبة، على فراشه، فكان يقول: والله ما أحب أن الله نقصني منه قلامة ظفر.
تعجبوا من تمني القلب مؤلمه وما دروا أنه خلوٌ من الألـم
أمر الحجاج بصلب ما هان العابد، فرفع على خشبة وهو يسبح ويهلل ويعقد بيده حتى بلغ تسعاً وعشرين فبقي شهراً بعد موته، ويده على ذلك العقد مضمومة.
لتحشرن عظامي بعد ما بليت يوم الحساب وفيها حبكم علق
مروا على مجذوم قد مزقه الجذام، فقالوا له: لو تداويت، فقال: لو قطعني إرباً إرباً ما ازددت له إلا حباً.
إن كان جيرانُ الغضـى رضوا بقتلي فـرضـا
والله لا كـنـت لـمـا يهوى الحبيب مبغضـا
صرت لهم عبـداً ومـا للعبـد أن يعـتـرضـا
هم قلّبوا قـلـبـي مـن الشوق على جمر الغضا
يا لـيت أيام الـحـمـى يعود منها ما مـضـى
من لـمـريض لا يرى إلا الطبيب الممـرضـا
كان الشبلي يقول: أحبك الناس لنعمائك وأنا أحبك لبلائك.
من لقتيل الحب لـو ردّ عليه القـاتـلُ
يجرحه النّبلُ ويهوى أن يعود النـابـل
قلبهم الزهد في قفر الفقر على أكف الصبر فقلع أوداج أغراضهم بسكين المسكنة، والبلاء ينادي أتصبرون? والعزم يجيب: لا ضير، سقاهم رحيق القرب فأورثهم حريق الحب فغابوا بالسكر عن روية النفس فعربدوا على رسم الجسم وهاموا في فلوات الوجد يستأنسون بالحمام والوحش.
يا منية القلب ما جيدي بمنعطـف إلى سواكم ولا حبلي بمـنـقـاد
لولا المحبة ما استعملـت بـارقة ولا سألت حمام الدوح إسـعـادي
ولا وقفت على الـوادي أسـائلـه بالدمع حتى رثى لي ساكن الوادي
الفصل السادس والثلاثون
أيها المغتر كم خدعت، ما واصل وصلها محب إلا قطعت، ولا ناولت نوالاً إلا ارتجفت، اختبأت مريرها فلما اعتقلت أسيرها جرعت، متى رأيتها قد توطنت فاعلم أنها قد أزمعت.
يا محب الدنيا الغرور اغـتـرارا راكباً في طلابهـا الأخـطـارا
يبتغي وصلها فـتـأبـى عـلـيه وترى أنسه فـتـبـدي نـفـارا
خابَ من يبتغي الوصال لـديهـا جارةٌ لم تزل تسـيء الـجـوارا
كم محبٍّ أرته أنـسـاً فـلـمـا حاول الزور صـيرتـه ازورارا
شيب حلو اللذات منـهـا بـمـر إن حلت مـرة أمـرت مـرارا
في اكتساب الحلال منها حسـاب واكتساب الحرام يصلي الـنـارا
ولباغي الأوطار منـهـا عـنـاءٌ سوف يقضي وما قضى الأوطارا
كل لذاتها مـنـغـصة الـعـيش وأرباحـهـا تـعـود خـسـارا
وليالي الهـمـوم فـيهـا طـوال وليالي السرور تمضي قصـارا
وكفى أنهـا تـظـن وإن جـادت بنزر أفـنـت بـه الأعـمـارا
وإذا ما سقت خمـور الأمـانـي صيرت بعدها المنـايا خـمـارا
كم ملـيك مـسـلـط ذلـلـتـه بعد عز فما أطاق انـتـصـارا
ونعيم قد أعـقـبـتـه بـبـوس ومغان قد غادرتـهـا قـفـارا
أيها المستعير منـهـا مـتـاعـاً عن قليل تسترجع المسـتـعـارا
عد عن وصل مـن يعـيرك مـا يفنى ويبقى إثماً ويكسـب عـارا
قد أرتك الأمثال في سالـف الـد هر وما قدراتك فيك اعتـبـارا
وجدير بـالـعـذر مـن قـدم الأ عذار فيمـا جـنـاه والإنـذارا
فتعوض منهـا بـخـلة صـدق والتمس غـير هـذه الـدار دارا
والبدار البدار بالعـمـل الـصـا لح ما دمت تستطـيع الـبـدارا
إلى متى في طلبها?، إلى كم الاغترار بها?، تدور البلاد منشداً ضالة المنى، وتلك ضالة لا توجد أبداً، فسيقتلك الحرص غريباً ولكن لا في فيافي "فيا طوبى للغرباء".
أظن هواها تاركي بـمـضـلة من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحد أفضى إلـيه وصـيتـي ولا وارث إلا المطية والرحـل
أيها المتعب نفسه في جمع المال، عقاب الوارث على مرقب الانتظار، أفهمت أم أشرح لك?، العقاب لا تعاني الصيد وإنما تكون على موضع عال، فأي طائر صاد صيداً انقضت عليه فإذا رآها هرب وترك الصيد، ومالك تجمع مالك? ومالك منه إلا ما تخلف، والزمان يشتك للذهاب وأنت للإذهاب تؤلف، المال إذا وصل إلى الكرام عابر سبيل وإكرام عابر السبيل تجهيزه للرحيل، جسم البخيل كله يعرق إلا اليد كفه مكفوفة ما ينفق منها خرزة.
تحلى بأسماء الشهور فـكـفـه جمادى وما ضمت عليه المحرم
يا فرعوني الكبر تفرح بمال سيسلب منك، فتستعير كلمة "أليس لي" يا نمروذي الجهل، تشد أطناب الحيل على الدنيا في أرجل نسور الأمل ثم ترمي نشاب الأغراض، إن وقف لك غرض فتستغيث الأكوان من يدك "وإن كان مكرهم" من فهم علم التوحيد، تجرد للواحد بقطع العلائق، أما ترى كلمتي الشهادة مجردة عن نقط. إذا أعرضت عن الدنيا أقبلت إليك الآخرة، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، عقر سليمان الخيل " فسخّرنا لهُ الريحَ"، لما عقدت الخنصر على التوحيد ميزت على باقي الأصابع بالخاتم.
يا أطفال التوبة ما أنكر حنينكم إلى الرضاع، ولكن ذوقوا مطاعم الرجال وقد نسيتم شرب اللبن، إذا تحصن الهوى بقلعة الطبع فانصبوا مجانيق العزائم وقد انهدم السور، أنتم تخرجون لقتل سبع ما أذاكم. ليقال عن أحدكم ما أجلده، فكيف تتركون سبع الهوى وقد أغار على سرح القلوب? إنما تتحف الملوك بالباكورة. فافهموا يا صبيان التوبة إذا أهديتم فالرطب لا الحشف. يا أطيار الشباب، إما عبادان التعبد وإلا استفراخ العلم وإلا فالذبح، تريدون نيل الشهوات وحصول المراتب، والجمع بين الأضداد لا يمكن.
هواك نجد وهواي الشام وذا وذا يا مي لا يلتام.
ما زلت أعالج مسمار الهوى. في قلب العاصي، أميل به تارة إلى جانب التخويف، وتارة إلى ناحية التشويق، فلما ضعف الماسك بإزعاجي له، اتسع عليه المجال فجذبته، أنفت لصبي اللعب من بيع جوهر العمر النفيس بصدف الهوى، فشددت عليه في الحجر ليعلم بعد البلوغ "أنِّي لمْ أَخُنْهُ بالغيب".
الفصل السابع والثلاثون
أخواني! جدوا فقد سبقتكم، واستعدوا فقد لحقتم، وانظروا بماذا من الهوى علقتم?، ولا تغفلوا عما له خلقتم، ذهبت الأيام وما أطعتم، وكتبت الآثام وما أصغيتم، وكأنكم بالصادقين قد وصلوا وانقطعتم، أهذا التوبيخ لغيركم أو ما قد سمعتم? لصردر:
ما ضاع من أيامنا هـل يُغـرمُ هيهات والأزمان كيف تـقـوم
يومٌ بأرواحٍ يبـاع ويشـتـرى وأخوه ليس يُسامُ فـيه درهـمُ
لي وقفة في الدار لا رجعت بما أهوى ولا يأسي عليهـا يُقـدِمُ
وكفاك أني للنـوائب عـاتـبٌ ولصُمِّ أحجار الـديار أكـلـم
ومن البلادة في الصبابة أننـي مستخبرٌ عنهن من لا يفـهـم
وإذا البليغ شـكـا إلـيه بـثـه عبثاً فما بال المـطـايا تُـرزِمُ
كل كنى عن شوقه بلـغـاتـه ولربما أبكى الفصيحَ الأعجـمُ
نرجو سلوكاً في رسومٍ بينـهـا الأغصان سكر، والحمام متـيمُ
هذي تميل إذا تنسمت الصـبـا والوُرق تذكر إلفَها فـتـرَنَّـمُ
آهٍ على زمانٍ فاتن وعلى قلب حي مات، كيف الطمع فيما مضى? هيهات، رداً على ليالي التي سلفت أين الزمان الذي بان? أتراه بان، أين القلب الصافي? كان وكان.
سقياً لمنزلة الحمى وكثيبهـا إذ لا أرى زمناً كأزماني بها
ما أعرف اللذات إلا ذاكـراً هيهات قد خلفت أوقاتي بها
يا من كان له قلب فانقلب، قيام السحر يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك.
أين أيامك والـدهـر ربـيع والنوى معزولة والقرب وال
يا من كان قريباً فطرد، يا من كان مشاهداً فحجب، يا عزيزي ما ألفت الشقاء، فكيف تصبر? أصعب الفقر ما كان بعد الغنى. وأوحش الذل ما كان بعد العز وأشدهما على الكبر. يا هذا بت بيت الأحزان من قبل البيات، وثب إلى المثيب وثبة ثبات، ولا تجاوز الجناب ودر حول الدار، واستقبل قبلة التضرع وقل في الأسحار:
قد قلق الحب وطال الـكـرى وأظلم الجو وضاق الفـضـا
لا يعطش الزرع الذي نبـتـه بصوت أنعامك قـد روّضـا
إن كان لي ذنب تجـرمـتـه فاستأنف العفو وهب ما مضى
لا تبر عـوداً أنـت ريشـتـه حاشى لباني المجد أن ينقضـا
كيف لا أبكي لأعـراض مـن أعرض عني الدهر إذ عرضا
قد كنت أرجوه لنيل المـنـى فاليوم لا أطلب إلا الـرضـا
يا من فقد قلبه وعدم التحيل في طلبه، تنفس من كرب الوجد فبريد اللطف يحمل الملطفات، ريح الأسحار ركابي الرسائل، ونسيم الفجر ترجمان الجواب.
للمهيار:
فيا ريح الصبا اقترحي على الأحشاء واحتكمي
أراك نسمتِ تختبـرين ما عهدي وما ذممـي
فهذي في يدي كـبـدي وذا في وجنتي دمـي
سلامٌ كلـمـا ذُكـرتْ ليالينـا بـذي سـلَـم
أخواني، صعداء الأنفاس واصل لا يمنع، لسان الدمع أفصح من لسان الشكوى، شجو التائب يطرب سمع الرضا، حزن النادم يسر قلب التعبد، قلق المسكين محبوب الرحمة، آسى من أسا فرح العفو، بكاء المفرط يضحك سن القبول، دمع المحزون مخزون لخزانة الخاص، ريح نفس آسف أطيب من ند ند، قطرة من الدمع على الخد أنفع من ألف مطرة على الأرض:
ضمنت حالي للقصة ورفعتها فآتاني التوقيع يشرح حالـه
فأتيت ديوان الهوى فلكثـرة العشاق لم ينهي لي إيصاله
حتى إذا أوصلتها نظروا إلى شخص تبقى للعيون خيالـه
قلت ارحموا هذا الفقير فإنه من حين هجركم تمزق حاله
يا دائرة الشقاء أين أوّلك? يا أرض التيه متى آخرك? يا أيوب البلاء إلى كم على الكناسة? متى ينسخ الزمن? زمن "اركض":
سمعت حمامة هتفت بليل وقد حنّتْ إلى ألف بعـيد
فأزعجت القلوب وأقلقتها فما زلنا نقول لها أعيدي
أرى ماءً وبي عطشٌ شديد ولكن لا سبيل إلى الورود
تعلق بالليل فهو شفيع مشفع، تمسك بالبكاء فهو رفيق صالح، ادخل في زمرة المتهجدين على وجه التطفل في فلوات الخلوات بلسان التذلل:
يا راحم عبرة المسيء المحـزون دمعي مبذول وحزن قلبي مخزون
شوقي يسعى إليك والصبر حرون من تهجره أنت ترى كيف يكـون
أبواب الملوك لا تطرق بالأيدي ولا بالحجارة بل بنفس محتاج: للمهيار:
آه والشوق ما تأوهت مـنـه لليالٍ بالسفح لو عُدْنَ أخـرى
قلِّبوا ذلك الرماد تُـصـيبـوا فيه قلبي إن لم تصيبوا الجمرا
يا هذا، إذا رأيت نفسك متخيلة لا مع المحبين ولا مع التائبين فابسط رماد الأسف واجلس مع رفيق اللهف وابعث رسالة القلق مع بريد الصعداء لعله يأتي بالجواب بكشف الجوى:
ولي زفرات لو ظهرنَ قتـلـتـنـي لشوق لييلاتي التـي قـد تـولـت
إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضـت فمن لي بأخرى مثل تيك أظلـمـت
حلفت لهـم بـالـلـه مـا أم واحـد إذا ذكـرتـه آخـر الـلـيل أنـت
وما وجدا عرابية قـد. فـت بـهـا صروف النوى من حيث لم تك ظنت
تمنت أحـالـيب الـرعـاء وخـيمة بنجد فلم يقدر لهـا مـا تـمـنـت
إذا ذكرت ماء الـعـذيب وطـيبـه وبرد حصاه آخر الـلـيل حـنـت
لهـا أنة وقـت الـعـشــاء وأنة سحيراً فلو لا انتـاهـا لـجـنـت
بأكثر منـي لـوعة غـير أنـنـي أجمجم أحشائي على مـا أجـنـت
نيران الخوف في قلوب التائبين ما تخبو، وقلق المذنبين مما جنوا لا يسكن، وضجيج المحبين في جيوش الشوق ما يفتر:
واهاً لزماننا الذي كـان صـفـا أبكي مرضي وليس لي منه شفا
ذابت روحي وما أرى غير جفا هذا رمقي تسلـمـوه بـوفـا
الفصل الثامن والثلاثون
ألا يعتبر المقيم منكم بمن رحل? ألا يندم من يعلم عواقب الكسل? آه لغافل كلما جد الموت هزل، ولعاقل كلما صعد العمر نزل.
أعد على فكرك أسـلاف الأمـم وقفْ على ما في القبور من رمم
وناديهم أين الـقـوي مـنـكـم القاهر أم أين الضعيف المهتضم
تفاصلت أوصالهم فوق الـثـرى ثم تساوت تـحـتـه كـلُّ قـدم
قبرُ البـخـيل والـكـريم واحـدٌ ما نفع البخل ولا ضر الـكـرم
واعجـبـاً لـغـافـل أمـامـه هجوم ما لا يتـقـي إذا هـجـم
إذا تخطاه على عهد الـصـبـي أو الشباب لم يفته فـي الـهـرم
أما كفى الإنسان موتُ بعـضـه وهو المشيب المستطير في اللمم
أي خـلـيلـين أقـامـا أبــداً ما افترقا وأي حبل ما انـصـرم
إن الـنـجـوم الـدائرات أبـداً تضحك من مبتسم إذا ابـتـسـم
أخواني، بادروا آجالكم، وحاذروا آمالكم، آمالكم عبرة فيمن مضى? آمالكم، ما هذا الغرور الذي قد أمالكم? ستتركون على رغم آمالكم مالكم.
أخواني، صدقتم الأمل فكذبكم، وأطعتم الهوى فعذبكم، أما أنذركم السقم بعد الصحة، والترحة بعد الفرحة، في كل يوم يموت من أشباحكم ما يكفي في نعي أرواحكم، ويحل بعقوقكم وفنائكم ما يخبركم عن شتاتكم وفنائكم، فخذوا حذركم قبل النوائب، فقد أتيتم من كل جانب، وتذكروا سهر أهل النار في النار، واحذروا فوت دار الأبرار، وتخوفوا يوم الفصل بين الفريقين أن يصيبكم من البين البين.
أخواني، أبصاركم قوية وبصائركم ضعيفة، ومن ترائى هواه توارى عنه عقله، سحبان من ظهر لخلقه بخلقه، غير أن عالم الحس لا يرونه، أما قلبك من نطفة إلى علقة وأنت كالجماد، كلما نفخ فيك الروح بعث الزاد بساق إليك من دم الأم فتتناوله باجتذاب السرة، إذ لو طرق الحلقوم تلفت، فلما خرجت إلى فلاة الدنيا رأيت أدواتي الثديين معلقتين لشربك، وكانت عمور الأسنان تكفي في اجتذاب المشروب، فكلما اعتصرته خرج مغربلاً لئلا يقع شرق، فلما قويت المعا وافتقرت إلى غذاء فيه صلابة أنبت الأسنان لتقطع والأضراس لتطحن ومن العجائب، أنه أخرجت غبياً لا تعلم شيئاً، فلو أخرجك عاقلاً لرأيت من أطم المصائب تقلبك في الخرق والمصائب، ثم جعل بكاءك حينئذٍ متقاضياً بالمصالح وبث القوى في باطنك فقوة تطلب الغذاء وثانية تجتذبه إلى الكبد وثالثة تمسكه لها حتى تطبخه فيصير دماً، ورابعة تهضمه، وخامسة تفرق بين صفوه وكدره وسادسة تتولى قسمته، فلو بعثت إلى الخد، ما تبعث إلى الكخذ صار بمقداره، وسابعة تدفع ثقله.
أفيحسن بعد تفرقة الجامكية على العسكر، أن يثبوا في المخالفة للمنعم? ثم انظر إلى هذا الهواء الذي قد ملئ به الفضاء كيف تنتصب منه النفس إلى النفس? ثم هو للأصوات من حيث المعنى كالقرطاس، يرقم فيه الحوائج ثم يمتحي فيعود نقياً، فأقوام يرقمون فيه الذكر والتسبيح، وآخرون يرقمون كل قبيح، وكم بين من يرقم تلاوة القرآن، وبين من يرقم أصوات العيدان? ثم تأمل آلات الأصوات، ترى الرئة كالرق، والحنجرة كالأنبوب، فإذا ظهر الصفر أخذ اللسان والشفتان في صناعته ألحاناً، فهو كالأصابع المختلفة على فم المزمار.
ثم تأمل الأرض، كيف مدها بساطاً وأمسكها عن الاضطراب لتصح للسكنى، ثم يزلزلها في وقت ليفطن الساكن بقدرة المزعج، وجعل فيها نوع رخاوة ليقبل الحفر والزرع، ورفع جانب السماء لينحدر الماء، وفرق المياه بين الجزائر ليرطب الهواء، وأودع المعادن كما تودع الحاجات في الخزائن، ولما بث الطير صان عنها السنبل، لأنه قوتك بقشور صلبة قايمات كالإبر لئلا تستفه فتموت بشماء، فيفوت الحظان، ثم تأمل الرماية كيف حشيت بالشحم بين الحب، ليكون غذاءاً لها إلى وقت عود المثل، ثم جعل كل حشوتين لفافة لئلا يتصاك فيجري الماء، ثم جاء بالشمس سراجاً ومنضجاً للثمر تجري لتعمر الأماكن ثم تغيب ليسكن الحيوان، ولما كانت الحوائج قد تعرض بالليل جعل في القمر خلفاً ولم يجعل طلوعه في الليل دائماً، لئلا تنبسط الناس في أعمالهم كانبساطهم بالنهار، فيؤذي الحريص كلاله، ولما قدر غيبة القمر في بعض الليل جعل أنوار الكواكب كشعل النار في أيدي المقتبسين، ولما كانت حاجة الخلق إلى النار ضرورية أنشأها وجعلها كالمخزون، تستنهض وقت الحاجة فتمسك بالمادة، قدر مراد الممسك، ثم انظر إلى الطائر، لما كان يختلس قوته خوف اصطياده، صلب منقاره لئلا ينسحج من الالتقاط لأن زامن الانتهاب لا يحتمل المضغ، وجعل له حوصلة يجمع فيها الحب ثم ينقله إلى القانصة في زمان الأمن، فإن كانت له أفراخ أسهمهم من الحاصل في الحوصلة قبل النقل، فإن لم يكن له حنة على أفراخه أغنوا عنه باستقلالهم من حين انشقاق البيضة كالفراريج.
واعجباً كيف يُعصى من هذه نعمه، وكيف لا تموت النفس حباً لمن هذه حكمه، إن دنت همتك فخف من عقوبته، وإن علت قليلاً فارغب في معاملته، وإن تناهت فتعلق بمحبته، على قدر أهل العزم تأتي العزائم، إن قصرت همتك فآثرت قطع الشوك صحبك حمار، وإن رضيت سياسة الدواب رفقك بغل، وإن سددت بعض الثغور أعطيت فرساً، فإن كنت تحسن السباق كان عربياً، فإن عزمت على الحج ركبت جملاً، وإن شمخت همتك إلى الملك فالفيل مركب الملوك.
رأيت عليات الأمور منـوطة بمستودعات في بطون الأساود
ليس كل الخيل للسباق ولا كل الطيور تحمل الكتب، من الناس من تشغله في الدنيا سوداء، ومنهم من لا يلهيه في الجنة قصر، ولا يسليه عن حبيبه نهر، قوته في الدنيا الذكر وفي الآخرة النظر.
يقول أناس لو تناسى وصالهـا وواصل أخرى غيرها لسلاها
فلا نظرت عين تلذ بغـيرهـا ولا بقيت نفس تحب سواهـا
الفصل التاسع والثلاثون
أيها الغافل في إقامته عن نقلته، الجاهل وقد ملأ بما يملي بطن صحيفته، ألك زاد لسفرك على طول مسافته?
خف الله وانظر في صحيفتك التي حوت كلما قدمته من فعالـكـا
فقد خط فيها الكاتبان فأكـثـروا ولم يبق إلا أن يقولا فـذالـكـا
والله ما تدري إذا ما لـقـيتـهـا أتوضع في يمناك أو في شمالكا
فلا تحسبن المرء يبقى مخـلـداً فما الناس إلا هالك فابك هالكـا
يا من تحصى عليه اللفظة والنظرة، مزق بيد الجد أثواب الفترة، وتأهب فما تدري السير عشاء أو بكرة، واعتبر بالقرباء فالعبرة تبعث العبرة، وتزود لسفرة ما مثلها سفرة، واقنع باليسير فالحساب عسير على الذرة، وإياك والحرام وانظر من أين الكسرة? قبل أن تلقى ساعة حسرة وتلقى بعدها في ظلمة حفرة.
لا يغرنـك الـزمـان بـيسـر وسرور ولا يرعك بـعـسـره
إن مر الزمان يمحق عسر المرء في لحـظة ويذهـب بـسـره
وسواء إذا انقضى يوم كـسـرى في نعيم ويوم صاحب كـسـره
أترى في عين العبرة رمد? أما تبصر انسلاخ الأمد? يا دائم المعاصي ما غيره الأبد، تصلي ولو التعود لم تكد، القلب غايب إنما جاء الجسد، الفكر يجول في طلب الدنيا من بلد إلى بلد، يا معرضاً عن بحر برناء لا تقنع بالثمد، يا مقتول الهوى ولكن بلا قود. بين الهوى والمنى، ضاع الجلد، أما يجول ذكر الموت في الخلد? أرأيت أحداً من قبلك خلد? رب يوم معدود وليس في العدد، إنما الروح عارية في هذا الجسد، هذا بحر الغرور يقذف بالزبد، كم ركبه جاهل فغرق قبل البلد، هذا سهم المنون يفري حلق الزرد، أخواني دنا الصباح فقولوا لمن رقد: أين الوجوه الصباح? مرت على جدد، أين الظباء الملاح? اغتالها الأسد، هذا هو المصير. أما يرعوي أحد? قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: عظني، فقال: اضطجع. ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجد فيه الآن وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن.
أيها الطالب للدنيا وما يجد، كيف تجد الآخرة وما تطلب? ما مضى من الدنيا فحلم، وما بقي فأماني، سبعة يظلهم الله في ظله، منهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخشى الله.
اسمع يا من أجاب عجوزاً على مزبلة، ويحك إنها سوداء، ولكن قد غلبت عليك، عرضت على نبيينا صلى الله عليه وسلم بطحاء مكة ذهباً فأبى، يا محمد ممن تعلمت هذه القناعة? قال لسان حاله: من عجلة أبي، الحريص دائم السرى وما يحمد الصباح، من لا همة له سوى جمع الحطام معدود في الحشرات.
يا أطيار القلوب إلى كم في مزبلة الحبس? اكسري بالعزم قفص الحصر، واخرجي إلى فضاء صحراء القدس، روحي خماصاً من الهوى، تعودي بطاناً من الهدى، بين أبي الحركة وأم القصد ينتج ولد الظفر، لا ينال الجسيم بالهوينا، حمل النفس على حمل المشاق مدرجة إلى الشرف، واعجباً من توقف الكالى والدر ينثر، أشهود كغياب? أكانون في آب?، الحرب خصام قائم وأنت غلام نائم، ادخل بسلامتك لابس لامتك، ليس في سلاح المحارب أحدّ من نبلة عوم، أجرأ الليوث أجرها للصيود.
ليس عزماً ما مرض العزم فيه ليس هما ما عاق عنه الظلام
طر بجناح الجد من وكر الكسل، تابعاً آثار الأحباب تصل.
للشريف الرضي:
تلفّت حتى لم يبِـن مـن ديارهـم جناب ولا من نـارهـن وقـود
وإن التفات القلب من بعد طَرْفـه طَوال الليالي نحـوهـم لـيزيد
ولو قال لي الغادون: ما أنت مُشْتَهٍ غداةَ جزعنا الرمل قلت: أعـود
أأصبر والوَعساءُ بيني وبـينـهـم وأعلام خَبتٍ? إننـي لـجـلـيد
يا مخنث العزم أين أنت والطريق? سبيل نصب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار إبراهيم الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بدراهم، وذهبت من البكاء عين يعقوب، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح الحصور يحيى، وضنى بالبلاء أيوب، وزاد على المقدار موسى، وهام مع الوحوش عيسى، وعالج الفقر محمد صلى الله عليه وسلم.
فيا دارهم بالحزن أن مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال
أول قدم في الطريق بذل الروح، هذه الجادة فأين السالك? هذا قميص يوسف فأين يعقوب? هذا طور سينا فأين موسى? يا جنيد احضر، يا شبلي اسمع.
بدم المحب يباع وصلهم فمن الذي يبتاع بالسعر
??الفصل الأربعون
أخواني، اعتبروا بالذين قطنوا وخزنوا، كيف ظعنوا وحزنوا? وانظروا إلى آثارهم تعلموا أنهم قد غبنوا، لاحت لهم لذات الدنيا فاغتروا وفتنوا، فما انقشعت سحاب المنى حتى ماتوا ودفنوا.
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا وبنوا مساكنهم فما سكنـوا
فكأنهم كانوا بها ظـعـنـاً لما استراحوا ساعة ظعنوا
يا من قد امتطى بجهله مطا المطامع، لقد ملا الوعظ، في الصباح والمساء المسامع، أين الذين بلغوا آمالهم? فما لهم في المنى منازع.
ما زال الموت يدور على بدور الدور حتى طوى الطوالع، صار الجندل فراشهم بعد أن كان الحرير فيما مضى المضاجع، ولقوا والله البلا في تلك البلاقل، قال شداد بن أوس: لو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش ولا التذوا بنوم.
وقال وهب ابن منبه: لو أن لأم عرق من عروق الميت قسم على أهل الأرض لوسعهم ألماً.
وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء كل ليلة فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون، حتى كأن بين أيديهم جنازة.
وقال يحيى بن معاذ: لو ضربت السماء والأرض بالسياط التي ضرب بها ابن آدم لانقادت خاشعة للموت والحساب والنار.
يا هذا الشيب أذان والموت إقامة ولست على طهارة، العمر صلاة والشيب تسليم، يا من قد خيم حب الهوى في صحراء قلبه أقلع الأطناب فقد ضرب بوق الرحيل، أما تسمع صوت السوط في ظهور الإبل? أما ترى عجلة السلب وقصر العمر? شارف الركب بلد الإقامة فاستحث المطى، يا مشاهدة ما تمت بغيتها حتى وقع النهب فيها، استلب منك لك قبل أن تستلب الجملة، الأيام تسرع في تبذير مجموع صورتك وأنت تسرع في تبذير معانيك.
يا شباب الجهل، يا كهول التفريط، يا شيوخ الغفلة، اجلسوا معنا ساعة في مأتم الأسف يا سحائب الأجفان، امطري على رباع الذنوب، يا ضيف الندم على الإسراف أسكن شغف القلوب، يا أيام الشيب إنما أنت بين داع ووادع، فهل لماض من الزمان ارتجاع.
قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمى وقل لنجد عندنـا أن تـودعـا
فليس عشيات الحمى برواجـع عليك ولكن خل عينيك تدمعـا
تلفت نحو الحمى حتى وجدتنـي وجعت من الإصغاء ليتا واخدعا
واذكر أيام الحمى ثم انـثـنـي على كبدي من خشية أن تصدعا
أخواني، سكران الهوى بعيد الإفاقة، فلو تذكر إقامة الحد طار السكر، من تحسى مرق الهوان احترقت شفتاه، من أكل من الظلم تمرة أداها قوصرة. ويحك، اغسل العثرة بعبرة، وادفع الحوبة بتوبة ما دام في الوقت مهلة وفي زمن السلامة فسحة، قبل أن تموت وتفوت وتعلو بعد الخيل على تابوت، قبل أن ترى السمع والبصر قد كلا، وتقول "رب ارجعون" فيقال كلا، قبل أن يصير دمع الأسى من جفن من أسى، ويقال هلا كان هذا قبل هذا، هلا.
أتترك من تحب وأنـت جـار وتطلبه إذا بعـد الـمـزار
وتبكي من بعد نأيهم اشتـياقـاً وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهم حضـور وترجو أن تخبـرك الـديار
فنفسك لم ولا تلم الـمـطـايا ومت كمداً فليس لك اعتـذار
يا من أجله يذوب ذوبان الثلج في الحر، أينقشع غيم العمر? لا عن هلال الهدى، أتؤثر الفاني المرذول على النفيس الباقي?
ارضيا بثـنـيات الـلـوى عن زرود يا لها صفقة غبن
ما يخفى علامات الإدبار عليك، يفتش دارك فلا يرى سواك للطهارة، بلى ملاعق الأكل، ليس في البيت مصحف بل تقويم، أينفع وجود التقويم? يا مهتماً بالنظر في الطالع طالع ما قد خبي لك كأنك بالموت قد طلع، وما طالع فكرك عاقبة، اسمع حسابي حقاً وما أرجم، ودع لكلماتي هذي قول الهاذي المنجم، إن ضم الندم على التفريط إلى العزيمة على الإنابة فساعة سعد، وإن اجتمع في القلب حب الدنيا على إيثار الكسل فقران نحس.







يحيى الحكمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2009, 10:43 PM   #12
يحيى الحكمي
لا شيءَ يفرِح
 
الصورة الرمزية يحيى الحكمي
 
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 8,856
افتراضي

??الفصل الحادي والأربعون
ما هذا الحب للدنيا والصبابة? وإنما يكفي منها صبابة، فقل للنفس الحريصة، لقد بعت الأخرى رخيصة.
يا نفس ما الدهر إلا ما علمت فكم ألست حدثتني أني أتـوب فـلـم
إياك إياك من سوف فكم خدعـت وأهلكت أمماً من قبلهـا وأمـم
توبي يكن لك عند الله جاه تـقـى وقدمي من فعال الصالحين قـدم
يا راقد للبلى حث المشـيب بـه ألا فكن خائفاً لا تقـعـدن وقـم
يا من قد أخذ الهوى بأزمته، وأمسك الردى بلمته، يا رهين ديون تعلقت في ذمته، هذا أوان جدك إن كنت مجداً، هذا زمان استعدادك إن كنت مستعداً.
للشريف الرضي:
يا نفس قد عز المرادُ فخـذي إن كنت يوماً تأخذين أو ذَري
نُهزَةُ مجدٍ كنتُ في طِلابهـا لمثلها يَنصُفُ ساقي مئزري
عمر الفتى شبابُـه وإنـمـا آونةُ الشيبِ انقضاءُ العُمُـر
رض مهر النفس يتأت ركوبه، أمت زئبق الطبع يمكن استعماله، تلمح فجر الأجر يهن ظلام التكليف، احذر حية الفم فإنها بتراء، إذا خرجت من شفة غدرك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها تلقحها، ونسل الخصام مذموم، أوثق سبع غضبك بسلسلة حلمك، فإنه إن أفلت أتلف، متى قمت بحدة الغضب انطفى مصباح الحلم، بحر الهوى إذا مد أغرق، وأخوف المنافذ من الغرق فتحة البصر فلا يشتغل زمان الزيادة إلا بإحكام القورح.
والمرء ما دام ذا عـين يقـلـبـهـا في أعين العين موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضـر مـهـجـتـه لا مرحباً بسرور عاد بـالـضـرر
لو حضرت مع الأحباب الباب، لسامح الناقد ببهرجك، رحلت رفقة "تتجافى" ومطرود النوم في حبس الرقاد، فما فك عنه السجان قيد الكرى حتى استقر بالقوم المنزل، فقام يتلمح الآثار بباب الكوفة والأحباب قد وصلوا إلى الكعبة.
لصردر:
من يطّلع شرفاً فيعـلـمَ لـي هل روح الرُعيان بـالإبـلِ?
أم قعقعت عَـمَـدُ الـخـيام أم ارتفعت قبابهم على البُـزْلِ?
أم غرَّد الـحـادي بـقـافـيةٍ منها غراب البين يستلـمـي?
فَضَلَت دموعي عن مدى حَزَني فبكيتُ مَن قتل الهوى قبـلـي
ما مر ذو شـجـن يكـتِّـمـه إلا أقول: مـتـيَّم مـثـلـي
من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه، الزهاد عين العارفين، الأرواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج، وليس ما أعد للإستفراخ كما هي للسباق، من حدق بعين الفكر إلى مطلع الهدى لاح له الهلال، كم أداوي بصر بصيرتك وما يتجلى، ما أظن الضعف إلا في الوضع، ضعف عين الخفاش في أصل الفطرة ليس برمد، وحدة ناظر الهدهد خلقة، مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة، قبل الشرايع "يكاد زيتها يضيء" وحدّ قس وما رأى الرسول، وكفر ابن أبي وقد صلى معه، مع الضب ري يكفيه، ولا ماء، وكم من عطشان في الموجة، إذا سبق الأنعام في القدم فذلك غنى الأبد، لما تقدم اختيار الطين المنهبط صعد على النار المرتفعة، وكانت الغلبة لآدم في حرب إبليس، فاكتفت نار جهنم بما جرى فسلمت يوم "جزيا مؤمن" سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسبق تابوته إلى بيتها، فجاء طفل منفرد عن أم، إلى امرأة خالية عن ولد، قرينان مرتعنا واحد.
دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيت يهودي يعوده فقال له أسلم، فنظر المريض إلى أبيه فقال له: أجب أبا القاسم، فأسلم، فكان ذلك قريباً من نسب "سلمان منا" فصاحت ألسنة المخالفين: ما لمحمد ولنا? والقدر يقول: مريضنا عندكم "كيف انصرافي ولي في داركم شغل".
لما عم نور النبوة آفاق الهدى رآه سلمان دون العم، قويت ظلمات الشرك بمكة فتخبطت قريش في الضلال، فلاح مصباح الفلاح من سجف دار الخيزران، فإذا عمر على الباب ولقد أنارت لإبليس شمس البيان يوم "أنبِئهم بأسمائهم" غير أن النهار ليل عند الأعشى، رجع الخفاش إلى عشه، فقال: أوقدوا المصباح فقد جن الليل، فقالوا: الآن طلعت الشمس، فقال: ارحموا من طلوع الشمس عنده ليل، فسبحان من أعطى ومنع ولا يقال لم صنع? سلم التوفيق قريب المراقي، وبئر الخذلان بلا قعر، ربما أدرك الوقفة أهل مصر وفاتت أهل نخلة، لا بد والله من نفوذ القضاء فاجنح للسلم.
كم بالمخصب من عليل هوى طريح لا يعلـل
وقتيل بين بين خـيف مني وجمع ليس يعقل
كيف تتقي نبال القدر والقلب بين إصبعين.
لا تغضبن على قوم تحـبـهـم فليس ينجيك من أحبابك الغضب
ولا تخاصمهم يوماً إذا حكـمـوا إن القضاة إذا ما خوصموا غلبوا
كان إبليس كالبلدة العامرة فوقعت فيها صاعقة الطرد فهلك أهلها " فتلكَ بيوتُهُمْ خاوِيَةٌ "
من لم يكن للوصال أهلاً فكل إحسانـه ذنـوب
أخذ كساء ترهبه فجعل جلاً لكلب أصحاب الكهف، فأخذ المسكين في عداوة آدم فكم بالغ واجتهد? وأبى الله أن يقع في البئر إلا من حفر، ويحك ما ذنب آدم? أنت الجاني على نفسك، ولكنه غيظ الأسير على القد.
لقي إبليس عمر بن الخطاب فصارعه فصرعه عمر، فقال بلسان الحال: أنا مقتولٌ بلسان الخذلان قبل لقائك فإياك عني لا يكن بك ما بيا، يا عمر أنت الذي كنت في زمان الخطاب لا تعرف الباب وأنا الذي كنت في سدة السيادة وأتباعي الملائكة موصل منشور " لا يسئل " فعزلني وولاك فكن على حذر من تحول الحال.
فإن الحسام الصقيل الذي قتلت به في يد القاتـل
لما تمكنت معرفة عمر بتقليب القلوب لعب القلق بقلبه، خوفاً من قلبه، فبادر بطريق باب البريد بالعزل والولاية، يا حذيفة المحبة العظمى، ارتباط أمرك بمن لا يبالي بهلاكك، فكم قد أهلك قبلك مثلك، كم مشارف بسفينة عمله? على شاطئ النجاة، ضربها خرق الخذلان فغرقت وما بقي للسلامة إلا باع أو ذراع، أي تصرف بقي لك في قلبك? وهو بين إصبعين.
يا قلب إلام تطالـبـنـي بلقا الأحباب وقد رحلـوا
أرسلتك في طلبي لـهـم لتعود فضعت وما حصلوا
سلم واصبر واخضع لهـم كم مثلك قبلك قد قتـلـوا
ما أحسن ما أعقلـت بـه أما لك منهم لو فعـلـوا
الفصل الثاني والأربعون
يا من قد أسره الهوى فما يستطيع فكاكاً، أفق قبل الومى، وها هو قد أدركك إدراكاً قبل أن لا ينفع البكاء الباكي ولا التباكي من تباكى.
لأبي العتاهية:
بَليتَ وما تَبْلَى ثـيابُ صِـبـاكـا كفاكَ نذير الشيبِ فيك كـفـاكـا
ألم ترَ أنَّ الشيبَ قد قـامَ نـاعـياً مقامَ الشباب الغَضِّ ثم نـعـاكـا
ولم تـر يومـاً مـر إلا كـأنـه بإهلاكه للهالـكـين عـنـاكـا
ألا أيها الفاني وقد حـان حـينـه أتطمع أن تبقى فلست هـنـاكـا
تسمَّع ودعْ من أفسد الغي سمعـه كأني بداعٍ قد أتـى فـدعـاكـا
ورب أمان للفتى نـصـبـت لـه المنية فيما بـينـهـن شـراكـا
أراك وما تنفك تهـدي جـنـازة ويوشك أن تهدي هديت كـذاكـا
ستمضي ويبقى ما تراه كما تـرى وينساك من خلفـتـه هـو ذاكـا
ألا ليت شعري كيف أنت إذا القُوى وهبْ وإذا الكرب الشديد علاكـا
تموت كما مات الذين نسـيتـهـم وتُنسى ويهوى الحي بعد هواكـا
كأن خطوب الدهر لم تجر سـاعة عليك إذا الخطب الجليل أتـاكـا
ترى الأرض كم فيها رهون دفينة غلقن فلم يقبل لهـن فـكـاكـا
كم سكن قلبك في هذه الدار، فحام الموت حوم حماهم ودار، ثم ناهضهم سريعاً وثار، كأنه ولي يطلب الثأر، وقد خوفك بأخذ الصديق وسلب الجار، ومن أنذر قبل هجومه فما جار. يا هذا، العمر عمر قليل وقد مضى أكثره بالتعليل، وأنت تعرض البقية للتأويل، وقد آن أوان الآن أن يرحل التنزيل، ما أرخص ما يباع عمرك وما أغفلك عن الشرا، والله ما بيع أخوة يوسف يوسف بثمن بخس، يا عجب من بيعك نفسك بمعصية ساعة، متى ينتهي الفساد? متى يرعوي الفؤاد?.
يا مسافراً بلا زاد، لا راحلة ولا جواد، يا زارعاً قد آن الحصاد، يا طائراً بالموت يصاد، يا بهرج البضاعة أين الجياد? يا مصاب الذنوب أين الحداد? لو عرفت المصاب فرشت الرماد، لو رأيت سواد السر لبست السواد، جسمك في واد وأنت في واد، نثر الدر لديك وما تنتقي، وقربت المراقي إليك وما ترتقي، لقد ضيعت ما مضى وشرعت في ما بقي، يا واقفاً في الماء الغمر وما ينقى.
إن قلت قم قال رجلي ما تطاوعني أو قلت خذ قال كفى ما تواتينـي
واعجباً لنفاسة نفس رفعت بسجود الملك لها، كيف نزلت بالخساسة حتى زاحمت كلاب الشره، على مزابل الذل، هيهات لن تفلح الأسد إذا أنفقت عليها الميتات الفسد.
يا هذا، جسدك كالناقة يحمل راكب القلب، فلا تجعل القلب مستخدماً في علف الراحلة، تالله إن جوهر معناك يتظلم من سوء فعلك، لأنك قد ألقيته في مزابل الذل، ماء حياتك في ساقية عمرك قد اغدودق، فهو يسيل ضايعاً إلى مهاوي الهوى، وينسرب في أسراب البطالة، فقد امتلأت به خربات الجهل ومزابل التفريط، وشربته أدغال الغفلات، ويحك، أردده إلى مزارع التقوى لعله يحدق نور حديقة، إلى متى يمتد ليل الغفلة? متى تأتي تباشير الصباح?
هل الدهر يوماً بوصل يجود وأيامُنا باللوى هل تـعـودُ
زمان تقضي وعيش مضى بنفسي والله تلك العـهـود
ألا قل لكان وادي الحبـيب هنيئاً لكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاشى وأنتم ورود
لما سبق الاختيار لأقوام في القدم، جذبوا بعد الزلق في هوة الهوى إلى نجاة النجاة، يا عمر، كيف كانت حالك? قال: كنت مشغولاً بهبل فسمعت هتاف "ففِرُّوا إلى الله" فعرجت على المنادي، فإذا أنا في دار الخيزران يا فضيل، من أنت? قال: أخذت من قطع الطريق، فأخذت في قطع الطريق، يا عتبة الغلام، من أنت? قال: كنت عبد الهوى فحضرت مجلس عبد الواحد، فصرت عبداً للواحد يا سبتي من أنت? قال كنت ابن الرشيد فعرض لي رأي رشيد فإذا عزمي قد أخذ المر ومر، يا ابن أدهم، من أنت? قال أخذني حبه من منظرتي فصيرني ناطور البساتين. يا رابعة، من أنت? قالت: كنت أضرب بالعود فما سمع غيري.
بالله يا ريح الصـبـا مري على تلك الربا
وبـلـغـي رسـالة يفضها أهل قـبـل
واحربـا وهـل يرد فاتـيا واحـربــا
يا طفلاً في حجر العادة محصوراً بقماط الهوى، مالك ومزاحمة الرجال? تمسكت بالدنيا تمسك المرضع بالظئر، والقوم ما أعاروها الطرف، ما لك والمحبة وأنت أسير حبة? كم بينك وبينهم? وهل تدري أين هم?.
سلام على تلك المـعـاهـد إنـهـا شريعة وردي أو مهب شـمـالـي
ليالي لم نـحـذر حـزون قـطـيعة ولم نمش إلا في سـهـول وصـال
فقد صرت أرضى من سواكن أرضها بخلـب بـرق أو بـطـيف خـيال
سار القوم ورجعت، ووصلوا وانقطعت، وذهبوا وبقيت، فإن لم تلحقهم شقيت.
لبس البياض بذات عرق معشـر ولبست من حزن ثـياب حـداد
وصلوا إلى عرفات يبغون الرضا وبقيت منكسراً ببطـن الـوادي
رفعوا أكفهم وضجوا بـالـدعـا وضممت من كمد يدي بفـؤادي
يا من كلما استقام عثر، يا من كلما تقرب أبعد، استسلم مع الحرية واستروح إلى دوام البكاء وصح بصوت القلق على باب دار الأسف.
ليس لـي فـيك حـيلة غير صبري على القضا
وبكائي على الـوصـال الذي كان وانقـضـى
ليتـنـي تـبـت تـوبة وقضى الله ما قضـى
الفصل الثالث والأربعون
يا هذا، من اجتهد وجدَّ وجد، وليس من سهر كمن رقد والفضائل تحتاج إلى وثبة أسد.
للمهيار:
خاطرْ فإما عيشةٌ حـرةٌ يُرغدُها العزُّ وإما الحِمامْ

زاحمْ على باب العلى واجتـهـد لا بد أن تدخل بـين الـزِّحـامْ
رام بها اللـيل فـمـا يُسـفـر المصباح إلا عن نقابِ الظـلامْ
مَوارقاً عن عُقْل أشـطـانـهـا مروقَ فوق السهم عن قوسٍ رامْ
ميِّزْ من الناس على ظـهـرهـا نفسك لا ميزة تحـت الـرخـامْ
من طلب الغايةَ خطـواً عـلـى ظهر الهوينا رامَ صعبَ المـرامْ
لقد رضيت الغبن والغبن، وبعت عمرك بأقل ثمن، وأنفقت فيما يرد بك الزمن، وفترت في الصحة ولا فتور الزمن، يا مغروراً بخضراء الدمن، يا جامعاً مانعاً قل لي لمن? كيف ينال الفضائل مستريح البدن، سلع المعالي غاليات الثمن، وإن ساومتها فبزهد أويس وفقه الحسن.
يا هذا أوقد مصباح الفكر في بيت العلم، تلح لك الأعلام، من سد ثغور الهوى بجند الجد ملأ عين راحته من نوم الطمأنينة، من دق صراط ورعه عن الشبهات عرض الصراط له يوم الجواز، لله در أقوام تأملوا الوجوب ففهموا المقصود، فالناس في رقادهم وهم في جمع زادهم، والخلائق في غرورهم، وعيونهم إلى قبورهم.
قال الإمام أحمد لقد رأيت أقواماً صالحين، رأيت عبد الله بن إدريس وعليه جبة من لبود قد أتت عليها سنون، رأيت أبا داود الحفري وعليه جبة محرقة قد خرج منها القطن وهو يصلي فيترجح من الجوع، ورأيت أبواب النجار، وقد خرج من كل ما يملكه.
وكان في المسجد شاب مصفر يقال له العوفي، يقوم من أول الليل إلى الصباح يبكي.
إذا ما الخيام البيض لاحت لدى منـى فعرج فأنـا بـعـدهـا بـقـلـيل
ترانا لدى الأطناب صرعى من الهوى نكفكف دمعـاً لافـتـقـاد خـلـيل
وكم أنـه أردفـتـهـا بـتـنـفـس وكم عبرة أتبـعـتـهـا بـعـويل
قفوا وانظروا ذلي وعز مـعـذبـي تروا عجباً مـن قـاتـل وقـتـيل
عملت في قلوبهم معاول الحزن معاً، فانبعثت من كل ركية، ركية ماء أسي، فجرى من طرف طرفين ماء فجرى وسخاً فغسل وسخاً.
قد كنت أطوي على الوجد الضلوع ولا أبدي الهوى وأسوم القلب كتـمـانـا
فخانني الصبـر إذ نـاديتـه ووفـت لي الشؤون فعاد الـسـر إعـلانـا
أكتم الوجد والـعـينـان تـظـهـره للحب أعظم ممـا رمـتـه شـانـا
قال أبو عمران الجوبي: أرتني أمي موضعاً من الدار قد انحفر، فقالت: هذا موضع دموع أبيك.
وكان حسان بن أبي سنان: يحضر مجلس مالك بن دينار، فيبكي حتى يبل ما بين يديه ولا سمع له صوت. للمتنبي:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طللِ دعا فلبَّاه قبل الـركـب والإبـلِ
ظللت بين أصيحابي أكـفـكـفـه فظل يسفح بين العُذر والـعَـذلِ
وما صبابة مـشـتـاق لـه أمـل من اللقاء كمشـتـاق بـلا أمـل
دموع المحبين، غدران في صحاري الشوق، من عادة القوم ألف البراري والجلوس إلى الشجر فإن سمعوا هتاف الحمام استغنوا عن نايح.
شوقي إليك مجاوز وصفـي وظهور وجدي دون ما أخفي
ما دار ذكر منك في خلـدي إلا طرفت بمدمعي طرفـي
إذا تمكنت المحبة استحال السلو، تعلقت يد المحبة بتلابيب القلب فلا يمكنه التخلص، فيدور معها في دار المداراة.
ليكفكم ما فيكم من جوى نلقـى فمهلاً بنا مهلاً ورفقاً بنا رفقـا
وحرمة وجدي لا سلوت هواكم ولا رمت منه لا فكاكاً ولا عتقا
وهل للمحب قلب، هيهات مزقته المحبة، براثن أسود في شلو ضعيف، على شدة جذب مع وام التقليب.
إن ترحلت أو أقمت فعنـدي فيض دمع يجري ووجد مقيم
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنـى وغرامي ذاك الغرام القـديم
انكشف اليوم الستر، افتضح العاصي والعارف.
لتوبة:
خليلي قد عم الأسى وتقاسمـت فنون البلى عشاق ليلى ودورها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
وقع الحريق في زوايا المجلس رشوا عليه من مزاد الدمع، يا كثيف الطبع بيض الحمام يفرق من صوت الرعد ولا حس له، أفميت أنت وهذه الصواعق حولك?
لو ترى العاشقين في مأتم الذل وقد شققت جيوب الوصـال
لعذرت الذي بلـى بـقـراق ورحمت المحب في كل حال
هبت اليوم نسمة من أرض كنعان إلى مصر، غنت حمامات اللوى في أرض نجد، تنفس المشتاق فانقشع غيم الهجر، سعى سمسار المواعظ في الصلح.
للغزي:
هبت لنا وبرود اللـيل أسـمـال ريح لها من جيوب الوصل أذيال
مرت بسفح اللوى والشح متشـحٍ بلؤلؤ الطل والجرباء معـطـال
مريضة في حواشي مرطها بللٌ يهدي لكل مريض منـه أبـلال
دع جمرة لسويدا القلب محـرقة يا لائمي ثم قل لي كيف احتـال
حدثت عن منحني الوادي وساكنه كرر حديثك لا حالت بك الحال
وامزج بماء المنى قلت: من خبر فإن أخبار ذاك الـحـي جـريال
الفصل الرابع والأربعون
أخواني، شحم المنى هزال، وشراب الآمال سراب وآل، ولذات الدنيا منام وخيال، وحربها قتل بلا قتال.
والمرء يبليه في الدنيا ويخـلـقـه حرص طويل وعمر فيه تقصـير
يطوق النحـر بـالآمـال كـاذبة ولهذم الموت دون الطوق مطرور
جذلان يبسم في أشراك مـيتـتـه إن أفلت الناب أردته الأظـافـير
تيقظ لنفسك واذكر زوالك، ودع الأمل ولو طوى الدنيا وزوى لك، فكأنك بالموت قد حيرك وأبدى كلالك، ونسيك الحبيب، لأنه أرادك له لا لك، وخلوت تبكي خلالك في زمان خلا لك، وشاهدت أمراً أفظعك وهالك، تود أن تفتديه بالدنيا لو أنها لك، فتنبه من رقاد الهوى لما هو أولى لك، واحذر أن أعمالك أعمى لك، وأفعالك كالأفعى لك.
لو كان باعث من نفسك، ما احتجت إلى محرك من خارج، هذا الديك يصيح في أوقات معلومة من الليل لا تختلف، يؤدي وظائفها بباعث الطبع وإن لم يكن في القرية ديك غيره، وأنت تؤخر وظائف صلواتك، وتنقص من واجبات عباداتك، فإن بكيت في المجلس فلبكاء الجماعة، فإذا خلوت خلوت من محرك، هيهات من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ، إذا لم يكن للدجاجة همة الحضن لم تنفع تغطيتها بمنخل الحاضن، تصابر الشقاء لما تأمل من العواقب والرعناء تكسر البيض قصداً.
الخصائص أوضاع والسوابق خواص، "هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي" المغناطيس يجذب الحديد بخاصية فيه، الظليم يبتلع الحصى والحجارة فيذيبها حرُّ قانصته حتى يجعلها كالماء الجاري، ولو طبخ ذلك بالنار لم ينخل، ذنب الجرادة يشق الصخرة وليس بالقوي، إبرة العقرب تنفذ في الطشت، خرطوم البعوضة يغوص في جلد الجاموس، من تعلق عليه برادة الحديد لم يغط في نومه، إذا ترك الرصاص أو الزيبق في تنور سقط الخبز كله، فإن ترك الرصاص في قدر لم ينضج اللحم، إذا كان الزعفران في دار لم تدخلها وزغه، إذا دفن الحديد في الدقيق زال عنه الصدأ، إذا ترك سراج على شيء في نهر سكنت ضفادعه، إذا دفنت ذئبة في قرية لم تدخلها الذئاب، إذا نظر صاحب الثآليل إلى كوكب ينقض فمسح بيده حينئذٍ على ثآليله ذهبت، إذا عسرت الولادة فصاحت بالمرأة بكر يا فلانة أنا جارية عذراء وقد ولدت وأنت لم تلدي ولدت في الحال للنملة، فضل حسن في الشم تدرك الأراييح البعيدة، لما شق ختام نافجة النبوة ملأت ريحها الأرض، فاستنشقها أهل العافية، فوصل إلى خياشم سلمان في فارس وصهيب في الروم وبلال في الحبشة، وكان ابن أُبي مزكوماً فما نفعه قرب الدار، كم من نفر دخلت مجلسي وهي حامل جنين الإصرار، فلما استنشقت ريح المواعظ أسقطت.
أيها التائب من حر?كك? وقد كان تحريك الجبل دون إزعاجك "صُنْعَ الله الذي أتقن كلَّ شيء" أتدرون هذا التائب لم انزعج? أما تجدون في نفسه حرَّ وهج.
صبا لنسيم الصبا إذ نـفـح وارقه لمع بـرق لـمـح
واذكره عيشه بالـحـمـى وعهداً تقادم سرب سـنـح
فحن إلى السفح سفح العقيق فسح له دمعه وانسـفـح
وكان كتوماً لسر الـهـوى ولكن جرى دمعه فافتضح
فدعه ينادي طلول الحمـى ويسأل رامه عمـن نـزح
يا غائباً عنا، وهو حاضر أما لك ناظر ناظر? أما دموع الوجد قد ملأت الحناجر? أف لبدوي لا يطربه ذكر حاجر، أقل أحوال الزمن أن يبكي إذا رأى المشاة، انظر إلى التائبين وحرقهم، والتفت إلى العارفين وقلقهم.
اسمع أنين العاشـقـين إن استطعت له سماعا
راح الحبيب فشيعتـه مدامع تجري سراعـا
لو كلف الجبل الأصـم فراق ألف ما استطاعا
كلما بكى الخائفون أزعجوني، وكلما استغاث الواجدون ألهفوني
وإني لمجلوب لي الشوق كـلـمـا تنفـس بـاك أو تـألـم ذو وجـد
تعرض رسل الشوق والركب هاجد فيوقظني من بين نوامهم وحـدي
يا صبيان التوبة، ارفقوا بمطايا أبدانكم فقد ألفت الترف "ولا تُضارُّوهنَّ لتضيِّقوا عليهنَّ"
هب لهـا مـن الـنـسـيم رائد فعادهـا مـن الـغـرام عـائد
نوق نفى عنها الحمى طيب الكرى فهي كما شاء السرى سـواهـد
أنحلها تـحـت الـدؤب أينـهـا فمـارت الأنـسـاع والـقـلائد
فلا تخالفها إذا مـا الـتـفـتـت شوقاً إلى بان الحـمـى يا قـائد
وقل لها لعـا إذا مـا عـثـرت فهي لحمل وجـدهـا تـكـابـد
مذ حكم البين علـيهـا لـم تـزل تبكي عليها الـبـيد والـفـدافـد
يا صبيان التوبة، للنفس حظ وعليها حق "فلا تميلوا كلَّ المَيْل" خذوا مالها، واستوفوا ما عليها "وزِنوا بالقسطاس المستقيم" فإن رأيتم من النفوس فتوراً فاضربوهن بسوط الهجر "فإنْ أطعْنَكُم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلا" على أني أوصي صبيان التوبة بالرفق، وبعيد أن يقر خائف أو يسمع العذل محب
ليت شعري هل أرى في طريقي سعة تفسح كرب الـمـضـيق
قد رماني الحب ف لج بـحـر فخذوا يا قوم كـف الـغـريق
حل عندي حبكم في شـغـافـي حل مني كـل عـقـد وثـيق
عفت دنياي اشـتـياقـاً إلـيكـم وتساوى خامهـا والـدبـيقـى
ورفضت الكل شغلاً بـوجـدي فانجلى لي كل معـنـى دقـيق
يا صديقي عندي الـيوم شـغـل فاله عني واشتغل يا صـديقـي
بيدان تذكر لي حـب قـلـبـي فأعـد ذكـرهـم يا رفـيقـي
غصني الشوق إليهـم بـريقـي واحريقي في الهوى واحريقـي
الفصل الخامس والأربعون
أخواني، البدار البدار، فما دار الدنيا بدار، إنما هي جلية لجريان الأعمار، وكم تبقى الفريسة بين النيوب الأظفار.
ما دار دنيا لـلـمـقـيم بـدار وبها النفوس فـريسة الأقـدار
ما بين ليل عـاكـف ونـهـاره نفسان مرتشفان لـلأعـمـار
طول الحياة إذا مضى كقصيرها واليسر للإنسان كـالإعـسـار
والعيش يعقب بالمرارة حـلـوه والصفو فيه مخلـف الأكـدار
وكأنما تقضي بـنـيات الـردى لفنائنا وطـراً مـن الأوطـار
ويروقنا زهر الأماني نـضـرة هدم الأماني عادة الـمـقـدار
والمرء كالطيف المطيف وعمره كالنوم بين الفجر والأسـحـار
خطب تضاءلت الخطوب لهوله أخطاره تعلو على الأخـطـار
تلقى الصوارم والرماح لهولـه ونلوذ من حرب إلى استشعـار
إن الذين بنوا مشيداً وانـثـنـوا يسعون سعي الفاتك الجـبـار
سلبوا النضارة والنعيم فأصبحـوا متوسـدين وسـائد الأحـجـار
تركوا ديارهم علـى أعـدائهـم وتوسدوا مـدراً بـغـير دثـار
خلط الحمام قويهم بضعيفـهـم وغنيهم ساوى بـذي الإقـتـار
والدهر يعجلنا علـى آثـارهـم لا بد من صبح المجد السـاري
وتعاقب الملوين فـينـا نـاثـر بالكر ما نظما من الأعـمـار
تالله ما صح من يطلبه مرضه، ولا سر من سير وصل حل غرضه ولا استقام غصن يلويه كاسره، ولا طاب عيش الموت آخره، إن الطمع لعذاب، وحديث الأمل كذاب، وفي طريق الهوى عقاب، وآخر المعاصي عقاب، فلا يخدعنك ضياء ضباب، ولا يطمعنك شراب سراب، فمجيء الدنيا على الحقيقة ذهاب، وعمارة الفاني إن فهمت خراب، وفرح الغرور ثبور واكتئاب، ودنو الشيب ينسخ ضياء الشباب وكلما نادى الأمل "فأبلغه مأمنه" صاح الأجل "فضرب الرقاب".
يا تايهاً في ظلمة ظلمه.
يا موغلاً ف مفازة تيهه، يا باحثاً عن مدية حتفه، يا حافراً زبية هلكه، يا معمقاً مهواة مصرعه، بئس ما اخترت، لأحب الأنفس إليك، ويحك، تطلب الجادة ولست على الطريق، كم فغر الزمان بوعظه فماً، فما سمعت "لينذر من كان حياً" كيف تطيب الدنيا? لمن لا يأمن الموت ساعة، ولا يتم له سرور يوم إذا كان عمرك في إدبار، والموت في إقبال: فما أسرع الملتقى، لقد نصبت لك أشراك الهلاك، والأنفاس أدق الحبائل، يا ماشياً في ظلمة ليل الهوى لو استضئت بمصباح الفكر فما تأمن من بئر بوار، الشهوات مبثوثة في طريق المتقين، وما يسلم من شرها شره الأولياء في حرم التقوى "ويُتخطَّف الناسُ من حولهم" الدنيا مثل منام والعيش فيها كالأحلام، قيل لنوح عليه السلام يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا? قال: كدار ذات بابين، دخلت من باب وخرجت من باب.
فلما تفرقنا كأني ومـالـكـا لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً
يا ثقيل النوم، أما تنبهك المزعجات? الجنة فوقك تزخرف، والنار تحتك توقد، والقبر إلى جانبك يحفر وربما يكون الكفن قد غزل، أيقظان أنت اليوم أم حالم، يا حاضراً يرى التائبين، وهو في عداد الغائبين.
واقف في الماء عطشان ولكن لـيس يسـقـي
عاتب نفسك على هواها فقد وهاها، قل لها ادرجي درج المدرج وقد لاحت مني، لا يوقفنك في الطريق طاقة من أم غيلان، فالخبط في المنزل مهيؤ لك، تلمح عواقب الهوى يهن عليك الترك، تفكر في حال يوسف لو كان زل من كان يكون? هل كانت إلا لذة لحظة وحسرة الأبد، عبرت والله أجمال الصبر سليمة من مكس وبقيت مديحة "إنه من عبادنا المخلصين".
يا هذا، احسب صبر يومك ساعة نومك تحظ في غداة برغدك، البدار إلى الشهوات والندامة فرسا رهان، والتواني عن التوبة والخيبة رضيعا لبان، واعجباً غرتك حبة فخ فحصلت وما حوصلت، اليوم واطرباً للكأس، وغداً واحرباً للإفلاس، آه من حلاوة لقم أورثت مرارة نقم، تأمل العاقبة لا يحصل إلا لنا قد يصير، من تلمح إذا تلا "وإذا ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ" وعرف قدر مدح "فأتمهنّ" علم أنه لم يبق في فيه شيئاً من مرارة البلى مرارة "وإذا ابتلى" ضجت الملائكة حين هموا بإلقائه في النار، فقالوا ائذن لنا حتى نطفي عنه، فقال تعالى: إن استغاث بكم فأغيثوه وإلا فدعوه. فلما ألقي عرض له جبريل، وهو يهوي في الهواء فأراد أن ينظر هل للهوى فيه أثر? فقال: ألك حاجة? قال: أما إليك فلا، فأقبل بمنشور "وإبراهيم الذي وفَّى".
قالت لطيف خيال زارها ومضى بالله صفه ولا تنقـص ولا تـزد
فنال خلفته لو مات من ظـمـاء وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب عادته يا برد ذلك الذي قالت على كبدي
الفصل السادس والأربعون
يا مجتنباً من الهدى طريقاً واضحاً، افتح عين الفكر تر العلم لائحاً، احذر بئر الغفلة فكم غال سائحاً، وتوق بحر الجهل فكم أغرق سابحاً.
يا غادياً في غـفـلة ورائحـا إلى متى تستحسن القبـائحـا
وكم إلى كم لا تخاف موقفـا يستنطق اللهُ به الجـوارحـا
يا عجباً منك وأنت مبـصـر كيف تجنبت الطريقَ الواضحا
كيف تكون حين تقرأ في غـد صحيفة قد حوت الفضائحـا
وكيف ترضى أن تكون خاسراً يوم يفوز من يكون رابـحـا
يا معدوماً في الأمس، فانياً في الغد، عاجزاً في الحال، من أنت حتى تغتر بسلامتك? وتنسى حتفك? وأملك بين يديك وأجلك خلفك، وكتابك قد حوى تفريطك، كم نُهيت عن أمر? فما كفك النهي أن تبسط كفك، يا من قد طال زلله وتعثيره، تفكر في عمر قد مضى كثيره، يا قلباً مشتتاً قل نظيره، كم هذا الهوى? ولكم هوى أسيره? أيها القاعد عن أعالي المعالي، سبق الأبطال والبطال ما يبالي، ستعرف خبرك يوم عتابي وسؤالي، وستقول عند الحساب مالي ومالي، أعمالك إذا تصفحت لهواك لآلي، لو أثر فيك وعظي ومقالي لكنت لحر الحسرات على حر المقالي.
إلى أي حـين أنـت فـي زي مـحـرم وحتى متـى فـي شـقـوة وإلـى كـم
فالا تمت تحـت الـسـيوف مـكـرمـا تمت وتقـاسـي الـذل غـير مـكـرم
فثـب واثـقـاً بـالـلـه وثـبة مـاجـد يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم
ويحك، إنما يكون الجهاد بين الأمثال، ولذلك منع من قتل النساء والصبيان، فأي قدر للدنيا حتى يحتاج قلبك إلى محاربة لها? أما علمت شهواتها جيف ملقاة، أفيحسن بباشق الملك أن يطير عن كفه إلى ميتة? مهلاً "لا تمدنَّ عينيك" لو علمت أن لذة قهر الهوى أطيب من نيله لما غلبك، أما ترى الهرة تتلاعب بالفأرة ولا تقتلها ليبين أثر اقتدارها وربما تغافلت عنها، فتمعن الفأرة في الهرب فتثب فتدركها ولا تقتلها إيثاراً للذة القهر على لذة الأكل، من ذبح حنجرة الطمع بخنجر اليأس أعتق القلب من أسر الرق، من ردم خندق الحرص بسكر القناعة ظفر بكيمياء السعادة، من تدرع بدرع الصدق على بدن الصبر هزم عسكر الباطل، من حصد عشب الذنوب بمنجل الورع طالبت له روضة الاستقامة، من قطع فضول الكلام بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة في القلب، من ركب مركب الحذر مرت به رخاء الهدى إلى رجاء النجاة، من أرسى على ساحل الخوف لاحت له بلاد الأمن، إلا عزيمة عمرية، إلا هجرة سلمانية جاءت بمركب عمر، جنوب المجانبة للحق إلى دار الخيزران، فلما فتح له الباب انقلب شمالاً، مد يده لتناول خمر الفتك فاستحالت في الحال خلاً، جاء وكله كدر، فلما دنا من الصفا صفا، كان ماء قلبه لما جنى ملحاً آجناً فلما تلقاه النذير بالعذاب عذب.
يكون أجاجاً دونكم فإذ انتهى إليكم تلقى طيبكم فيطـيب
سقم قلب سلمان من معاناة أمراض المجوس، فخرج إلى أودية الأدوية فالتقطته يد ظالم، وما عرفت، فهان على يوسف البيع ليلقى العزيز فبينا هو في نخلة يحترفها قدم مخبر بقدوم الرسول، فنزل ليصعد وصاح به: حدثني.
نزلوا جبال تهامة فلأجـلـهـم يهوى الفؤاد تهامة وجبـالـهـا
يا صاحبيّ قفا عـلـي بـقـدر ما أسقي بواكف عبرتي أطلالها
واعجباً، أطلب الشجاعة من حسان، وأسأل عن الهلال ابن أم مكتوم، أتلو سورة يوسف على روبيل، أستملي الفصاحة من باقل، وأنتظر الوفاء من عرقوب، لقد رجعت إذن بخفي حنين، يا من نقده مردود، وعقله محلول، نيتك في الحيرنية لو أنضجتها نيران خوف أو شوق لانتفعت بها.
ولي قوادم لو أني جذب بـهـا لأنهضتني ولكن أفرخي زغب
غمض عينيك على الدواء يعمل، وافتحها لرؤية الهدى تبصر، حجر المعصية تطحطح إناء القلب، وضبة التوبة شعاب، يا من عزمه في الإنابة جزر بلا مد، وقفت سفينة نجاتك، ليل كسلك قد أطبق آفاق التردد، وقد طلبت فيه أطيار الهمة أوكار الدعة، فلو قد طلعت شمس العزيمة في نهار اليقظة لانبث عالم النشط في صحراء المجاهدة. يا صبيان التوبة، تزودوا للبادية تأهبوا لحاجر، انعلوا الإبل قبل زرود، ولا تنسوا وقت تناول الزاد جمالكم.
بين العقيق والـكـثـيب الـفـرد علاقة لـي مـن هـوى ووجـد
سل هضبات الرمل من جزع اللوى يوم النوى عن قلـقـي ووجـدي
واستخبر الأنجم عن صـبـابـتـي بساكنـي نـجـد وأرض نـجـد
فمن مجيري أو ممن أسـتـعـدي وليس عند عاذلـي مـا عـنـدي
الفصل السابع والأربعون
واعجباً لنفسٍ تدعى إلى الهدى فتأبى، ثم ترى خطأها بعين الهوى صواباً، كم أذهبت زمناً وكم أفنت شباباً، وكم سودت في تبييض أغراضها كتاباً.
أستغفر الله من نفس طغـت وأبـت أبتْ إلى هذه الدنيا فمـا أتـأبـت
جابت لي الشيب أوقات الشباب فمـا أجابت النصح لكن سيئاً جـلـبـت
خانت فخابت وما طابت ولا سعدت وكم أرابت ورابت ثم مـا رأبـت
ودأبها فـي أمـور غـيرِ نـافـعةٍ ولو توافق أمست للنـقـي دأبـت
همت بخير فلم تـعـزم وريثـهـا خطب إذا هي في غير التقى رتبت
أما طريق المعالي فهـي واضـحة لكل طرف سرى عنه الكرى لحبت
والعالمون جميعاً عالـمـون بـهـا على ركائب عن معروفها نكبـت
ألا يسائل أمـلاك الـورى فـطـن علام جمعت الأجناد واحـتـربـت
إن الذي طلـبـتـه لا يدوم لـهـا ولا مسرة إن فازت بماء طلـبـت
ألم يروا دول الماضين قـبـلـهـم كانوا بأحسن ما كانوا بها ذهـبـت
لا تفرحوا بهبات من زمـانـهـم ستسترد الليالي كلـمـا وهـبـت
لو أعلمت علمنا الغبراء ما ركـدت تحت الأنام أو الخضراء ما ثقبـت
وأم دفـرٍ إذا مـيزت حـالـتـهـا كأم صلٍ إذا ما عضت انقـلـبـت
وكيف ترجو صلاحاً من خلائقـهـا كلما الناس فيه من أذى جـلـبـت
لله درّ أقوام تأملوا غيبها وما زالوا حتى رأوا عيبها، نزلوا من الدنياء منزلة الأصياف، أخذوا الزاد وقالوا ما زاد إسراف، وقفوا عند الهموم والمؤمن وقاف، رموا فضول الدنيا من وراء قاف، لو رأيتهم في الدجى، يراعون النجوم، وخيل الفكر قد قطعت حلبات الهموم يشكون جرح الذنوب ويبكون الكلوم، أحرقت أحزانُهم أجسامَهم، وبقيت الرسوم بلغتهم البلغ ورمتك التخم في التخوم، سكروا من مناجاة الكريم، لا من بنات الكروم، أصبحت عليهم آثار الحبيب والطيب نموم، هذه سلع الأسحار من يشتري? من يسوم? أين قلبك الغائب? قل لي لمن تلوم? جسمك في أرض العراق وقلبك في أرض الروم، مهر الطبع ما ريض، أهاب البشرية ما دبغ، في عين البصير عشا، عرائس الموجودات ترفل في حلل مختلفة الصنعة والصبغة والصيغة، تعبر إلى المعتبر في معبر الاعتبار، فهل حظك حظها من النضارة أن تحظى من النظر بحظ.
واعجباً لك لو دخلت بيت ملك لم تزل تتعجب من رقوش نقوشه فارفع بصر التفكر واخفض عين البصيرة، فهل أحسن من هذا الكون? تلمح مخيم السقف كيف مدّ بلا أطناب?، ثم زخرف نقشه برقم النجوم، والهلال دملوج في عضد السماء، فإذا جن الليل كحلت العيون بأثمد النوم، واجتلاها أهل " تَتَجافى " فإذا جلى ركب الدجى، جلا ضوء الشمس عن الأبصار رمد الظلام، أنظر إلى الأرض إذا تأيمت من زوج القطر، ووجدت لفقد إنفاقه مس الجدب، كيف تحد في ثياب " وتَرى الأَرضَ خاشعَةً " طالما لازمت حبس الصبر وسكنت مسكن المسكنة لولا ضجيج أطفال البذر، فإذا قوي فقر القفر امتدت أكف الطلب تستعطي زكاة السحاب، فهبت الجنوب من جناب اللطف، فسحبت ذيل النسيم على صحصح الصحارى، فتحركت جوامد الجلاميد وانتبه وسنان العيدان لقبول تلقيح اللواقيح، فإذا لبس الجو مطرفه الأدكن، أرسل خيالة الفطر شاهرة أسياف البرق وأنذر بالإقدام صوت الرعد، فقام فراش الهواء يرش خيش النسيم، فاستعار السحاب جفون العشاق وأكف الأجواد، فامتلأت الأودية أنهاراً، كلما لمستها كف النسيم حكى سلسالها سلاسل الفضة، فالشمس تسفر وتنتقب، والغمام يرش وينسكب، فانعقد بين الزوجين. عقد حب الحب، فلا يزال السحاب يسقي ذر البذر. بثدي الندى. وكلما احتاج إلى فضل قوت كر الرك، وشط الطش، ودق الودق، فطم إلى أن فطم الطفل، فإذا وقعت شمس الشتاء في الطفل، نشأ أطفال الزرع فارتبع الربيع أوسط بلاد الزمان، فأعار الأرض أثواب الصبا وروح كربها بنسيم الصبا، فانتبهت عيون النور من سنة الكرى، فكم نهضت من الغروس عروس بين يديها الأوراق كالوصائف فصافحت ريحها الخياشيم، ومنظرها الحدق، فكان عين النرجس عين وورقة ورق، فالشقايق تحكي لون الحجل والبهار يصف حال الوجل، والنيلوفر يغفى وينتبه، والأغصان تعتنق وتفترق، وقد ضرب الربيع جل ناره في جلناره، وبثت الأراييح أسرارها إلى النسيم فنم، فاجتمع في عرس التواصل فنون القيان، فعلا كل ذي فن على فنن، فتطارحت الأطيار مناظرات السجوع، فأعرب كل بلغته عن شوقه إلى إلفه، فالحمام يهدر، والبلبل يخطب، والقمري يرجع، والمكاء يغرد، والأغصان تتمايل، كلها تشكر الذي بيده عقدة النكاح فحينئذ تجد خياشم المشوق ضالة وجده.
لي بذات البـان أشـجـان حبذا من أجلهـا الـبـاب
حبـذا رياه يوقـظـــه من نسيم الفجـر ريعـان
حبذا ورق الـحـمـام إذا رنحتها منـه أغـصـان
داعيات بالـهـديل لـهـا فيه أسـجـاعٌ وألـحـان
أعجمياتٌ إذا نـطـقـت ليس إلا الشـوق تـبـيان
كلما غنيتـنـي هـزجـاً هاجني للذكـر أحـزان
ما لي بي ميل الغصون بها طربي فالكـل نـشـوان
يا حمام البان يجمـعـنـا وجدنا إذ نحـن جـيران
يحن بالشكوى إلي فـمـا بين أهل الحب كتـمـان
يتشاكى الواجـدون جـوى واحداً والـوجـد ألـوان
أنا مخلوس القرين وأنتـن أزواج وأقـــــران
وبعيد الـدار عـن وطـن شاقه لـلـبـان أوطـان
آه مـن داء أكـاتـمــه والهـوى سـرّ وإعـلان
لا تزدني يا عذول جـوى أنا بالأشـواق سـكـران
الفصل الثامن والأربعون
من علم أن هبات الدنيا هبا حل من غل ذل.
الدهر مستعـجـل يخـب فاختم وطين الكتاب رطب
إن الذي أنت فـيه حـلـم وسوف تنساه إذا تـهـب
توقَّ مكر الزمان واحـذرْ ولا تثق فالزمـان خـب
جميع أفعـالـه غـرور وكل ما نحن فيه لـعـب
وليس يبقى علـيه شـيءٌ يكرهه المـرء أو يحـب
أسمع أحاديث من تقضـي يا من له ناظر وقـلـب
الدنيا تعطي تفاريق وتسترجع جملاً، وترضع أفاويق وتقطع عجلاً، يواني خيرها وإن واتى لمعا، ثم يأتي شرها حين يأتي دفعا، فترى العبرات عند فقدها تراق ولا ترقا، والزفرات عند سلبها تهد ولا تهدأ، ويحكم أن المفروح به من الدنيا هو المحزون عليه،
إخواني: ذودوا هممكم عن مرعى المنى فإنه يزيدها عجقاً، ولا تولوا الهوى على ميدان الأبدان " إنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أوْ أَنْ يُظْهِرَ في الأرضِ الفساد ". الهوى وثن ينصب في جاهلية الشباب فإن صح إسلام العزم جعل أصنام الشهوات جذاذاً.
يا معاشر الشباب زيدوا في سلاسل الهوى فإن شيطان الهوى مارد، زنوا حلوى المشتهى بمر العقاب يبن لكم التفاوت، إلى متى يقودكم الهوى? إلى متى تستعبدكم الدنيا?.
للشريف الرّضيّ:
كم اصطبارٌ على ضيمٍ ومنقصةٍ وكَمْ على الذلِّ إقرارٌ وإذعـانُ
ثُوروا لها وَلْتَهُنْ فيها نفوسُكُـمُ إنَّ المناقبَ للأرواح أثـمـانُ
إلى متى جمود الإناث? أين الحركة الرجولية?.
للمهيار:
قم فانتشطْها حسبُها أن تُعقَلا ودَعْ لها أيديَهـا والأرجـلا
لا يطرحُ الذلَّ وراء ظهره إلا فتىً يُنْضي المطايا الذُّلُلا
الجد الجد فالطريق طويلة، دار الناقة بذكر الدار عللها بصوت الحداة، فإذا لاح لها المنزل فشوقها يسوقها.
للمهيار:
إرخِ لها زمامها والأنـسـعـا وارمِ بها من العلى ما شسعـا
وارحل بها مغترباً عن العـدى توطك من أرض العدى متسعا
يا رائد الظعن بأكناف اللـوى بلغ سلامي إن وصلت لعلعـا
ماذا عليهم لو رثوا لسـاهـر لولا انتظار طيفِهم ما هجعـا
إخواني: انبعاث الجوارح في العمل دليل على قوة العلم بالأجر، فإذا حصل تسليم النفوس في الجهاد إلى القتل كان النهاية في كمال اليقين، فإذا وقع الفرح بأسباب التلف دل على كمال المحبة، كما قال عبد الله بن جحش اللهم سلِّط علي غداً عدواً يبقر بطني ويجدع أنفي، فإذا لقيتك قلت هذا فيك ومن أجلك.
وطعن حرام بن ملحان، فنفذ فيه الرمح فقال: فزت وربِّ الكعبة. لو رأيتهم والمعترك قد اعتكر وقد تقدموا في القدموس فانبلج الأمر وجاش جأش الجيش في أُفُرّة فلم يتميز الهلقام السرعرع، من القلهزم الحنزقرة، وإذا الغضنفر الدمكمك والقخر العلندي والضباضب الدلامر كلهم في مقام أجفيل فلما انزعجت الطباع تذكروا قبيح الجناية، فمدوا أيدي التسليم للودايع، فخضب الدماء محاسن وجوه، طال ما صبرت على برد الماء وقت الإسباغ، وحصدت مناجل السيوف زروع روس طال ما أطرقت في الأسحار، وعادت خيولهم خلية عنهم فوطئتهم بعد السنا تحت السنابك، واقتسم لحومهم عقبان السماء وسباع الأرض، فكم من رجل رجل، طالما قامت فصلت فصلت، وكم من يد بالدعاء رفعت وقعت، وكم من بطن حمل بالصيام ما شق شق، وكم من عين كانت تعين الحزين بالفيض وقعت في منقار طائر هذا حديث الأجسام فأما الأرواح ففي دار السلام، والله ما كانت إلا غفوة حتى أعطاهم العفو عفوا عفوه، وكأنكم بأجسادهم التي تفرقت قد تلفقت، وبالقبور التي جمعتهم قد تشققت، وقد قاموا بالسلاح حول العرش ينادون بلسان الحال، عن صاحبه حاربنا ولأجله قتلنا، وكلومهم يومئذ قد انفجرت فجرت، اللون لون الدم والريح ريح المسك، فليعلم الأشهاد حينئذ أنهم الشهداء، اسمع يا من لا يحارب الهوى ولا ساعة فلو فاتتك الغنائم وحدها قرب الأمر، وإنما لقب جبان قبيح، أين أرباب العزائم القوية? امتلأت بالأبرار البرية، رحلوا عنها وفاتوا، ونحن متنا وهم ما ماتوا.
خَلّي طرفي والبكا إن كنتَ خِلي فالحمى أقفر من جـار وأهـل
والح من لم يدر ما طعم السـى أنا عن لومك في أشغل شغـل
لم يدع وقر الهوى في سمـعـي واعتراضات الهوى باباً لعـذل
غير قلبي أن تأسـى عـاشـق للتأسي أو تسلي للـتـسـلـي
أثاف ما ترى تشكـو الـصـلا أم قلوب بين حصبـاء ورمـل
هذه من بـعـدهـم آثـارهـم والتجافي عن بلى الأطلاب يبلي
ما وقوفي في محـلٍّ سـاكـنٍ في فؤادي أهلُه لا في المحـل
يتمنّى طيفُـكُـم صـب لـكـم مستهام والمنى جهد الـمـقـل
والذي يستجلب الطيف الـكـرى من لعيني أن ترى النوم ومن لي
بعت حلمي طـائعـاً لا كـارهـاً بسفاهي فاشتروا عـزي بـذُلـي
وانقضى أكثر عمري في القـلـى جفوة منكـم فـرقـوا لـلأقـل
حملوني الخف مـن هـجـركـم وارحموا من ما له طـاقة ثـقـل
عجـبـاً لـي ولـقـلـب ضـائعٍ بان عنـي بـين بـانـات وأثـل
سل بقلبي عـن خـيام بـالـلـوى تاه قلبي في حماها ضلّ عقـلـي
ذات طوقٍ مثل شجوى شجـوهـا غير أن ما شكلها في الحزن شكلي
أنا في النوح اضطراراً مثـلـهـا وهي في غير اضطرارٍ فيه مثلي
حرم الله على الـبـان الـصـبـا وحماه الغيث مـن طـلٍّ ووبـل
ما على السائق لو حـلّ الـنـقـى وأراح العـيس مـن شـدٍّ وحـلّ
فعسى تدني المنى مـنـى مـنـي ولعلي أن أرى الخيف لـعـلّـي
الفصل التاسع والأربعون
عجباً لراحلٍ عن قليل غافل عن زاد الرحيل لا يعتبر بأخذ الجيل وإنما هو تأخير وتعجيل، أين النزيل? أزيل. أين القويم? أميل. أين المطمئن? اغتيل.
إنَّ الليالي لا تبقى على حال والناس ما بين آمالٍ وآجال
كيف السرور بإقبال وآخره إذا تأملته مقلوب إقـبـال
تيقظوا فالأيام دائبة، وتحفظوا فالسهام صائبة، واحذروا دنياكم فما هي مواتية، واذكروا أخراكم فها هي آتية، أما رأيتم الدنيا فقد أبانت خدعها ومكرها، إذا بانت من جمعها مكرها، أين الارتياد للسلامة غداً، أين الاستعداد? قبل الندامة أبدا، كأنكم بالمسير عن الربع قد أزف، وبالكثير من الدمع قد نزف، وبالمقيم قد أبين مما ألف، وبالكريم قد أهين لما تلف.
يا طالب الدنيا دنا فراقهـا تزويجها أسرع أم إطلاقها
ودين من يخطها صداقها
عباد الله من تعلق قلبه بالجنة لا يصلح لنا، فكيف بمن يهوى الدنيا?.
أردناكم صرفاً فلما مزجـتـم بعدتم بمقار التفاتكـم عـنـا
وقلنا لكم لا تسكنوا القلب غيرنا فأسكنتم الأغيارَ ما أنتم مـنـا
السلطان لا يزاحم في داره، " لا يسعني شيءٌ ويسعى قلب عبدي المؤمن ".
غبتم عن العين القريحة فيكم وسكنتم في القلب دار مقام
وسلبتم جلدي التصبر عنكـم فالصبر أول راحلٍ بسـلام
خرج المريد الصادق من ديار الهوى إلى بادية الطلب، فجن عليه ليل التحير فجن، فإذا نار القرى تلوح إن حملت رجل الرجل.
للمهيار:
قد أبصرتْ حقّاً مناها في الحمى وظنَّهـا بـحـاجـر يقـينـا
فبَلَغَتْ أدعو لـهـا وبـلَّـغـتْ وخانني من لم يقـل: آمـينـا
كرب المحب بالنهار يشتده لمزاحمة رقباء المخالطة، فبلبل بلباله يتبلل في قفص الكتم، فإذا هبّت نسيمُ السحر وجد بروحه روحاه يصل من قصر مصر المنى إلى أرض كنعان الأمل، فيقدم ركب الشوق يتجسس النسيم، من فرج الفرج ولَهَ وَلَهٌ، فنهض توق الشوق فتكلم قلم الشكوى، ورقم وصف القوم وحكى ما حاكى، وكنى عن ما كنى.
عاودَ القلبُ غـرامَـهُ وجفا الجفن منـامـه
كلما قلت جوى الشوق خبا زاد اضطرامـه
أنا في أسرك والمأسور قد يرعـى ذمـامـه
آه من عتبك في اللـيل إذا جـن ظـلامــه
سيدي هائمك الحـيران قد زاد هـيامـــه
هو ميت غـيران لـم تبل في الترب عظامه
كنهاري منذ فارقتـك ليلـى لا أنـامـــه
إذا اعتكر الليل اعترك الهم، طال الدجى على الأبدان وقصر على القلوب.
شكونا إلى أحبابنا طول ليلـنـا فقالوا لنا ما اقتصر الليل عندنا
لو رأيت رواحل الأبدان قد أنضاها طول السهر وأضناها، فلما هبت نجدية السحر مدت أعناق الشوق فزال كل الكلال.
لصردر:
تزاوَرن عن أذرعاتٍ يمينا نواشز ليس يُطعن البرينا
كَلِفْنَ بنجد كان الـرياض أخذنَ لنجد عليها يمـينـا
وأقسمن يحملن إلا نحـيلا إليه ويُبْلغنَ إلا حـزينـا
ولما استمعن زفيرَ المـشـوق ونوحَ الحمام تركنَ الحنـينـا
إذا جـئتـمـا بـانة الـواديين فأرخو النسوع وحلّوا الوضينـا
فثَـمَّ عـلائق مـن أجـلـهـا مُلاءُ الدجى والضحى قد طوينا
وقد أنبأتْهم مـياهُ الـجـفـون بأن بـقـلـبـك داء دفـينـا
دموع الخائفين يحبسها النهار مراقبة الخلق، فإذا جن الليل انفتح سكر الدموع "فسالت أودية بقدرها" أرواح الأسحار أقوات الأرواح، رقت فرقت حرجد الوجد، وبلغت رسائل الحب ومكروب الشوق يرتاح للرياح.
يا نسيم الريح هل مـن وقـفة تطغي الغلة أو تشفي الأواما
كن رسـولاً بـسـلام عـائداً نحو من أنقذني فيك السلامـا
لم تثر شجوى حمامات اللـوى بل غرامي علم الشجو الحماما
كانت بردة العابدة تنادي في جوف الليل: غارت النجوم ونامت العيون وخلا كل حبيب بحبيبه وقد خلوت بك يا خير محبوب، أفتراك تعذبني? وحبك في قلبي لا تفعل يا حبيباه.
إن شئت سألت دمع عيني عني يخبرك بأنني أسير الـحـزن
منك الغفران والخطايا منـي ظني حسن فيك فحقق ظنـي
يا غافل القلب، ما هذا الكلام لك? ليس على الخراب خراج، لا يعرف البر إلا سائح، ولا البحر إلا سابح، ولا الزناد إلا قادح.
ضمنا يوم تنادوا للـقـا موقف يعرفه من عشقا
لما عشقت اللبلابة الشجر، تقلقلت طلباً لاعتناق الرؤس ولثم الخدود، فقيل لها مع الكثافة لا يمكن، فرضيت بالنحول، فالتفت فالتقت.
حبي والوجد أورياني سقـمـا هذا جسمي يعد عظماً عظمـا
دعني والشوق قد كفاني خصما يا سهم البين قد أصبت المرمى
الفصل الخمسون
أخواني: من تفكر في ذنوبه بكى، ومن تلمح سير السابقين وانقطاعه شكا، ولا أقلق القلب مثل الحزن ولا نكا.
عند قلبي علاقة ما تقـضـى وجوى كلما ذوى عاد غضـا
وبكاء على المنازل أبلتـهـن أيدي الأنام بسطاً وقـبـضـا
من معيد أيام ذي الأثل أو مـا قل منها دبنا علي وقـرضـا
سامحا بالقليل من عهد نـجـد ربما أقنع القلـيل وأرضـى
مهدياً لي من طيب أرواح نجد ما يداوي نكس العليل المنضى







يحيى الحكمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2009, 10:44 PM   #13
يحيى الحكمي
لا شيءَ يفرِح
 
الصورة الرمزية يحيى الحكمي
 
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 8,856
افتراضي

أخواني: تفكروا في ذنب أبيكم ونزوله بالزلل، ويكفيكم رمز إلى آدم بأنك عبد، في قوله "إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى" لأن العبد ليس له إلا ما سد الجوعة وستر العورة، فجاء إبليس يطمعه في الملك، فلما خرج إلى الطمع خرج، نام في الجنة فانتبه وقد خلقت له حوى، فقال: ما هذا? قيل: من يريد النوم يخلق له ضجيج كفى بالشوق مسهراً، فلما وقع في الزلل طار النوم.
متى شق جيب الجنح بالبارق الومض وهبت قبول فالسلام على الغمـض
بالأمس جبريل يسجد له، واليوم يجر بناصيته للإخراج، ولسان حاله يستغيث.
حداة العيس رفـقـاً بـالأسـير ليغنم نظرة قبـل الـمـسـير
ويا بان الحمى هل فـيك ظـل فعند حشاي مزدحم الـزفـير
ويا ريح الشمال بحـق حـبـي وصدق هل مررت على الغدير
وهل سحبت على شـيح ورنـد ذيولك يا مبلبـلة الـضـمـير
بكى على زلته ثلاثمائة عام حتى سالت الأودية من دموعه، اسمع يا من يضحك عند المعاصي.
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أسالـه دمي ودموعي في هواكم أم القطر
وهل ما أراه الموت أم حادث النوى وهل هو شوق في فؤادي أم الجمر
كان يقول لولده: يا بني طال والله حزني على دار أخرجت منها، فلو رأيتها زهقت نفسك.
قف فتلك الطلول وابكها يا رسول
واقر عني سلامي من عليها نزول
رب سكـان دار في فؤادي حلول
فاسأل الدار عنهم واستمع ما تقول
لي وللبين فيهـم شرح حال يطول
قد كفاني غرامي لا تزد يا عـذول
لست أدري إذا ما لمتني ما أقـول
خلفوني معـنـى والمعنى حمـول
قيل له: رد إقطاعنا فحل الإقطاع بجناية لقمة، فلما غسل آدم جناية الجناية رد الإقطاع عليه، لولا لطف "فتلقى" لقتله الأسف.
من لي من لي بوصل حب نازح لو بيع بمهجتي لكنت الـرابـح
صالح من عاش بالأماني صالح سامح في النقد يا حبيبي سامـح
يا من جرى عليه ما جرى على أبيه، اسلك طريقه من البكاء.
خل دمع العين ينهمـل بأن من تهواه فاحتملوا
كل دمع صانه كلـف فهو يوم البين مبتـذل
اكتب قصة الندم بمداد الدموع، وابعثها مع ريح الزفرات، لعل الجواب يصل برفع الجوى.
كيف لا أبكي على عيش مضى بعت عمري بحقير الـثـمـن
كيف أرجو البرء من داء الهوى وطبيبي في الهوى أمرضنـي
انتبه لنفسك يا من كلما تحرك تعرقل، فيك جوهرية السباق ولكن تحتاج إلى رائض، قلبك محبوس. في سجن طبعك، مقيد بقيود جهلك، فإذا ترنم حاد تنفس مشتاق إلى الوطن، فالبس لامة عزمك وسر بجند جدك، لعلك تخلص هذا المسلم من أيدي الفراعنة.
أبالغوا يشتاق تلك النجـودا رميت بقلبك مرمى بعـيدا
فؤاد أسير ولا يفـنـد لـي وجفن قتيل البكا ليس بودي
لك الحديث يا معرض، أنت المراد يا غافل، يا مستلذاً برد العيش تذكر حرقة الفرقة، يا من يسلمه موكلان إلى موكلين، ما لانبساطك وجه، إنما تملي عليها رسالة إلى ربك، وما أراك نمل، قبح ما تمل، يا جامد العين اليوم، غداً تدنو الشمس إلى الرؤس، فتفتح أفواه مسام العروق فتبكي كل شعرة بعين عروقها، يبرز يوسف الهيبة فيقد قميص الكون، نفخ الريح اليوم يحرك الشجر، ونفخ الصور غداً يعمل في الصور، ريح الدنيا بين مثير لاقح تثير دفائن النبات وتلقح الأشجار وتثير دفائن الأعمار، وريح الأخرى تلقح الأشباح للأرواح لقراءة دفاتر الأعمار، أين الذي نصبوا الآخرة بين أعينهم فنصبوا، وندبوا أنفسهم لمحو السيئات وندبوا، كان داود الطائي ينادي بالليل، همك عطل على الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك حال بيني وبين اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب.
يا مالك مهجتي ووالـي دينـي كم ينشرني الهوى وكم يطربني
هجرانك مع محبتي يضنـينـي هل تدركني بنظرة تحـيينـي
إذا جن الغاسق جن العاشق.
طال ليلي دون صحي سهرت عيني وناموا
كانوا يتراسلون بالمواعظ لتقع المساعدة على اليقظة، كصياح الحارس بالحارس. يا نيام السحور: للمصنف:
عرجوا بالرفاق نحو الـركـب وقفوا وقفة لأنشـد قـلـبـي
وخذوا لي من النقيب لمـاظـاً أوردوا بي إلى العذيب وحسبي
فهبوب الرياح من أرض نجـد قوت روحي وحبذا من مهـب
يا نسيم الصبا ترنم على الـدوح بصوت يشجي وإن طار لبـي
من معيد أيامنا بلوى الـجـزع وهيهات أين مني صحـبـي
الفصل الحادي والخمسون
أين اللاهون بالمزاح زاحوا? أين شاربوا الراح راحوا? وبك ويك يا صاح، لقد ندبوا في قبورهم على الونى وناحوا.
يا أيها الواقف بالـقـبـور بين أناس غيب حـضـور
قد سكنوا في حديث معمور بين الثرى وجندل الصخور
ينتظرون صيحة النـشـور إنك عن حظك في غرور
أين أرباب المناصب? أبادهم الموت الناصب، أين المتجبر الغاصب? أذله عذاب واصب، لفت والله الأكفان كالعصائب، على تلك العصائب، وحلت بهم آفات المصائب إذ حل بلباتهم سهم صائب، فيا من يأمن يتقلب على فراش عيوبه، مزمار ومزهر ومسكر ومنكر، فجاءه الموت فجاءة فأنساه ولده ونساءه، وجلب مساؤه ما ساءه، فنقل إلى اللحد ذميما، ولقي من غب المعاصي أمراً عظيما.
بينا تـراه غـادياً رائحـاً في نعـم غـادية رائحة
إذا بيوم طالح مـخـرج من خبئه آماله الصالحة
كم سالم صحته مـوتـه وقائل عهدي به البارحة
أمسى وأمست عنده قـينة فأصبحت تندبـه نـائحة
فكن من الدنيا على صيحة واينا ليست به صـائحة
من كانت الدنيا به برة فإنها يوماً له ذابـحة
واعجباً، لمن رأى هلاك جنسه ولم يتأهب لنفسه قال البازي للديك: ليس على الأرض أقل فاءاً منك، أخذك أهلك بيضة فحضنوك فلما خرجت جعلوا مهدك حجورهم ومائدتك أكفهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ها هنا وها هنا وصحت، وأنا أخذت مسناً من الجبال فعلموني ثم أرسلوني، فجئت بصيدي فقال له الديك: إنك لم تر بازياً مشوياً في سفود، وكم رأيت في سفود من ديك? أخواني الزهد في الدنيا زبد، مخض محض الفكر، حظ الحريص على الدنيا في الحضيض، والقنوع في أعلى الذرى، سائق الحرص يضرب ظهر الحريص بعصا التحريض، فلو قد عصى الهوى كفت العصا، كلما زاد على القوت فهو مستخدم الكاسب يا موغلاً في طلب الدنيا الحساب حبس، فإن صح لك الجواب تعوقت بمقدار التصحيح، وإن لم يصح فمطورة جهنم.
ويحك، طالع دستور عملك ترى كل فعلك عليك، من وقف على صراط التقوى وبيده ميزان المحاسبة ومحك الورع يستعرض أعمال النفس، وبرد البهرج إلى كير التوبة سلم من رد الناقد يوم التقبيض.
ويحك، سلطان الشباب قد تولى، وأمير الضعف قد تولى، ومعول الكبر يحصد حيطان دار الأجل، وحسبك داء أن تصح وتسلما، قف على ثنية الوداع نادباً قبل الرحيل على ديار الإلفة.
يا منزلاً لم تبل أطـلالـه حاشى لأطلالك أن تبلـى
والعشق أولى ما بكاه الفتى لا بد للمحزون أن يسلـى
لم أبك أطلالك لكـنـنـي بكيت عيشي فيك إذ ولى
كان ثابت البناني يستوحش لفقد التعبد بعد موته، فيقول: يا رب إن كنت أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي.
وكان يزيد الرقاشي يقول في بكائه: يا يزيد من يبكي بعدك عنك? من يترضى ربك لك?
أحبكم ما دمت حـياً وإن أمـت فواكبدي من ذا يحبكم من بعدي
لما علم المحبون أن الموت يقطع التعبدات كرهوه لتدوم الخدمة، جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام ليقبضه فلطم عينه، فإذا قامت القيامة باد إلى العرش طالت غيبته فاستعجل استعجال مشوق كانوا يحبون أماكن الذكر ومواطن الخلوة، والمؤمن ألوف للمعاهد عهد عند المحب لا ينساه، اسكن حراء.
احبسا الركب بوادي سلـم فبذاك المنحنى طل دمـي
وانشدا قلبي في سكـانـه فمن السكان أشكو ألمـي
أخذوا قلبي وأبقوا جسـدي فوجودي بعده كـالـعـدم
صل محباً جفنـه لـم ينـم وابلائي أن خصمي حكمي
واعجباً للمحب يستر ذكر الحبيب، بذكر المنازل، وما يخفى مقصوده على السامع "أحد جبل يحبنا ونحبه".
ألا اسقني كاسات دمعي وغنني بذكر سليمى والرباب وتنعـم
وإياك واسم العامرية إنـنـي أغار عليها من فم المتكـلـم
رياح الأسحار تحمل الرسائل وترد الجواب.
للخفاجي:
أفي نجد تحاورك القـبـول أظن الريح تفهم ما نقـول
تغنت في رحال الركب حتى تشابهت الذوائب والـذيول
صحبنا في ديارهم صباهـا يناوبها التنفس والنـحـول
وأمطرنا سحاب الدمع حتى حسبنا أنها مهـج تـسـيل
وعجنا ذاهلين فما علمـنـا أنحن السائلون أم الطلـول
ديار الأحباب درياق هموم المحبين على أنني منها استفدت غرامي، كان قيس إذا رحلت ليلى تعلل بالآثار واستشفى بالدمن واستنشق الصبا وشام برق بني عامر.
أقتل أدواء الرجـال الـوجـد وق نجداً فالـغـرام مـجـد
حيث الرياض والنسـيم أنـف ودنف ما يستـفـيق بـعـد
إن الصبا إذا جـرت قـادحة نار الغرام ففـؤادي الـزنـد
تعدى المحبين الصبا كأنـمـا لها على أهل الغرام حـقـد
لا تتـلـق نـفـحة نـجـدية هزلا فهزل النفحـات جـد
دع الصبا فعل الهواء كالهوى سيان منه قصـره والـمـد
ما كبدي بـعـدك إلا جـذوة لها بترجيع الحـنـين وقـد
يسترها الجلد ولولا أدمـعـي ما كان قط ستر نار جـلـد
كيف ببرئي والطبيب ممرضي يصد والداء العضال الـصـد

النار قلبي والسموم نفـسـي والماء طرفي والتراب الخـد
قد كنت أخفى عن عيون عذلي كذا وجود العاشقـين فـقـد
??الفصل الثاني والخمسون
العزلة حمية البدن والمناجاة قوت القلب، ومن أنس بمولاه استوحش من سواه.
يا منتهى وحشتي وأنسي كن لي إن لم أكن لنفسي
أوهمني في غد نجاتـي حلمك عن سيئات أمسي
خلق القلب طاهراً في الأصل، فلما خالطته شهوات الحسن تكدر، وفي العزلة يرسب الكدر، الحيوان المميز على ثلاثة أقسام: فالملائكة خلقت من صفاء لا كدر فيه، والشياطين من كدر لا صفاء فيه، والبشري مركب من الضدين، فالعجب أن تقوى عنده التقوى، تقديس الملائكة يدور على ألسنة لا تشتاق بالطبع إلى الفضول سبح تسبيحهم عقود ما نظمتها كلف التكليف، تمرات زروعهم، نشأت لا عن تعب، سقاها سيح العصمة، فكثر في زكوات تعبدهم قدر الواجب "ويستغفرون لمن في الأرض".
كانت أقدم تعبدهم سليمة فاستبطئوا سير زمني الهوى، فقيل: "إذا رأيتم أهل البلاء، فسلوا الله العافية" واعجباً من منحدر في سفن التعبد يستبطئ مصاعداً في الشمال، سمعوا بيوسف الهوى وما رأوه، فأخذوا يلومون زليخا الطبع من حبس عتب "تُراوِد فتاها " فلما قالت الدنيا يوم هاروت وماروت "اخرُج عليهنّ" قطعوا أكف الصبر وصاح في تلك المواقف مواقف "أتجعل فيها" إن للحرب رجالاً خُلقوا، ألهم أنين المذنبين? أو خلوف الصائمين، أو حرقة المحبين، أما عب بحر الأمانة يوم "إنَّا عرضنا الأمانة" توقفت الملائكة على الساحل، ونهضت عزيمة الآدمي لسلوك سبيل الخطر، بلى لأقدام المحب أقدام.
يغلبني شوقي فأطوي السرى ولم يزل ذو الشوق مغلوبـا
لا نحتاج أن نناظر الملائكة بالأنبياء، بل نقول: هاتوا لنا مثل عمر، كل الصحابة هاجروا سراً وعمر هاجر جهراً، وقال للمشركين قبل خروجه ها أنا. على عزم الهجرة فمن أراد أن يلقاني فليلقني في بطن هذا الوادي، فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي، مذ عزم عمر على طلاق الهوى أحد أهله عن زينة الدنيا.
وعزمة بعثتـهـا هـمة زحـل من تحتها بمكان الترب من زحل
لما ولي عمر بن عبد العزيز خيَّر النساء، فقال: من شاءت فلتقم ومن شاءت فلتذهب، فإنه قد جاء أمر شغلني عنكن.
لمهيار:
أقـسَـم بـالـعـفة: لا تـيَّمــهُ ظبـيٌ رنـا أو غـصـنٌ تـأوَّدا
وكلما قيل له: قـف تـسـتـرحْ جزتَ المدى قال: وهل نلتُ المدى
للعزائم رجال ليسوا في ثيابنا، وطنوا على الموت فحصلت الحياة.
إذا ما جررت الرمح لم يثنني أب ملـح ولا أم تـصـيح ورائي
وشيعني قلـب إذ مـا أمـرتـه أطاع بـعـزم لا يروغ ورائي
يا مختار القدر اعرف قدرك، فإنما خلقت الأكوان كلها لأجلك، يا خزانة الودائع يا وعاء البدائع، يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الأيادي، يا زرعاً تهمى عليه سحب الألطاف، كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة، وصور وأنت المعنى، وصدف وأنت الدر، ومخضة وأنت الزبد، مكتوب اختيارنا لك، واضح لخلط، غير أن استخراجك ضعيف، متى رمت طلبي فاطلبني عندك.
ساكن في القلـب يعـمـره لسـت أنـسـاه فـاذكـره
غاب عن سمعي وعن بصري فسويدا القلـب تـبـصـره
ويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي، إنما أبعدنا إبليس لأجلك لأنه لم يسجد لك، فالعجب منك كيف صالحته وهجرتنا?
رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى حفظنا له الود الـقـديم فـضـيعـا
وواصلت قوماً كنت أنهاك عـنـهـم وحقك ما أبقيت للصلح مـوضـعـا
يا جوهرة بمضيعة، يا لقطة تداس، كم في السماوات من ملك يسبح? ما لهم مرتبة "تتجافى" لا يعرفون طعم طعام، وما لهم مقام "ولخلوف" أنين المذنبين عندنا، أو في من تسبيحهم، سبحان من اختارك، على الكل وجادل عنك الملائكة قبل وجودك "إني أعلم" خلق سبعة أبحر واستقرض منك دمعة، له ملك السماوات والأرض واستقرض منك حبة.
الماء عندك مبـذول لـوارده وليس يرويك إلا مدمع الباكي
كانت الأمتعة المثمنة واللآلئ النفيسة تباع بمصر فلا ينظر إليها يوسف فإذا جاءت أجمال صوف من كنعان لم تحل إلا بين يديه "لا تسئل عن عبادي غيري".
للخفاجي:
لاح وعقد الليل مسلـوب برق بنار الشرق مشبوب
أسأله عنكـم وفـي طـيه سطر من الأحباب مكتوب
لو كان في قلبك محبة، لبان أثرها على جسدك، عجب ربنا من رجل ثار عن وطائه ولحافه إلى صلاته، تلمح معنى ثار، ولم يقل قام، لأن القيام قد يقع بفتور، فأما الثوران فلا يكون إلا بالإسراع حذراً من فائت.
إذا هزنا الشوق اضطربنا لـهـزه على شعب الرحل اضطراد الأراقم
فمن صبوات تسـتـقـيم بـمـائل ومن أريحـيات تـهـب بـنـائم
أخواني من ناقره الوجد ناقره النوم، قال سفيان الثوري: بت عند الحجاج ابن الفرافصة إحدى عشرة ليلة، فما أكل وما شرب ولا نام.
اسأل عيني كيف طعم الكـرى علالة وهو سـؤال مـحـال
وكيف بالنوم على الهجر لـي والنوم من شرط ليالي الوصال
??الفصل الثالث والخمسون
يا طويل الأمل في قصير الأجل، يا كثير الزلل في يسير العمل، خلا لك الزمان وما سددت الخلل، أفما عندك وجل من هجوم الأجل?
تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس جهازاً من التقوى لا طول ما حبس
فإنك ما تدري إذا كنت مصبـحـاً بأحسن ما ترجو لعلك لا تمـسـى
سأتعب نفسـي أو أصـادف راحة فإن هوان النفس أكرم للـنـفـس
وازهد في الدنيا فإن مـقـيمـهـا كظاعنها ما أشبه اليوم بـالأمـس
يا معاشر الأصحاء اغتنموا نعمتي السلامة والإمهال، واحذروا خديعتي المنى الآمال، قد جربتم على النفس تبذيرها في بضاعة العمر، فانتبهوا لانتهاب الباقي "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم" الدنيا حلم يقظة، ويوم الحساب تفسير الأضغاث، أيام معدودة وسيفنى العدد وطريق صعبة على قلة العدد، وقد سار الركب ولاح الجدد، أترى تظن أن تبقى إلى الأبد? أما يعتبر بالوالد الولد، أين المتحرك في الهواء همد، أين اضطرام تلك النار? خمد، أين ماء الأعراض الجاري? جمد، تساوى في الممات الثعلب والأسد، وشارك الوهى بين الحديد والمسد، وجمع التلف عنقاء مغرب والصرد، واستقام قياس النقض للكل وأطرد، أفلا ينتبه من رقدته من قد رقد? يا شاربين من منهل أبوى شرب الهيم، يا جاعلين نهار الهدى كالليل البهيم، مقيمين على الدنس وليس فيهم مقيم، سالمين من أمراض البدن وكلهم سليم، أتعمرون ربوع النقم برتوع النعم? وتستبدلون بالقرآن، محرمات النغم، وقد توطنتم ناسين تروح النزوح فلم تذكروا الممات. تروح الروح، تالله ليعودن المستوطن في أهله غريباً، والمغتبط بفرحه مغيظاً كئيباً "إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً".
أين أرباب البيض والسمر? والمراكب الصفر والحمر، والقباب والقب الضمر، ما زالوا يفعلون فعل الغمر إلى أن تفضي جميع العمر، يا من عمره قد رحل وولى، كأنك بك تندم وتتقلى، والسمع والبصر للموت قد كلا، ويد التناول للتوبة شلا، والعين تجري وابلاً لا طلا، وعصافير الندم قد أنضجها القلا، وأنت تستغيث "ربِّ ارجعونِ" فيقال "كلا" ألا كان هذا قبل هذا.
ألا يا ثقيل النوم، يا بطيء اليقظة، يا عديم الفهم، أما ينبهك الأذان? أما تزعجك الحداة? أترى نخاطب عجماً? أو نكلم صماً، كم نريك عيب الدنيا? ولكن عين الهوى عوراء، كم تكشف للبصر قصر العمر? ولكن حدقة الأمل حولاء.
ليس في الدنيا سرور إنما الدنيا غـرور
ومآتـيم إذا فـكـر ت فيها وقـبـور
يا من شاب وما تاب ولا أصلح، يا معرضاً إلى ما يؤذي عن الأصلح، ليت شعري بعد الشباب بماذا تفرح? ما أشنع الخطايا في الصبا وهي في الشيب أقبح، إذ نزل الشيب ولم يزل العيب فبعيد أن يبرح.
للبحتري:
وإذا تكامل للفتى من عـمـره خمسون وهو إلى التقى لا يجنح
عكفت عليه المخزيات فمـالـه متأخر عنها ولا مـتـزحـزح
وإذا رأى الشيطان غرة وجهـه حيى وقال فدَيْتُ من لا يفـلـح
أخواني، فتشوا أحمال الأعمال، قبل الرحيل "ولتنظُر نفسٌ ما قدَّمتْ لغد" يا مطلقي النواظر، في محرم المنظور "لتَرَوُنَّ الجحيم" لا يغرنكم إمهال العصاة "إنَّ إلينا إيابَهم" يا من عاهدناه من يوم "ألستُ" لا تحلن عقد العهد بأنامل الزلل فما يليق بشرف قدرك خيانة.
بحرمة الود الذي بيننا لا تفسد الأول بالآخر
اذكر ملازمة المطالبة بالوفاء في أضيق خناق، يا منكر ويا نكير انزلا إلى الخارج من بساتين الأرواح فانظرا، هل استصحب وردة من اليقين أو شوكة من الشك?
قفوا سائلوا بأن العقيق هل الهوى على ما عهدنا فيه أم حال حاله
استنكها فمه، الذي قال به "بلى" يوم "ألستُ" هل غير طيبه طول رقاد الغفلة? هل انجاس زلله? مما يدخل قليلها تحت العفو، هل معرفته في قليب قلبه يبلغ قلتين، أنا مقيم له على الوفاء في كل حال، فانظر إلى حاله هل حال? لقيس المجنون:
ألا حبذا نجـد وطـيب تـرابـه وأرواحه إن كان نجد على العهد
ألا ليت شعري عن عويرضتي قبا بطول الليالي هل تغيرتا بـعـدي
وعن علويات الـرياح إذا جـرت بريح الخزامى هل تهب على نجد
المعرفة غرس في القلب والتذكار ماء، ومتى جفت المياه عن الغروس جفت شجرات "ألستُ" تسقي من مياه "هل من سائل".
إذا مرضنا أتيناكم نزوركم وتذنبون فنأتيكم فنعتـذر
العقل ما ينسى إنما الحس مغفل، سبب النسيان أمراض من التخليط في مطاعم الهوى عقدت بخاراً في هام الفهم، فإذا عالجها طبيب الرياضة تحللت فذكر ما نسي من عهد "ألست".
قيل لذي النون: أين أنت من يوم "ألست"? قال: كأنه الآن في أذني.
للمهيار:
سل أبرق الحنان واحبس بـه أين ليالينا علـى الأبـرقِ?
وكيف باناتُ بسقط الـلـوى ما لم يُجدها الدمع لم تورقِ?
هل حملتْ لا حملتْ بعـدنـا عنك الصَّبا عَرْفا لمستنشقِ?
يا سائق الأظعان رفقـاً وإن لم يُغن قولي للعسوفِ: ارفقِ
لولا زفيري خلف أجمالـهـم وحر أنفاسي لـم تـنـشـقِ
سميتَ لي نجداً على بعدهـا يا وله المشئم بالـمـعـرقِ
الفصل الرابع والخمسون
أيها القائم على سوق الشهوات، في سوق الشبهات، ناسياً سوق الملمات إلى ساقي الممات، إلى كم مع الخطأ بالخطوات إلى الخطيئات، كم عاينت حياً فارق حيا? وكفا كفت بالكفات.
للشريف الرضي:
ما أقل اعتبارنـا بـالـزمـان وأشدَّ اغترارنـا بـالأمـانـي
وقفاتٌ عـلـى غـرورٍ وأقـدا مٌ على مَزلقٍ من الـحِـدْثـانِ
في حروبٍ من الردى وكـأنـا اليومَ في هدنة مـع الأزمـانِ
وكفانا مُـذكِّـراً بـالـمـنـايا عِلْمُنا أنـنـا مـن الـحـيوان
كل يوم رزيةٌ فـي فـــلان ووقوعٌ من الـردى بـفـلان
قل لهذي الهواملِ استـوثـقـي للسير واستبدلي عن الأغطـان
واستقيمي قد ضمكِ اللقَّم النهـجُ وغـنـى وراءكَ الـحـاديان
كم محيدٍ عن الطريق وقد صرّح خَلْجُ البُرى وجَذْبُ الـعـنـان
هل مجيرٌ بـذابـلٍ أو حـسـامٍ أو معينٌ بسـاعـدٍ أو بـنـان
قد مررنا على الديار خشـوعـا ورأينا البِـنـا فـأين الـبـانِ
أين رب السدير والحيرة البيضاء أم أين صــاحـــب الإيوان
والسيوف الحدادُ مـن آل بـدرٍ والقنا الصُّمُّ من بـنـي الـديانِ
ليس يبقى على الزمان جـريء في إباء وعاجـزٌ فـي هـوان
يا عاصياً بالأمس أين الالتذاذ? يا مطالباً بالجرم أين المعاذ? يا متمسكاً بالدنيا حبلها جذاذ، ما راعت من المحبين ولا الشذاذ، بل ساوت في الهلاك بين الفقير وكسرى بن قباذ، تخلص من أسرها قبل أن يعز الإنقاذ، وقبل أن تجري دموع الأسى بين ويل ورذاذ، إذا نبذوك في القبر انتبذوا أي نبذ وأي انتباذ، فتذكر ضمة، ما نجا منها سعد بن معاذ، ألا يلين القلب? أصخر أم فولاذ، تدعي العجز عن الطاعة وفي المعاصي أستاذ، وتؤثر ما يفنى على ما يبقى وأنت ابن بغداد، يا مستلباً عن أهله وماله يا خالياً في القبر بأعماله ليته خلاك ما منه تخليت، ليته ولى عنك أثم ما عنه توليت، وأسفاً من حالة حيلتها ليت.
وكـل إن يتـيه غـــنـــاه فمرتـجـع بـمـوت أو زوال
وهب جدي زوى لي الأرض طياً أليس الموت يطوي ما زوى لي
إذا اخضر الربيع ناح الهزار وندب القمري وأنت تعتقده غناء، إنما هو بكاء على انتظار التكدير، لا يغرنك صفو العيش فالرسوب في أسفل الكاس، من يسمع كلام الصامت ولم يسمع عبارة الجامد فليس بفطن.
قال أحمد ابن أبي الحواري: رأيت شاباً قد انحدر عن مقبرة، فقلت من أين? فقال: من هذه القافلة النازلة، قلت: وإلى أين? قال: أتزود لألحقها. قلت: فأي شيء قالوا لك? وأي شيء قلت لهم? قلت: متى ترحلون? فقالوا: حتى تقدرون.
وكم من عبرة أصبحت فيها يلين لها الحديد وأنت قاس
إلى كم والمعاد إلى قريب تذكر بالمعاد وأنت نـاس
ويحك تلمح عاقبتك بعين عقلك فإنها سليمة من رمد، العقل محتسب إذا وقع بميزان الهوى كسر العلاقة يا صبيان التوبة، قد عرفتم شرور أعطان الهوى فرحلتم طالبين ريف التقى فحثوا مطايا الجد "ولا يلتفتْ منكم أحدٌ وامضوا حيث تؤمرون" كلما شرف المطلوب طالت طريقه، الهرة تحمل خمسين يوماً، والخنزيرة أربعة أشهر، والخف والحافر سنة، فأما الفيل فسبع سنين، عموم الشجر يحمل في عامه، والصنوبر بعد ثلاثين سنة، شرف النمل يوجب القلة، الشاة تلد واحداً أو اثنين، والخنزيرة تلد عشرين، وأم الصقر مقلات نزور، يا هذا ينبغي أن تكون همتك على قدرك ولك قدر عظيم لو عرفته.
إنما خلقت الداران لأجلك، أما الدنيا فلتتزود، وأما الأخرى فلتتوطن، أفتراك تعرف مكانة "أذكركم" أو قيمة "يحبهم" أو مرتبة: وإنا إلى لقائهم أشد شوقاً، تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا، إذا صعدت الملائكة عن مجلس الذكر، قال الحق: أين كنتم، فيقولون: عند عباد لك يسبحونك ويمجدونك، فيقول: ما الذي طلبوا ومما استعاذوا:
يا من يسائل عني القادمـين إذا ما كنت بي هكذا صبا فكيف أنا
يا من كان في رفقة "تتجافى" فصار اليوم في حزب أهل النوم.
للشريف الرضي:
يا ديار الأحباب كيف تغـيرتِ ويا عهدُ ما الـذي أبـلاكـا
هل تولى الذين عهدي بهم فيك على عهدهـم وأين أولاكـا
الذّميلَ الذميلَ يا ركـبُ إنـي لضمينٌ أن لا تخيب سُراكـا
يا هذا لا تجزع من ذنب جرى فرب زلة أورثت تقويماً، "لو لم تُذنبوا".
من لم يلق مرارة الفراق لم يدر ما حلاوة التلاقي
ما لم يقع سهم في مقتل فالعلاج سهل، انحناء القوس ركوع لا اعوجاج، كانت صحبة آدم للحق أصلية وتعبد إبليس تكلفاً والعرق نزاع "كان من الجنِّ" وإنما يعالج الرمد لا الأكمة، تأملوا خسة همة إبليس إذ رضي بعد القرب من السدة بالتقاط القمامة "إلا من استرق السمع" إنه ليهجم على ساحة الصدر فيأخذ في حديث الوسوسة فيصيح به حراس الإيمان من شرفات قصر "ويسعني" فيرجع بقلب الخناس، فضائل بني آدم خفيت على الملائكة يوم "أنبئهم" فكيف يعرفها إبليس? صعد إلى السماء منا، إدريس وعيسى، وجال في مجالهم محمد، ونزل منهم هاروت وماروت وتدير عندنا إبليس، لو علم المتدير ما قد خبي له من البلايا? ما سأل الأنظار، كلما غاب صاحب معصية وجلس يقسم في تقواه صدرت عن التائب نشابة ندم، فوقعت في صدر إبليس، أطم ما على إبليس مجلسي، ما من مجلس أعقده إلا ويقلق لما يرى من النفع، واليوم يغشى عليه ويله، ما علم أن الجنة إقطاعنا وإنما أخرجنا عنها مسافرين، كتب ديارنا تصل إلينا، ورسائلنا تصل إليهم ويا قرب اللقا، كان فتح بن شخرف، يقول: قد طال شوقي إليك فعجل قدومي عليك.
للمهيار:
تُمدُّ بـالآذان والـمـنـاخـرِ لحاجر أنى لها بـحـاجـر?
أرضٌ بها السائغ من ربيعهـا وشوقُها المكنونُ في الضمائرِ
سارت يميناً والغـرامُ شـامةٌ ياسِرْ بها يا ابن الحداة ياسِـرِ
الفصل الخامس والخمسون
يا من شاب وما تاب، أموقن أنت أم مرتاب? من آمن بالسؤال أعد الجواب.
فخذ للسير إهبتـه وبـادر وجود جمع رحلك للذهاب
فقد جد الرحيل وأنت ممن يسير على مقدمة الركاب
أما أنذرك بياض الشمط? أما يبكيك قبح ما منك فرط? إلى متى تجري في الهوى على نمط? إلى متى تضيع وقتاً مثله يلتقط? لقد أحاط بك المنون وها أنت في الوسط، واستل التلف سيفه عليك سريعاً واخترط، يا من يهفو وينسى والملك قد ضبط، يا منفقاً نعم المولى على العصيان هذا الشطط، امح باعترافك قبح اقترافك وقد انكشط، وقم في الدجى والليل قد سجى فرب عفو هبط، قد نصحتك بما أسمعتك وقد أوقعتك على النقط.
يا مغموراً بالنعم معدوم الشكر، كلما لطفنا بك قابلتنا بالمخالفة، إنه لا عجب من ترك الشكر إنفاق النعم في مخالفة المنعم، هذا عود العنب يكون يابساً طول السنة فإذا جاء الربيع دب فيه الماء فاخضر وخرج الحصرم، فإذا اعتصر الناس منه ما يحتاجون إليه طول السنة قلب في ليلة خلاً، فبانقلابه يوجب للعقل الدهش، من صنع صانعه، وقدرة خالقه فينبغي أن يفرغ العقل للتفكر فيأخذ الجاهل العنب فيجعله خمراً، فيغطي به العقل، الذي ينبغي أن يحسر عن رأسه قناع الغفلة "ومن يُضللِ اللهُ فما له مِن هاد" ويحك، قد أطعمتك إياه حصرماً وعنباً وزبيباً وخلاً، فدع الخامس لي، فقد سمعت في كلامي "فإنَّ للهِ خُمُسَهُ".
أيها الضال في بادية الهوى، احذر من بئر بوار، وليس في كل وقت، تتفق سيارة، ليل الصبا مرخى السدفة، وبخار الأماني يعقد دواخن الكسل، فانهض عن حفش الكسل واستنطق ألسن الحكم من موضوعات المصنوعات يمل عليك كلما في دستوره يا مقتولاً ماله طالب ثأر يريد الموت، مطلق الأعنة في طلبك وما يخفيك حصن، ثوب حياتك منسوج من طاقات أنفاسك، والأنفاس تسلب، ذرات ذاتك وحركات الزمان، قوية في النسج الضعيف، فيا سرعة التمزيق آن الرحيل وما في مزادتك قطرة ماء، ولا في مزود عملك قبضة زاد، وقد أحلت ناقتك على ما تلقى من العشب والجدب عام في العام، ويحك عش ولا تغتر. يا رابطاً مناه بخيط الأمل إنه ضيف القتل، صياد التلف قد بث الصقور، وأرسل العقبان ونصب الأشراك، وقطع الجواد فكيف السلامة? تهيأ لصرعة الموت وأشد منها فلت القلب، فليت شعري إلى ماذا يؤول الأمر? للحارثي:
فوالله ما أدري أيغلبنـي الـهـوى إذا جد جد البين أم أنا غـالـبـه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبـه
آه من تأوه حينئذٍ لا ينفع، ومن عيون صارت كالعيون مما تدمع.
للمهيار:
ولما خلا التوديع مما حـذرتـه ولم يبق إلا نظرةٌ تُـتُـغـنَّـمُ
بكيتُ على الوادي فحُرمت ماءه وكيف يحل الماء أكـثـره دم
نقلة إلى غير مسكن، وسفر من غير تزود، وقدوم إلى بلد ربح بلا بضاعة.
ولما تيقنا النـوع لـم يدع لـنـا مسيل غروب الدمع جفناً ولا خدا
فلا صفوة إلا وقد بدلـت قـذي ولا راحة إلا وقد قلـبـت كـدا
فوالله ما أدري وقد كـنـت دارياً أغورت الأظعان أم طلبت نجـدا
يا لساعة الموت ما أشدها، تتمنى أن لو لم تكن عندها، وأعظم المحن ما يكون بعدها،
ولم أنس موقفنـا لـلـوداع وقد حان ممن أحب الرحيل
ولم يبق لي دمعة في الشؤون إلا غدت فوق خدي تسـيل
فقال نصيح من القـوم لـي وقد كاد يأتي على الغـلـيل
تأن بدمـعـك لا تـفـنـه فبين يديك بـكـاء طـويل
تقسم الصالحون عند الموت، فمنهم من صابر هجير الخوف، حتى قضى نحبه، كعمر كان يقول عند الرحيل: الويل لعمر إن لم يغفر له. ومنهم من أقلقه عطش الحذر فيبرده بماء الرجاء كبلال. كانت زوجته تقول: واحرباه، وهو يصيح: واطرباه، غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه. علم بلال أن الإمام لا ينسى المؤذن، فمزج كرب الموت براحة الرجاء في اللقاء.
بشرها دليلـهـا وقـالا غداً ترين الطلح والجبالا
قال سليمان التيمي لابنه عند الموت: اقرأ علي أحاديث الرخص لألقى الله وأنا حسن الظن به. إلى متى تتعب الرواحل? لا بد من مناخ.
رفقاً بها يا أيها الـزاجـر قد لاح سلع ودنا حاجـر
فخلها تخلع أرسـانـهـا على الربى لأراعها ذاعر
واذكر أحاديث ليالي منـى لا عدم المذكور والذاكـر
كان أبو عبيدة الحواص يستغيث في الأسواق وينادي: واشوقاه إلى من يراني ولا أراه.
جاء بها قالصة عـن سـاق تحن والحنة للمـشـتـاق
ما أولع الحنين بـالـنـياق تذكري رمل النقى واشتاقي
الفصل السادس والخمسون
يا من أيام عمره في حياته معدودة، وجسمه بعد مماته مع دودة.
رأيتك في النقصان مذ أنت في المهد تقربك الساعات من ساعة اللـحـد
ستضحك سن بعد عين تعـصـرت عليك وإن قالت بكيت من الـوجـد
أتطمح أن يشجى لفـقـدك فـاقـد لعل سرور الفاقدين مع الـفـقـد
يا من عمره يقضي بالساعة والساعة، يا كثير التفريط. في قليل البضاعة، يا شديد الإسراف يا قوي الإضاعة، كأني بك عن قلي ترمى في جوف قاعة، مسلوباً لباس القدرة وبأس الاستطاعة، وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة، كأنهما أخوان في الفظاظة من لبان الرضاعة، وأمسيت تجني ثمار هذي الزراعة، وتمنيت لو قدرت على لحظة الطاعة وقلت "ربِّ ارجعوني" ومالك كلمة مطاعة، يا متخلفاً عن أقرانه قد آن أن تلحق الجماعة.
يا ساهياً لاهياً عمـا يراد بـه آن الرحيل وما قدمت من زاد
ترجو البقاء صحيحاً سالماً أبداً هيهات أنت غداً فيمن غدا غاد
مركب الحياة تجري في بحر البدن برخاء الأنفاس، ولا بد من عاصف قاصف تفككه وتغرق الركاب.
حكم المنية في البرية جـار ما هذه الدنيا بـدار قـرار
جبلت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنمـا أعماركم سفر من الأسفـار
يا لقم الآجال يا أشباه الدجال، أما تسمعون صريف أنياب الصروف? كم غافل وأكفانه عند القصار? ولبن قدره قد ضرب، يا سخنة عين قرت بالغرور، يا خراب قلب عمر بالمنى، العمر زاد في بادية، يوخد منه ولا يطرح فيه، يا من عمره يذوب ذوبان الثلج توانيك أبرد، كان بعض من يبيع الثلج ينادي عليه: ارحموا من يذوب رأس ماله يا مؤخراً توبته حتى شاب وقت الاختيار، يا ابن السبعين لقد أمهل المتقاضي، البدار البدار فنقاض البدن قد عرقب الأساس.
ولم يبق من أيام جمع إلى منى إلى موقف التجمير غير أماني
بادر التوبة من هفواتك قبل فواتك، فالمنايا بالنفوس فواتك، أعجب خلائقَ الخلائق، محسن في شبابه، فلما لاح الفجر فجر، آه لموسم فاتك، لقد ملأ الأكياس الأكياس، رجلت الرباحة فألحقهم في المنزل.
وكم وقفت وأصحابي بمنـزلة يبيت يقظانها ولهان وهـلانـا
فهاجنا حين حيانا النسيم بـمـا سقناه يوم التقى بالجزع أحيانـا
تبكي وتسعدنا كوم المطي فهل نحن المشوقون فيها أم مطايانا
فلا ومن فطر الأشياء ما وجدت كوجدنا العيس بل رقت لبلوانا
يا هذا عقلك يحثك على التوبة وهواك يمنع والحرب بينهما، فلو جهزت جيش عزم فر العدو، تنوي قيام الليل فتنام، وتحضر المجلس فلا تبكي، ثم تقول ما السبب? "قل هو مِن عند أنفسكم" عصيت النهار فنمت بالليل، أكلت الحرام فأظلم قلبك، فلما فتح باب الوصول للمقبولين طردت، ويحك فكر القلب في المباحات يحدث له ظلمة، فكيف في تدبير الحرام? إذا غير المسك الماء منع التوضوء فكيف بالنجاسة، متى تفيق من خمار الهوى? متى تنته من رقاد الغفلة? للشريف الرضي:
يا قلبِ ما أطولَ هذا الغرام يوم نوى الحيِّ ويوم المُقام
متى تُفيق اليومَ من لـوعةٍ وأنت نشوانُ بغير المُـدام
أين أنت من أقوام كشفت عن أبصار بصائرهم أغطية الجهل? فلاحت لهم الجادة فجدوا في السلوك، كان مسروق يصلي حتى تتورم قدماه، فتقعد امرأته تبكي مما تراه يصنع بنفسه.
أمسى وأصبح من تذكاركم قلقـاً يرثي لها المشفقان الأهل والولد
قد خدد الدمع خدي من تذكركـم واعتادني المضنيان الشوق والكمد
وغاب عن مقلتي نومي فنافرهـا وخانني المسعدان الصبر والجلـد
لا غرو للدمع أن تجري غواربـه وتحته والخافقان القلب والكـبـد
كأنما مهجتي نضو بـبـلـقـعة يعتاده الضاريان الـذئب والأسـد
لم يبق إلا خفى الروح من جسدي فداؤك الباقيان الروح والجـسـد
يا هذا، أول الطريق سهل ثم يأتي الحزن، في البداءة إنفاق البدن وفي التوسط إنفاق النفس، فإذا نزل ضيف المحبة تناول القلب فأملق المنفق قلق القوم بلا سكون، انزعاجهم بلا ثبات، خلقت جفونهم على جفاء النوم، فلو سمعت ضجيجهم في دياجي الليل.
من لقلب يألف الفـكـرا ولعين لا تـذوق كـرى
ولصب بالغرام قـضـى ما قضى من حبكم وطرا
أحصر القوم في سبيل المحبة، فأقعدتهم عن كل مطلوب "لا يستطيعون ضرباً في الأرض".
رأيت الحب نيراناً تلظـى قلوب العاشقين لها وقـود
فلو كانت إذا احترقت تفانت ولكن كلما نضجت تعـود
لاحت نار ليلى ليلاً فنهض المجنون، فخبت فضل فضج.
ردوا الفؤاد كما عهدت إلى الحشى والمقلتين إلى الكرى ثم اهجـروا
الفصل السابع والخمسون
إخواني، قد كفت الكفات في العبر، ووعظ من عبر من غبر، وقد فهم الفطن الأمر وخبر، وما عند الغافل من هذا خبر.
يا أيهـا الـنـاس أين أولـكــم أما أتاكم للـذاهـبـين خـبـر
اعتبروا فالمـقـدمـون خـلـوا وكلهم للـمـؤخـرين عـبـر
تعبر بالمـصـر عـابـراً فـإذا سألت عمن تـود قـيل عـبـر
اصبر على العسر في الزمان فكم عسر ويسر أتاك ثـمـت مـر
والصبر أولى بكل من صـحـب العيش ومن جرب الزمان صبر
يرفع شأن الكـرام فـعـلـهـم والفعل إن خالف الجميل حـذر
كادت شخوص في الأرض بالية تنطق حقاً إذا المـقـال غـدر
بالأمس كنا مـن الأنـام فـأمـا اليوم في تربنا فـنـحـن مـدر
ابك على نفسك قبل أن يبكى عليك، وتفكر في سهم قد صوب إليك، وإذا رأيت جنازة فاحسبها أنت. وإذا عاينت قبراً فتوهمه قبرك وعد باقي الحياة ربحاً.
لمتمم بن نويرة:
لقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قـبـرٍ رأيتـه لقبر ثوى بين اللوى فالدكـادك
فقلت له إن الشجا يبعث الشجـا فدعني فهذا كله قبر مـالـك
غريب، يا راكباً عجز الهوى وفي يده جنيب، يا ماراً على وجهه قل لي متى تنيب? ألا تأخذ قبل الفوت بعض النصيب? ألا تتزود ليوم شره شر عصيب?،
ألا تخرج عن وادي الجدب إلى الربع الخصيب? أحاضر أنت قل لي، ما أكثر ما تغيب، ألا مريض لبيب يقبل رأي الطبيب، إن الرحيل بلا عدة فج،
فكيف به على بعد الفج? أحرم عن الحرام وقدر أنه حج، واسكب دموع الأسى واحسبه ثج، واستغث من الزلل ومثله العج،
وبادر، فقد تفوت الوقفة أهل وج، اقبل نصحي فمثل نصحي لا يمج. كم فهم وعظي ذو فطنة فهج، يا من يقول إذا شئت تبت.

اليوم عهدكم فأين الموعد هيهـات لـيس لـيوم عـهــدكـم غـد
اا

إن خرجت اليوم ولم تتب، خرجت من أولي الفهم.

لأيّ مرمى تزجر إلا يانـقـاً إن جاوزت نجداً فلست عاشقاً
وقوع الذنب على القلب كوقوع الدهن على الثوب، إن لم تعجل غسله وإلا انبسط " وإنْ منكُمْ لَيُبْطِئَنَّ ".

يدي في قائم العضب فما الإبطاء بالضرب
ما دامت نفسك عند التوبيخ تنكسر، وعينك وقت العتاب تدمع، ففي قلبك بعد حياة، إنما المعاصي أوجبت سكتة، فانشق هواك حراق التخويف وقد عطس، يا من قد أبعدته الذنوب عن ديار الأنس، ابك وطر الوطن عساك ترد.
قال بعض السلف: رأيت شاباً في سفح جبل عليه آثار القلق ودموعه تتحادر، فقلت: من أين?، فقال: آبق من مولاه، قلت: فتعود فتعتذر? فقال: العذر يحتاج إلى حجة ولا حجة للمفرط، قلت فتتعلق بشفيع? قال: كل الشفعاء يخافون منه، قلت: من هو? قال: مولى رباني صغيراً فعصيته كبيراً، فوا حيائي من حسن صنعه وقبح فعلي، ثم صاح فمات، فخرجت عجوز فقالت: من أعان على قتل البائس الحيران? فقلت: أقيم عندك أعينك عليه، فقالت: خلّه ذليلاً بين يدي قاتله عساه يراه بغير معين فيرحمه.

بالله عليك يا فـتـى الأعـراب إن جزت على مواطن الأحباب
فاشرح سقمي وقل لهم عما بي ذاك المضني يموت بالأوصاب
أيها التائبون بألسنتهم ولا يدرون ما تحت نطقهم?، لا يحكم بإقراركم " حتَّى تعلَموا ما تقولونَ"، متى صدقت توبة التائب بنى بيت التعبد بصخور العزائم ولم ينته في أساسه دون الماء، ما ضرب بسيف العزيمة قط إلا قط، التوبة الصادقة تقلع آثار الذنوب، إذا قرئ على التائب عهد "ألَسْتُ " ذكر الإقرار وعرف الشهود، فخجل من الخيانة فجرت العين وأطرق الرأس، إن التائبين كاتبوا الله بدموعهم وهم ينتظرون الجواب.

يا حادي الأظعان عج متوقفـاً وانظر دموع العاشقين تـراق
صبروا على ألم التهاجر والقلى وتجرعوا مر الفراق وذاقـوا
يا معاشر التائبين من أقامكم وأقعدنا? " إنْ نحنُ إلاّ بشرٌ مثلُكُمْ ولكنَّ اللهَ يمُنُّ على مَنْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ" قفوا لأجل زمن ، ارحموا من قد عطب.

ردّوا المطايا وإلاّ ردها نفسـي وأدمعي فهما سـيلٌ ونـيران
يا سائق الظعن قلبي في رحالهم أمانة رعيها والحفـظ إيمـان
يخيّل لي أن الحيطان تبكي معنا، إن النسيم قد رقّ لحزننا.

فلا ومن فطر الأشياء ما وجدت كوجدنا العيس بل رقت لبلوانا
ما أحسن هؤلاء التوّاب، ما أذل وقوفهم على الباب فاعتبروا " يا أُولي الأَلْبابِ ".

بما بيننا من حرمة هـل رأيتـمـا أرق من الشكوى وأقسى من الهجر
وأفضح من عين المحـب لـسـرّه ولا سيّما إن أطلقت عبرة تجـري
وجوههم أضوأ من البدر، جباههم أنور من الشمس، نوحهم أفضل من التسبيح، سكوتهم أبلغ من فصيح، لو علمت الأرض قدر خوفهم تزلزلت، لو سمعت الجبال ضجيجهم تقلقلت.
لابن المعتز:
اقني فالبـوم نـشـوان والربى صـاد وريّان
وندامى كالنجوم سطـوا بالمنى والدهر جـذلان
خطروا والسكر ينفضهم وذيول الـقـوم أردان
كلما رأيت تقلقلهم، تقلقل قلبي، وإلاّ لمحت اصفرارهم تبلبل لبي، وإذا شاهدت دموعهم زاد كربي، وإذا سمعت حنينهم تبدد ماء عيني.

ما لي وبانات اللوى لولا الصبابة والهيام
الفصل الثامن والخمسون
ما زالت المنون ترمي عن أقواس حتى طاحت الجسوم والأنفس، وتبدلت النعم بكثرة الأبؤس، واستوى في القبور الأذناب والأرؤس، وصار الرئيس كأنه قط لم يرؤس.
قل للمفرط يسـتـعـد ما من ورود الموت بد
قد أخلق الدهر الشباب وما مضى لا يستـرد
فإلى مَ يشتغل الفـتـى في لهوه والأمر جـد
والعمر يقصر كل يوم بي وآمـالـي تـمـد
لقد وعظت الدنيا فأبلغت وقالت، ولقد أخبرت برحيلها قبل أن يقال زالت، وما سقطت جدرانها حتى أنذرت ومالت، قرب الاغتراب في التراب، ودنا سل السيف من القراب، كم غنت رباب برباب، ثم نادت على الباب بتباب يا من زمانه الذي يمضي عليه: عليه، يا طويل الأمل وهو يرى الموتى بعينيه، يا من ذنبه أوجب أن لا يلتفت إليه، قد مزجت لك كأس كربة ولا بد والله من تلك الشربة، يا منقولاً بعد الأنس إلى دار غربة، يا طين تربة، وهو يطلب في الدنيا رتبة، هذا مجلس ابن زيد فأين عتبة?، أتلهو برند الصبا وبأنه? ويروقك برق الهوى بلمعانه، وتغتر بعيش في عنفوانه، فتمد يد الغفلة إلى جني أغصانه، وتنسى أنك في حريم خطره وامتحانه، أما لقمة أبيك أخرجته من مكانه? أما نودي عليه بالفطر في رمضانه? أما شأنه شانه لولا وكف شانه? أما يستدل على نار العقاب بدخانه? نزل آدم عن مقام المراقبة درجة فنزل فكان يبكي بقية عمره ديار الوفا، برد النفس بالهوى لحظة أثمر حرارة القلق ألف سنة، فاعتبروا، سالت من عينيه عيون، استحالت من الدماء دموع شغلته عن لذات الدنيا هموم.
للمهيار:
هل بعد مفترق الأظعان مجتمـعُ أم أهل زمانٍ بهم قد فات مرتجعُ
تحملوا تسعُ البـيداءُ ركـبَـهُـمُ ويحمل القلب منهم فوق ما يسـعُ
الليلُ بعدهمُ كالهجـر مـتـصـلٌ ما شاء والنومُ مثلُ الوصل منقطعُ
اشتاق نعمان لا أرضى بروضتـه داراً وإن طاب مصطافٌ ومرتبَعُ
كان آدم كلما عاين الملائكة تنزل تذكر المرتبع في الربع فتأخذ العين أعلى في إعانة الحزين.
رأى بارقاً من نحو نجـدٍ فـراعـه فبات يسح الدمع وجداً على نـجـد
هل الأعصر اللاتي مضين يعدن لي كما كن لي أم لا سبيل إلـى الـرد
ما أمر البعد بعد القرب، ما أشد الهجر بعد الوصل، يا مطروداً بعد التقريب أبلغ الشافعين لك البكاء.
للمتنبئ:
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى إذا لم بعد ذاك النسيمَ الذي هبّـا
ذكرت به وصلاً كأن لم أفُزْ بـه وعيشاً كأني كنت اقطعه وثبـا
كان لقوم جارية، فأخرجوها إلى النخاس فأقامت أياماً تبكي، ثم بعثت إلى ساداتها تقول: بحرمة الصحبة ردّوني فقد ألفتكم. يا هذا قف في الدياجي وامدد يد الذلّ، وقل قد كانت لي خدمة، فعرض تفريط أوجب البعد، فبحرمة قديم الوصل ردوني فقد ألفتكم.
علِّلونا بـوصـالٍ نـافـعٍ إننا للبعد كالشيء اللـقـا
أو خذوا أرواحنا خالـصة أو ذروا في كل جسمٍ رمقا
وارحموا من تنقضي أيامه غمرات والليالـي أرقـا
ويح قلبي ما لقلبي كلـمـا خفق البرق اليماني خفقـا
يا هذا لا تبرح من الباب ولو طردت، ولا تزل عن الجناب ولو أبعدت، وقل بلسان التملق إلى من اذهب?
يا ربع إن وصلوا وإن صرموا فهم الأولى ملكوا الفؤاد هـمُ
شغلوا بحسنهـم نـواظـرنـا وعلى القلوب بحبهم ختمـوا
أتبعتهم نظراً فـعـاد جـوى ومن الشفاء لذي الهوى سقـم
تمحو دموعي وسم إبـلـهـم وزفير أنفاسي لـهـا يسـم
كان الحسن شديد الحزن، طويل البكاء سئل عن حاله، فقال: أخاف أن يطرحني في النار ، ولا يبالي.
يعزُّ عليَّ فراقـي لـكـمُ وإن كان سهلاً عليكم يسيرا
يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، استغث في بوادي القلق ردّوا عليَّ لياليَّ التي سلفتن أحضر في السحر فإنه وقت الإذن العام، واستصحب رفيق البكاء فإنه مساعد صبور، وابعث سائل الصعداء فقد أقيم لها من يتناول.
للمصنف:
عبرت بريحكم الصبا سـحـراً فارتاح قلبي المدنف الحرض
ما لي أراك سـقـيمة بـهـم يا ريح عندي لا بك المـرض
أتبعتها نـفـسـاً أشـيّعـهـا فإذا جروح القلب تنتـقـض
قف صاحبي إن كنت تسعدنـي عند الكثيب فثمَّ لـي غـرض
وانشد فؤادي عنـد كـاظـمة في كل ركب راح يعتـرض
أشكو ومني مبـتـدى ألـمـي عيني رمت وفؤادي الغـرض
فرضوا على الأجفان إذ هجروا لا تلتقي فاصبر لما فرضـوا
كيف اصطباري بعد فرقتـهـم يا جيرة ما عنـهـم عـوض
الفصل التاسع والخمسون
يا من سيب قلبه في مراعي الهوى، وألقى حبله على الغارب، سلم من يطول نشدانه للضلال?.
للمهيار:
دع ملامي بالحمى أو رح ودعني واقفاً أطلب قلباً ضـاع مـنـي
ما سألت الدارَ أبغي رجـعـهـا ربَّ مسئول سواها لم يجبـنـي
أنا يا دار أخـو وحـشِ الـفـلا فيكِ من خان فعزمي لم يخنـي
ولئن غال مغـانـيك الـبـلـى عادة الدهر فشخصُ منك يُغنـي
إن خَبَتْ نارٌ فـهـذي كـبـدي أو جفا الغيثُ فهذا لك جفـنـي
أكثر فساد القلب من تخليط العين، مادام باب العين موثقاً بالغض فالقلب سليم من آفة، فإذا فتح الباب طار طائر وربما لم يعد، يا متصرفين في إطلاق الأبصار جاء توقيع العزل " قُلْ للمؤمنينَ يَغُضُّوا من أبصارِهِم " إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور والقلب كعبة "ويسعني " وما يرضي المعبود بمزاحمة الأصنام.
عيناي أعاننا على سفك دمـي يا لذة لحظة أطالت ألـمـي
كم أندم حين ليس يغني ندمـي ويلي ثبت الهوى وزلت قدمي
يا مطلقاً طرفه لقد عقلك، يا مرسلاً سبع فمه لقد أكلك، يا مشغولاً بالهوى مهلاً قتلك، بادر رمقك فقد رمقك، بالرحمة من عذلك.
للمهيار:
عثرتَ يومَ العذيب فاسـتـقـلِ ما كلُّ ساعٍ يُحسُّ بـالـزلـل
ما سلمتْ قبلك القلوب عـلـى الحسن ولا الراجمونَ بالمقـلِ
سافر طرفي يوم الظعائن بالسَّفْ حِ وآبَ الفـؤادُ بـالـخـبـلِ
نظرة غرٍّ جـنـت مـقـارعة يفتك فيها الجبان بـالـبـطـل
حصلت منها على جراحتـهـا واستأثر الظاعنون بالـنـفـل
إذا لاحت للتائب نظرة لا تحل، فامتدت عين الهوى، فزلزلت أرض التقى ونهض معمار الإيمان " وأَلْقَى في الأرضِ رواسيَ أنْ تميدَ بكُمْ " لاحت نظرة لبعض التائبين، فصاح:
حلفت بدين الحب لا خنت عهدكم وتلك يمين لو علمت غمـوس
إذا خيم سلطان المعرفة بقاع القلب، بث جنده في بقاع البدن، فصارت السباخ رياضاً لرياضة ساكن في القلب يعمره إذا نزل الحبيب ديار القلب لم يبق فيه نزالة.
وكان فؤادي خالياً قبـل حـبـكـم وكان بذكر الخلق يلهـو ويمـرح
فلما دعا قلـبـي هـواك أجـابـه فلست أراه عـن فـنـائك يبـرح
رميت ببعد منك إن كنـت كـاذبـاً وإن كنت في الدنيا بغـيرك أفـرح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل فلست أرى قلبي لغيرك يصـلـح
أول منازل القوم، عزفت نفسي عن الدنيا، وأوسطها لو كشف الغطاء، ونهايتها ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه.
وما تطابقت الأجفان عـن سـنة إلا وجدتك بين الجفن والحـدق
وهل ينام حزينٌ موجـعٌ قـلـقٌ أجفانه وكلت بالسـهـد والأرق
شغلت نفسي عن الدنيا ولذتـهـا فأنت والروح شيء غير مفترق
فلم تعذبها بالـصـد يا أمـلـي ارحم بقية ما فيها من الرمـق
أرواح المحبين خرجت بالرياضة من أبدانها العادات، وهي في حواصل طير الشوق ترفرف على أطلال الوجد، وتسرح في رياض الأنس عند المحبين شغل عن الجنة فكيف يلتفتون إلى الدنيا?، ما ترى عين المحبين إلا المحبوب، فبي يسمع وبي يبصر.
أنت عين العين إن نظرت ولسان الذكر إن ذكـرا
أنت سمعي إن سمعت به أنت سر السر إن خطرا
ما بقي لي فيك جـارحة كلها يا قاتـلـي أسـرا
باتت قلوبهم يقلقها الوجد، فأصبحت دموعهم يسترها الجفن، فإذا سمعوا ناطقاً يهتف بذكر الحبيب، أخذ جزر الدمع في المد، من أقلقه الخوف، كيف يسكن? من أنطقه الحب، كيف يسكت?، من آلمه البعد، كيف يصبر? سل عنهم الليل فعنده الخبر، أتدري كيف مر عليهم? أبلغك ما جرى لهم? أيعلم سال كيف بات المتيم?، افترشوا بساط قيس، وباتوا بليل النابغة، إن ناحوا فأشجى من متيم، وإن ندبوا فأفصح من خنساء، اجتمعت أحزاب الأحزان، على قلب الخائف، فرمت كبداء الخوف الكبد فوصل نصل القلق ففلق حبة القلب فانقلب فصاح الوجد من شاء اقتطع، فلو رأيت فعل النهاية لرحمت المتمزق.
للمهيار:
أيها الرامي وما أجرى دماً لا تجنب قد أصبتُ الغرضا
اطلبوا للعين فـي أثـنـائه نظرةً تكحِلُها أو غُمُـضـا
طال حبس المحبين في الدنيا عن الحبيب، فضجت ألسن الشوق فلو تيقظت في الدجى سمعت أصوات أهل الحبوس.
للمصنف:
طال ليلـي ودامـا ومنعت المنـامـا
وجد الوجد عنـدي منذ بانوا مقـامـا
ليتهم حين راحـوا ودعوا مستهـامـا
سار قلبي وجسمي لم يسر بل أقامـا
لست أدري فؤادي إذ غذوا أين هامـا
حبهم قرت قلبـي منذ كنت غلامـا
حملوا ضعف قلبي يذبلا وشمـامـا
كم رموني برشـقٍ وأحدوا سهـامـا
ما لعيني تبـكـي إن سمعت حمانـا
كلما نـاح رشـت فظننت الغمـامـا
هل نسيم لكـربـي أين ريح الخزامى
هجركم يا حبيبـي كان موتاً زؤامـا
أكل اللحم مـنـي ثُم أبلى العظامـا
صار ليلي نهـاراً ونهاري ظـلامـا
إنما بـتُّ أشـكـو لوعتي والغرامـا
فاعذروا أو فلوموا ما أبالي الملامـا
إفرجوا عن طريقي قد خلعت اللجامـا
ورميت سـلاحـي وكشفت اللثـامـا
أسعدوني فـإنـي قد فنيت سقـامـا
الفصل الستون
إخواني، تفكروا في الذين رحلوا، أين نزلوا، وتذكروا أن القوم نوقشوا وسئلوا، واعلموا أنكم كما تعذلون، عذلوا ولقد ردوا بعد الفوات لو قبلوا.
لأبي العتاهية:
سألت الدار تخبرنـي عن الأحباب ما فعلوا
فقالت لي أناخ القـوم أياماً وقـد رحـلـوا
فقلت فأين أطلبهـم? وأيّ منازلٍ نـزلـوا
فقالت بالقبـور وقـد لقوا والله ما فعلـوا
أناسٌ غـرّهـم أمـلٌ فبادرهم بـه الأجـل
فنوا وبقي على الأيام ما قالوا وما عملـوا
وأثبت في صحائفهـم قبيح الفعل والزلـل
فلا يستعتـبـون ولا لهم ملجـأ ولا حـيل
ندامى في قبـورهـم وما يغني وقد حصلوا
أين من كانت الألسن تهذي بهم لتهذيبهم، وأصبحت فلك الاختبار تجري بهم لتجريبهم، أقامت قيامتهم منادي الرحيل لتغري بهم لتغرييهم، فباتوا في القبور وحدانا لا أنيس لغريبهم، أين أهل الوداد الصافي في التصافي، أين الفصيح الذي إن شاء أنشأ في القول الصافي، أين قصورهم التي تضمنتها مدايح الشعراء صار ذكر القوى في القوافي، لقد نادى الموت أهل العوالي والقصور العوالي الطوافي، تأهبوا لقدومي فكم غرثان طوى في طوافي، رحل ذو المال وما أوصى في تفريق كدر أو صافي ، ولقي في مره أمراً مراً لا تبلغه أوصافي، ذاقوا طعام الآمال فانتزع من أفواههم يوم المآل، وعاد الخوى في الخوافي، عوى في ديارهم ذئب السقام، بتكذيب العوافي، انقطعت آمالهم، وصار كل المنى في دفع المنافي، تزلزل ود أحبابهم والتوى وبت ألتوي في التوافي، تالله لقد نال الدود والبلى، ما أرادا منهم وألفيا في الفيافي.
آلت قبورهم إلى الخراب أولا، فلا يدري أهذا قبر المولى أولا، وهم سواءٌ في السوافي، كم أعرضوا عن نصيحٍ وقد رفعوا ما تلافى التلافي، كم ندموا على ضياع زمانهم الذي خلا في خلافي، كم رأيت عاصيهم قد أعرض عني إلى عدوي والتجا في التجافي، أما أخبرتهم بوصف النار إنها " نزَّاعةٌ للشَّوى " في الشوافي، فاعتبر بحالهم فإنه يكف كف الهوى وهو الواعظ الكافي، أين الأبصار الحدائد قبل إحضار الشدائد، أما استلبت القلائد من ترائب الولائد، لا بد من إزعاج هذا الراقد، فيقع الفراق بين فريق الفراقد، يا موثقاً في حبالة الصائد، والله ما كذبك الرائد، يا عمي البصيرة ولا قائد، كم أضرب في حديد بارد.
أليلى وكلٌّ أصبح ابن ملـوّح ولبنى وما فينا سوى ابن ذريح
ذهبت أعماركم في طلاب الشهوة والموت قد دنا، فما هذه السهوة والقلوب غافلة فإلام القسوة? والصلح معرض فختام الجفوة، أين رب المال ابن ذو الثروة?، أما فرس الموت ذا الفرس? وأخلى الصهوة.







يحيى الحكمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2009, 10:45 PM   #14
يحيى الحكمي
لا شيءَ يفرِح
 
الصورة الرمزية يحيى الحكمي
 
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 8,856
افتراضي

طوبى للمتيقظين إنهم لقدوة، علموا عيب الدنيا فما أمسكوا عروة، وأنت في حبها كقيس وعروة، أيحسن بعد الشيب لهو وصبوة، أأبقى نأي الزمان طيب ناي وقهوة? قربت نوق الرحيل، مساء وغدوة، جذبت أيدي المنون كرها وعنوة، يا قليل التدبير ولا عقول النسوة، إلى كم عيب وعتب، أما فيكم نخوة? واعجباً لتاجر يرضى بتعب شهر ليتمتع بربحه سنة، فكيف لا يصبر أيام عمره القليلة ليلتذ بربحها أبداً.
يا من يروح ويغدو في طلب الأرباح، ويحك اربح نفسك، يا أطفال الهوى طال مكثكم في مكتب التعليم، فهل فيكم من أنجب? أقروا أدلة التوحيد من ألواح أشباحكم، وتلقفوها من أنفاس أرواحكم، قبل أن يستلب الموت من أيدي اللاهين ألواح الصور، ويمحو سطور التركيب بكف البلى وما فهم المكتوب بعد، كم يلبث مصباح الحياة على نكباء النكبات، من رأى بعين فكره معاول النقض، في هذا المنزل ناح على السكان.
يا هذا مشكاة بدنك في مهاب قواصف الهلاك، وزجاجة نفسك في معرض الانكسار، فاغتنم زمان الصفو فأيام الوصل قصار، كم يلبث قنديل الحياة على عواصف الآفات، أنفاس الحي خطاه إلى اجله، درجات الفضائل كثيرة المراقي وفي الأقدام ضعف وفي الزمان قصر، فمتى تنال الغاية?.
وقف قوم على راهب، فقالوا: إنا سائلوك أفمجيبنا أنت? قال: سلوا ولا تكثروا، فإن النهار لن يرجع، والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه ذو اجتهاد، قالوا: فأوصنا، قال: تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما أبلغ البغية.
إخواني، الأيام صحائف الأعمار فخلدوها أحسن الأعمال، الفرص تمر مر السحاب والتواني من أخلاق الخوالف، من استوطأ مركب العجز عثر به، تزوج التواني بالكسل فولد بينهما الخسران. كان عمر وعائشة يسردان الصوم، وسرد أبو طلحة أربعين سنة، وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، وكان عامر بن عبد الله يصلي كل يوم ألف ركعة، وختم أبو بكر بن عياش في زاوية بيته ثماني عشر ألف ختمة، وكان لكهمش في كل شهر تسعون ختمة، وكان عمير بن هاني يسبح كل يوم مائة ألف تسبيحة:
صافحوا النجم على بعد المنـال واستطابوا القيظ من برد الظلال
واستذلوا الوعر من أخطـارهـا إنما الأخطار أثمان المعـالـي
كبوا الضـرر إلـيهـا ربـمـا صحت الأجسام يوماً بالهـزال
جروا يوماً إلـى غـاياتـهـا بالعوالي السمر والقب العوالي
وكان الأسود بن يزيد يصوم حتى يخضر ويصفر، وكان ابن أدهم كأنه سفود من العبادة، وكانت رابعة كأنها شن بال، ومات حسان بن أبي سنان فكان على المغتسل كالخيط، وكان محمد بن النضر لو كشط جميع لحمه لم يبلغ رطلاً:
جزى الله المسير إليه خيراً وإن ترك المطايا كالمزاد
أكبر دليا على الحب نحول الجسم واصفرار اللون.
للحارثي:
سلبت عظامي كلها فتركـتـهـا مجردة تضحي لديك وتخـضـرّ
وأخليتها من مخهـا فـكـأنـهـا أنابيب في أجوافها الريح تصفـر
إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعـت مفاصلها من خوف ما تنتـظـر
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب تنظري ضنى جسدي لكننـي أتـسـتـر
وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنها روحٌ تذوب فتـقـطـر.
قال الجنيد: دخلت على سري السقطي فمد جلدة ذراعه وقد يبست على العظم، فما امتدت، فقال: والله لو شئت أن أقول هذا من محبته لقلت:
وهواك ما أبقى هواك على فيك ولا تـرك
أيلومني فـيك الـذي يزري علي ولم يرك
رفقاً بعبـدك سـيدي هذا عبيدك قد هلك.
الفصل الحادي والستون
يا من أيامه تعظه، حين تبنيه وتنقضه، يا من صحته تمرضه، وسلامته تحرضه، يقرض عمره فيفنى ومن يقرضه:
أرى الدهر أغنى خطبه عن خطابه بوعظ شفى البابـنـا بـلـبـابـه
له قلب تهدى القـلـوب صـواديا إليها وتعمى عن وشيك انقـلابـه
هو اللـيث إلا أنـه وهـو خـادر سطا فأغاب الليث عن أنس غابـه
وهيهات لم تسلم حـلاوة شـهـده لصاب إليه من مـرارة صـابـه
مبـيد مـبـاديه تـغـر وإنـمـا عواقبه مخـتـومة بـعـقـابـه
ألم تر من ساس الممـالـك قـادراً وسارت ملوك الأرض تحت ركابه
ودانت له الدنيا وكـادت تـحـلـه على شهبها لولا خمود شـهـابـه
لقد أسلمته حصنـه وحـصـونـه غداة غدا عن كسبه باكتـسـابـه
فلا فضة أنجته عند انفـضـاضـه ولا ذهب أغناه عـنـد ذهـابـه
سلا شخصـه وراثـه بـتـراثـه وأفـرده أتـرابـه بـتـرابــه
كم دارس عليك إن الرابع دارس، كم واعظ ناطق وآخر هامس، كم غمست حبيباً في الثرى كف رامس، كم طمس وجهاً صبيحاً من البلى طامس، تالله ما نجا بطبه بقراط ولا أرسطا طالس، صاح الموت بالقوم فنكس الفارس، أين الفطن اللبيب أين اليقظ القائس? أتشتري أخس الخسائس يا نفس النفائس? أتؤثر لذة لحظة تجني حرب البسوس وداحس? يا مقترين من التقى، اشتروا نفوسكم عن الذنوب تشتروا لها السنادس، أخواني، لو ذكرتم أنكم تبادون ما كنتم بالمعاصي تبادون، لقد صوت فيكم الحادون وما كأنكم للخير ترادون، واعجباً تصادون المواعظ ولا تصادون، إلى متى تراوحون الذنوب وتغادون? يا مقيمين وهم حقاً غادون، أتعادون من يقول إنكم تعادون? كأنكم بكم تقادون إلى مقام فيه تقادون، أما سمعتم كيف نادى المنادون? كل شيء دون المنى دون:
يا نائم الليل تنبه لـلـتـقـى وانهض فقد طال بك القعود
بين يديك حادث لـمـثـلـه يغسل عن أجفانه الـرقـود
ما جحد الصامت من نـشـأه ومن ذوي النطق أتى الجحود
الدهر خطيب كاف، والفكر طبيب شاف، كم قطع زرع قبل التمام فما ظن المستحصد، من عرف الستين أنكر نفسه، من بلغ السبعين اختلفت إليه رسل المنية، عواري الزمان في ضمان الارتجاع، يوسف العقل ينظر في العواقب، وزليخا الهوى تتلمح العاجل، يا مقدمين على الحرام أنتم بعين من حرم، ينبغي لمن أُلبس ثوب العافية أن لا يدنسه بوسخ الزلل، زرع النعم مفتقر إلى دوران دولاب الشكر، فإذا فتح القلب سكر الاعتراف بالعجز صار السقي سبحاً.
هذا اليوم يقول: ارضني وعلى رضا أمس، السكون بالبلادة أصعب من التحريك بالهوى، إذا رآك عقلك، وقد تولى حسُّك تدبيرك تولى، ويحك لا تأمن حسك على عقلك فإنه عكس الحكمة، العقل نور والحس ظلمة، الحس أعشى والعقل عين الهدهد، الحس طفل والعقل بالغ، العقل يدخل في المضائق والحس أبله، الحس لا يرى إلا الحاضر والعقل يتلمح الآخر، الصبر عن الأغراض صبر غير أن الحازم يجعل مراقبة العواقب تقوية، ما خلا قط وجه سرور من تعبس مكروه، ولا سلمت كأس لذة، من شائبة نغصة: للمتنبي:
فذي الدار أخونُ من مومس وأخدعُ من كِفةِ الحـابـل
تفانى الرجال على حبّـهـا وما يحصلون على طـائل
كل صاف من الدنيا، مقرون بكدر، حتى أنه في الغيث عيث، أتريد أن لا ينعكس لك غرض? فما هذا موضعه، الهبات ذاهبات، والليل مناهبات، الدنيا قنطرة واستيطان القناطير بله.
هل نجد إلا منـزل مـفـارق ووطن في غيره يقضي الوطر
الهم فيها أكثر من الفرح، والسرور أقل من الحزن "وأنَّ الدار الآخرة لهي الحَيَوان" يا مجتهداً في طلب الدنيا، اجعل عشر اجتهادك للأخرى، جهزت البنات وتزوجت البنين، فأنت بماذا تجهزت للرحيل? يا متقاعداً عن أوامر الرب، احذر أن يقعدك عن نهضاتك تزمن، واعجباً إن حركت إلى الطاعة، فزحل وإن لاح لك الهوى فعطارد عينك قد استرقها المنظور، ولسانك يتصرف فيه اللغو، ويدك. يحركها الزلل، وخطا أقدامك إلى الخطأ، ثم قد أسكنت الهوى قلبك، فأين يكون الملك? وهل ترك لنا عقيل من منزل.
ويحك إن الإنسان يشد في إصبعه خيطاً يتذكر به حاجته، وهل في جسدك عرق أو شعرة إلا وهي تذكر بالخالق، فما وجه هذا النسيان البارد، يا من باعنا نفسه ثم ماطل بالتسليم، لا أنت ممن يفسخ العقد ولا ممن يمضي البيع، تدعي الرحلة إلى دار الحبيب، ودهليز سرادقك إلى بلد الهوى، هيهات لا يدرك علم الربانية إلا من ربى فيه.
للمهيار:
يا قلب ما أنت وأهلَ الحمى وإنما هم أمسُكَ الذاهـبُ
دون نجدٍ وظباءِ الحـمـى أن يُقرح المنسِمُ والغاربُ
لا بد في سلوك الطريق من مصابرة رفيق، البلاء له خلق صعب فاصبر على مداراته، البلايا ضيوف فأحسن قراها لترحل عنك إلى بلد الجزاء مادحة لا قادحة، من حك بأظفار شكواه جلد عيشه أدمى دينه، البلاء ظلمة غبش ويا سرعة طلوع الفجر، اللهم أعن أطفال التوبة على ما ابتلوا به من جوع شديد، فإذا أعد قرص الإفطار نزل ضيف "ويُؤثرون" فزاحم، فأراح "أحَسِبَ الناس أن يُتركوا".
إن هواك الذي بقلـبـي صيرني سامعاً مطيعـا
أخذت قلبي وغمض عيني سلبتني النوم والهجوعـا
فذر فؤادي وخذ رقـادي فقال لا بل هما جميعـا
فإذا تمكنت قدم المريد وطاب له ارتضاع ثدي الوصال قطع عنه في أهنأ ما كان يراد منه زيادة القلق، في الحديث يوحي الله تعالى إلى جبريل عليه السلام اسلب عبدي حلاوة مناجاتي فإن تضرع إليّ فردها، فلو سمعت استغاثة المحبين، لأورثتك القلق:
على بعدك لا يصبر من عادته القـرب
ولا يقوى على حجبك من تيمـه الـحـب
فمهلاً أيها الساقـي فقد يشهدك القلـب
فإن لم تترك العـين فقد يشهدك القلـب
الفصل الثاني والستون
يا من قد غلبته نفسه وبطش بعقله حسه، استدرك صبابة اليقظة وصح في سمع قلبك بموعظة.
يا نفس توبي فإن الموت قد حـانـا واعصى الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترينا المنايا كيف تـلـقـطـنـا لقطاً وتلحـق أخـرانـا بـأولانـا
في كل يوم لنـا مـيت نـشـيعـه نرى بمصرعـه آثـار مـوتـانـا
يا نفس مالي وللأموال أتـركـهـا خلفي وأخرج من دنياي عـريانـا
أبعد خمسين قد قضيتـهـا لـعـبـاً قد آن أن تقصري قـد آن قـد آنـا
ما بالنا نتعامى عـن مـصـائرنـا ننسى بغفلتنا من لـيس ينـسـانـا
نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجـرنـا كان زاجرنا بالحـرص أغـرانـا
أين الملوك وأبناء المـلـوك ومـن كانت تخر لـه الأذقـان إذعـانـا
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبـوا مستبدلين من الأوطـان أوطـانـا
خلوا مدائن كان العز مفـرشـهـا واستفرشوا حفراً غبراً وقيعـانـا
يا راكضاً في ميادين الهوى مرحـاً ورافلاً في ثياب الغي نـشـوانـا
مضى الزمان وولى العمر في لعب يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا
أين الزاد يا مسافر? أين درع التقوى يا سافر? لقد أنشب الموت فيك الأظافر ولا تشكن أنه ظافر، هذه النبل فأين المغافر، كيف تصنع إن غضب الغافر? يا مبارزاً بالقبيح أمؤمن أنت أم كافر? إن قمت سدلت من ثياب كبرك وإن أقمت سدرت من شراب خمرك، اصطفقت أبواب المواعظ. وما استفقت، تقف في الصلاة بغير خضوع وتقرأ للتخويف وما ثم خشوع، يا نائماً عن صلاحه كم هذا الهجوع? يا دائم الحضور عندنا هل عمرك إلا أسبوع? إن لنجم الحياة لأفول، ولشمس الممات لطلوع، أين أبوك أين جدك? السيف قطوع، كيف تبقى مع كسر الأصول ضعاف الفروع? تعلق الدنيا بقلبك وتعتذر بلفظ مصنوع، إصرارك كالصحيحين وإقلاعك حديث موضوع، مزق أملك. فالعمر قصير، حقق عملك فالناقد بصير، زد زاد سفرك فالطريق بعيد، ردد نظر فكرك فالحساب شديد، صح بالقلب لعله يرعوي، سلمه إلى الرائض عساه يستوي، يا مؤثر البطالة عالم الهوى دنس، عاشق الهوى جامد الفكر فلو ذاب ما ذاب.
سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير وصلك باطـل
يا هذا وجه ناقتك إلى بادية الزيارة، فإن لها بنسيم نجد معرفة، قفها على الجادة وقد هب لها نسيم الشيح من الحجاز، إن أعوزك في الطريق ماء فتمم مزادتك بالبكاء.
لعلي بن أفلح:
دعها لك الخير وما بدا لـهـا من الحنين ناشطاً عقـالـهـا
ولا تعللـهـا بـجـو بـابـل فهو أهاج بالجوى بلبـالـهـا
ولا تعقها عن عـقـيق رامة فإنها ذكراه قـد أمـالـهـا
نشدتك الله إذا جئت الـربـى فرد أضاها واستظل ضالهـا
وناوح الورق بشجـو ثـاكـل أطفى لها ريب الردى أطفالها
بدأ بآدم في طريق ابتلائه ثلاثمائة سنة، وعام نوح في دمعه ثلاثمائة عام، وضج داود من دائه حتى ذوى، كان كلما هاج حر الحزن هاج نبت الفرج، فحالت الحال دمعاً فأجدب البصر وأعشب الوادي فلو وزنت دموعه بدموع الخلائق لرجحت.
للشريف الرضي:
عندي من الدمع ما لو كان وارده مطيُّ قومك يوم الجزع ما نزحا
غادَرْنَ أسوانَ ممطوراً بعبرتـه ينحو مع البارق العُلوي أين نحا
هل تبلغنهم النفس التي تلـفـت فيهم شعاعاً أو القلب الذي قَرِحا
إن هان سفحُ دمي بالبين عندهُـمُ فواجبٌ أن يهون الدمع إن سُفحا
كان يحيى بن زكريا يبكي حتى رق جلدة خده وبدت أضراسه، هذا وقد كان على الجادة فكيف بمن ضل? واعجباً من بكائه وما ثم مأتم، فكيف بمن ما انقضى يوم إلا ومأتم ما تم? يا هذا إن كان قد أصابك داء داود، فنح نوح نوح تحيى حياة يحيى.
لا تحبسن ما العـيون فـإنـه لك يا لديغ هـواهـم درياق
شنوا الإغارة في القلوب بأسهم لا يرتجى لأسيرها إطـلاق
واستعذبوا ماء الجفون فعذبـوا الأسرار حتى درت الأمـاق
كان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي يبكيان الدم، وقليل في جنب ما نطق به لسان الوعيد إذا خلا الفكر باليقين، ثارت عجاجة الدمع، فإذا أقرح الحزن القلب استحالت الدموع دماً.
للمهيار:
أجارتنا بالغور والركبُ متـهـمُ أيعلم خالٍ كيف بات الـمـتـيمُ
بنا أنتمُ من ظاعنين وخـلّـفـوا قلوباً أبت أن تعرف الصبر عنهمُ
ولما انجلى التوديع عما حذرتـه ولم يبق إلا نظـرةٌ تـتـغـنـمُ
بكيتُ على الوادي فحرمتُ ماءه وكيف يحلُّ المرءُ أكـثـره دم?
واعجباً أطار حكم حديث العذيب وأنتم من وراء النهر، يا منقطعين عن الأحباب تعالوا نمشي رفقة، فمجمعنا مأتم الأسى، موعدنا مقابر الأسف.
تعالين نعالج زفرة البين تعـالـينـا
نزود إذناً شكـوى وتودع نظرة عينا
ونبكي من يد البـين عسانا نعطف البينا
فما زاد النـوى إلا لجاجاً ما تباكـينـا
إلى أين أما تعـلـم يا سائقـهـا الأينـا
إذا عرست بالجرعاء وسطا بين ما بينـا
فحيى اللـه يبـرين وعين الرمل حيينـا
الفصل الثالث والستون
يا هذا، عاتب نفسك على تفريطها ثم حاسبها على تخليطها، حدثها بما بين يدها وأخبرها، أشر عليها بمصلحتها ودبرها.
استمدي للموت يا نفس واسعي لنجاة فالحازم المـسـتـعـد
قد تبينت أنه لـيس لـلـحـي خلود ولا مـن الـمـوت بـد
أي ملك في الأرض أو أي حظ لامرئ حظه من الأرض لحد
كيف يهوى امـرؤ لـذاذة أيام عليه الأنفاس فـيهـا تـعـد
آه لنفوس بغرور هذه الدنيا يخدعن، فإذا فاتهن شيء من فان توجعن، شربن من مياه الغفلة وتجرعن، فلما بانت حبة الفخ أسرعن، فما انجلت ساعة التفريط حتى وقعن، أما علمن أنهن يحصدن ما يزرعن، أما تيقن أنهن في هلاكهن يشرعن، يا قلة ما تنعمن، ويا احتقار ما تمتعن، أما هن عن قليل في اللحد يضجعن، أين تلك الأقدام المشيعة لهن? تصدعن، بئس حافظ الأجساد تراب يقول دعهن لما أودعهن، طال ما كن يوترن الذنوب ويشفعن، فلو رأيتهن بعد الموت يتضرعن "رب ارجعون" لا والله لا يرجعن، يا عجباً هذه الآفات لهن ويهجعن، وهذا الحبس الشديد ويرتعن، يا لها من مواعظ فهل أثرن أو نجعن.
يا هذا، اخل بنفسك في بيت الفكر، واعذلها في الهوى فإن لم تلن فاخرج بها على عسكر المقابر، فإن لم ترعوي فاضربها بسوط الجوع.
يا هذا، العزلة. تجمع الهمم، والمخالطة نهابة، الهوى مرضع كثير التخليط، فهذا طفل قلبك كثير المرض، عجل فطامه وقد صح، العزلة والقناعة والصبر والعفة والتواضع عقاقير كيمياء النجاة يبلغن بمستعملهن مرتبة الغنى، والحرص والشره والغضب والعجب والكبر كلهم مجانين في مارستان العقل وهو القيم عليهم، فليتحذر الغفلة عنهم فإنه إن أفلت مجنون حل الباقين.
يا هذا حصن السلامة العزلة، أقل ما في الخروج منه من الأذى، مصادمة الهواء المختلف المهاب في بادية الشهوات، وقد عقبته جنوب المجانبة للصواب، فصار وباء، وإياك أن تتعرض لهواء الوبي مغتراً بصحة مزاجك، فإنك إن سلمت من فضول الفتن من التلف لم تأمن زكمة، ومتى تمكنت زكمة الهمة لم تشم الفضائل.
يا قلب الأم لا يفيد النـصـح عمر ولى وقد توالى القبـح
جرح دام وقد تبـدى جـرح ما تشعر بالخمار حتى تصحو
لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين، لاح لهم هلال الهدى في صحراء اليقظة، فبيتوا نية الصوم عن الهوى على عزم: عزفت نفسي عن الدنيا، دخل محمد بن كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز وقد غيره الزهد فأنكره، فقال: يا ابن كعب فكيف لو رأيتني بعد ثلاثة أيام في قبري?
لم تبق فيهم حرارات الهوى وجوى الأحزان غير خيالات وأشـبـاح
تكاد تنكرهم عين الخبـير بـهـم لولا تـردد أنـفــاس وأرواح
كان وهيب بن الورد قد نحل من التعبد، فكانت خضرة البقل تبين تحت جلدة بطنه.
للمهيار:
زعمتِ لا يُبلي هواك جسدي بَلى وحسبي بكم لقد بـلـى
دارُك تدري أنه لولا الهوى ما طل دمع مقلتي في طَلَلِ
أخواني من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.
لصردر:
وكم ناحل بين تلك الخيام تحسبه بعضَ أطنابهـا
أنضى القوم رواحل الأبدان في سفر الشوق حباً لتعجيل اللقاء، فكم طووا منزلاً على الظماء حتى كل كل المطي بتلك الجعجعة، ورفيق الرفق يصيح بهم.
للمهيار:
دعوها ترِدْ بعد خمسٍ شروعـاً وارخوا أزمتها والنـسـوعـا
وقولوا دعاءً لها: لا عُـقـرتِ ولا امتدَّ دهـرُك إلا ربـيعـا
حملن نشاوى بكأس الـغـرام فكلُّ غدا لأخـيه رضـيعـا
إذا أجدبوا خصّهم جـد بـهـم وإن أخصبوا كان خِصباً جميعا
طِوال السواعد شـمّ الأنـوف فطابوا أصولاً وطابوا فروعا
أحبُّوا فرادى ولكنهم عـلـى صيحة البين ماتوا جمـيعـا
حموا راحة النوم أجفانَـهـم ولفوا على الزفرات الضلوعا
أسكّان رامة هل مـن قِـرىً فقد دفع الليل ضيفاً قنـوعـا
كفاه من الزاد أن تـمـهـدوا له نظراً أو حديثـاً وسـيعـا
قيل لأبي بكر النهشلي وهو في الموت اشرب قليلاً من الماء فقال: حتى تغرب الشمس.
للمهيار:
نفّرها عن وِردها بـحـاجـر شوقٌ يعوق الدمع في المحاجر
وردّها على الطوى سواغـبـاً ذلُّ الغرام وحنـين الـذاكـر
واشوقاه إلى تلك الأشباح، سلام الله على تلك الأرواح.
ها إنها مـنـازل تـعـودت مني إذا شارفتها التسلـيمـا
وقفت فيها سالماً راد الضحى ورحت من وجد بها سليمـا
يا نفحة الشمال من تلقـائهـا ردي على ذلك النـسـيمـا
يا هذا إن أردت لحاق السادة فخل مخالفة الوسادة، واجعل جلدتك بردتك، وحد عن الخلق والزم وحدتك، اكحل عينيك بالسهر والدمع وضع على قروح الجوع مرهم الصبر، وتزود للسير زاد العزم، واقطع طريق الدنيا بقدم الزهد، واخرج إلى خصب الأخرى عن ضنك الدنيا، وسح في بوادي التقى لتنزل بوادي الفخر، فإن وصلت إلى دوائك تناولته من يد "يُحبُّهم ويُحبونه" وإن مت بدائك فمقابر الشهداء "في مَقْعَدِ صدق".
?الفصل الرابع والستون
يا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، من خطر ذكر الرحيل بباله قنع بالبلغ ولم يباله.
مالك للحادثات نهـب أو للذي حازه وراثه
أولك أن تتخذه ذخـراً فلا تكن أعجز الثلاثه
لا بد والله من العبور إلى منزل القبور، يسفي عليك الصبا والدبور وأنت تحت الأرض تبور، آه من طول الثبور، بعد طيب الحبور، يا لكسر بعيد الجبور، لا ينفع فيه صبر الصبور، يندم على عثرته العثور، ويفترش الدثور حتى يثور، أين كسرى وبهرام جور، أين المتقلبون حجور الفجور? أين الحليم أين الضجور? أين المهر العربي، والناقة العيسجور، أين الظباء الكنس والأتراب الحور، كن يزين در البحور بالنحور، غرق الكل في يم من التلف زخور، واستوى الوضيع والفخور، تحت الصخور، لا فرق بين ذات الإيماء وذوات الخدور في ذلك المهبط الحدور، لقد بان للكل أن الدنيا غرور، وعرفوا في المصير. شرور السرور، وتيقنوا أن تزوير الأمل للخلد زور وتفصلت أعضاؤهم ولا تفصيل لحم الجزور، ودكت بهم الأرض ولا كما دك الطور، وبانت حسباناتهم وفيها قصور وتأسفوا على مساكنة القصور في مساكن القصور، وهذا المصير ولو عمرتم عمر النسور، والرامي مصيب وما يدفع السور، فإذا انقضت بعده تلك العصور ونفخ في الصور، وخرجت أطيار الأرواح من أعجب الوكور، وباتت الأرض تموج والسماء تمور، ولقي الكفور ناراً تلتهب وتفور، انزعج الخليل والكليم. فمن بشر وطيفور.
كم للـمـنـايا فـي بـنـي آدم توسع منه تضـيق الـصـدور
فالوقت لا تـحـدث سـاعـاتـه إلا الردى المحض بوشك المرور
أيامـنـا الـسـبـعة أيسـارنـا وكلنا فيهـا شـبـيه الـجـزور
طهرت ثـوبـاً واهـياً ثـم مـا قلبك إلا عـادم لـلـطـهـور
لو فطـن الـنـاس لـدنـياهـم لا اقتنعوا منها اقتناع الـطـيور
ويحك إن الدنيا تغر ولا بد لك منها، فخذ قدر الحاجة على حذر، أما ترى الطائر كيف يختلس قوته? هذا العصفور يألف الناس فلا يسكن داراً لا أهل بها وهو مع هذا الأنس شديد الحذر ممن جاور، هذا الخطاف يقطع البحر لطلب الأنس بالأنس ثم يتخذ وكره في أحصن مكان من البيت، ولا يحمله الأنس بهم على ترك الحذر منهم، بل يعطي الأنس حقه والحزم حقه.
أما عرفت أدب الشرع في تناول المطعم، ثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس، شره الحرص يغبى بلا غم البلادة، ولا يسهل شرب المسهل إلا على من تأذى بحركات الأخلاط، لا يقدر على الحمية إلا من تلمح العافية في العاقبة، شغل العقل النظر في العواقب، فأما الهوى فإيثار لذة قليلة تعقب ندامة طويلة، فملبس في قضاياه، المؤمن بين حرب ومحراب وكلاهما مفتقر إلى جمع الهم، ويريد المحراب القيام بأشراط الوضوء والدنيا في مقام امرأة واللمس ناقض طريق المتيقن تفتقر إلى رواحل، وابل عزائمكم كلها كال، إنما يصلح للملك قلب فارغ ممن سواه.
وقلبك خان كل يوم ولـيلة يفارقه ركب وينزله ركب
في كل يوم ترهن قلبك على ثمن شهوة فيستعمله المرتهن فدق أخلق، أنت توقد نار التوبة في المجلس، في الحلفاء، فإذا أردت منها قبساً بعد خروجك لم تجد، تبكي ساعة الحضور على الخيانة والمسروق في جيبك، يا مظهراً من الخير ما ليس له لا تبع ما ليس عندك، كم نهاك عن نظرة وتعلم أنه بالحضرة، أفلا تراقب الناظر برد الناظر، وكأنك ما تعرف أن الحاضر حاضر، واعجباً لك، تعد التسبيحة بسبحة، فهلا جعلت لعد المعاصي أخرى، يا من يختار الظلام على الضوء، الذباب أعلى همة منك، متى أظلم البيت خرج الذباب إلى الضوء، أما ترى الطفل في القماط? يناغي المصباح، ويحك، خذ بتلابيب نفسك، قبل أن يجذبها ملك الموت، وقل أيتها النفس الحمقاء، إن كان محمد صادقاً فالمسجد وإلا فالدير.
الناس من الهوى على أصنـاف هذا نقض العهد، وهـذا واف
هيهات من الكدور تبغي الصافي لا يصلح للحضرة قلب جـاف
يا هذا، أكبر دليل عليك علينا، إنك كنت مبدداً في ظهور الأصول فنظمت بالقدرة نظماً عجيباً خالياً عن العبث، فما تنقض إلاّ لأمر هو أعجب منه، مدت أطناب العروق، وحفرت خنادق الأعصاب، وضربت أوتاد المفاصل، وأقيم عمد الصلب، ثم مد السرادق، فنصب سرير القلب في الباطن للملك ويسعني قلب عبدي المؤمن
إذا لم يجد صب على النأي مخبراً عن الحي بعد البين أين أقامـوا
فعند النسيم الرطب أخبار منـزل به لسليمى بالـعـقـيق خـيام
يا هذا، إن كنت محباُ فحبيبك معك في كل حال، حتى عند الموت، وفي بطن اللحد.
للغزي:
يا حبذا العرعر النجدي والـبـان ودار قوم بأكناف الحمى بـانـوا
وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى سم الخياط مع الأحبـاب مـيدان
إذا أقفر قلبك من ساكن ويسعني فتحت النفس باباً لعناكب الغفلة، فنسجت في زواياه من لعاب الأمل، طاقات المنى، اللهم أجر القلوب من جور النفوس، يا سلطان القلب، نشكو إليك النزالة.
الفصل الخامس والستون
إخواني، اعرفوا الدنيا وقد سلمتم، ثم اعملوا فيها بما عملتم، لا يغرنكم منها الوفر، فإنكم فيها في سفر، أما بعد توطئة المهاد الحفر?، أتتوطن مني وتنسى النفر?.
أرى الدنيا وما وصفت ببـر متى أغنت فقيراً أرهقـتـه
إذا خشيت لشر عـجـلـتـه وإن رجيت لخير عوقـتـه
تعلقها ابن جهل في صـبـاه فهام بفارك ما عـلـقـتـه
سقته زمانه مقـراً وصـابـا وكأس الموت آخر ما سقتـه
أبادت قصر قيصر ثم جازت بإيوان ابن هرمز فارتقـتـه
أما افتتحت له في الأرض بيتاً فآوته النزيل وأطـبـقـتـه
إذا انفلت ابنها عنها بـزهـد ثنته بزخرف قد نمـقـتـه
أترى لم تنفع التجارب?، أما ترون الدنيا كيف تحارب?، ألا تلقون حبلها على الغارب?، أما سيف الهلاك في يد الضارب?، تالله لقد جلا صبح اليقين ظلام الغياهب، إلا عزم زاهد، يتوكأ على عصا راهب.
ودنياك إن وهبت باليمين يسار الفتى سلبت باليسار
إخواني، احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت، ذلك يفرقان بين المرء وزوجه، وهذه تفرق بين العبد وربه، وكيف لا، وهي التي سحرت سحرة بابل، إن أقبلت شغلت، وإن أدبرت قتلت.
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهـمـهـا ثم انثـنـت عـنـه فـكـاد يهـيم
ويلاه إن عرضت وإن هي أعرضت وقع السهـام ونـزعـهـن ألـيم
كم في جرع لذاتها من غصص، طالبها معها في نغص:
بكى عليها حتى إذا حصلت بكى عليها خـوفـاً مـن الـغـير
إنها إذا صفت حلالاً، كدرت الدين، فكيف إذا أخذت من حرام?، إن لحم الذبيحة ثقيل على المعاء، فكيف إذا كان ميتة?، الظلمة في الظلمة يمشون في جمع الحطام، يصبحون ويمسون على فراش الآثام " فما ربِحَتْ تجارَتُهُمْ "، من نبت جسمه على الحرام، فمكاسبه كبريت به يوقد، الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب، أتراهم نسوا? طي الليالي سالف الجبارين، وما بلغوا معشار ما آتيناهم، فما هذا الاغترار " وقدْ خَلَتْ منْ قبلِهِمُ المَثُلاتُ " فهم ينتظرون من لهم إذا طلبوا العود " فحِيلَ بينَهُمْ وبينَ ما يشتَهونَ " كم بكت في تنعم الظالم? عين أرملة، وأحرقت كبد يتيم " ولَتَعلَمُنَّ نبأَهُ بعدَ حين" ما ابيض لون الرغيف حتى اسودَّ وجه الضعيف، ما تروّقت المشارب حتى ترنّقت المكاسب، ما عبل جسم الظالم حتى ذوت ذواب ذات قوة، لا تحتقر دعاء المظلوم، فشرر قلبه محمول بعجيج صوته، إلى سقف بيتك، نباله مصيب، ونبله غريب، قوسه حرقه، ووتره قلقه، ومرماته هدف " لأنصرَنَّكَ " وسهم سهمه الإصابة، وقد رأيت وفي الأيام تجريب.
كم من دار دارت بنعم النعم، دارت عليها دوائر النقم " فجعلناها حصيداً" كم جار في حلبة المنى?، قد استولى طرفه على الأمد، صدمه قهر عقوبة، فألقاه أسرع من طرف، بينا القوم ينبسطون على البسيطة، كفت أكفهم بمقامع القمع، لسبتهم عقارب ظلمهم نفخ عليهم ثعبان جورهم، عقرتهم أسود بطشهم، نسفتهم عواصف كبرهم، وفي الغير عبر، ويحك، إذا كانت راحة اللذة تعقب تعب العقوبة، فدع الدعة تمضي في غير الدعة، والله ما تساوي لذة سنة غم ساعة، فكيف والأمر بالعكس?، كم في يم الغرور، من تمساح فاحذر يا غائض، يا من قد أمكنه الزمان من حركات التصرف في العدل فما يؤمن من الزمن الزمن.
ومتى بلغت إلى الرئاسة فاستلب كرة العلى بصوالج المعروف
كان عمر يخاف مع العدل، يا من يأمن مع العدول، رؤى بعد موته باثنتي عشرة سنة، فقال الآن تخلصت من حسابي، واعجباً، أقيم أكثر من سني الولاية، أفينتبه بهذا راقد الهوى? أحسن شعائر الشرائع، العدل، الظلم ظلمة في نهار الولاية، وجدب يرعى لحوم الرعية، والعدل، صوت في صور الحياة، يبعث به موتى الجور، أيها الظالم، تذكر عند جورك عدل الحاكم، تفكر حين تصرفك في سرفك، عجباً لك، تدعي الظرف وتأخذ المظروف والظرف، كلا، أو في الظرافة رأفة، ستعلم أيها الغريم قدر غرامك إذا يلتقي كل ذي دين وماطله، من لم يتبع بمنقاش العدل، شوك الظلم من أيدي التصرف، أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب.
يا أرباب الدول، لا تعربدوا في سكر القدرة، فصاحب الشرطة بالمرصاد، سليمان الحكم قد حبس آصف العقوبة، في حصن "فلا تعجَل عليهم" وأجرى رخاء الرجاء "لئلا يكون للناس على الله حجةٌ" فلو قد هبت سموم الجزاء من مهب "ولئن مستهم نفحة" قلعت سكر "إنما نُملي لهم" فإذا طوفان التلف، ينادي فيه نوح "لا عاصم" فالحذر الحذر "قبل أن تقول نفسٌ يا حسرتا" "ولات حين مناص" وأنت أيها المظلوم فتذكر من أين أتيت? فإنك لا تلقى كدراً، إلا من طريق جناية "لا يُغيِّر ما يقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم".
كان لبّان يخلط الماء باللبن، فجاء سيل فذهب بالغنم، فجعل يبكي ويقول اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلاً، ولسان الجزاء يناديه: يداك أوكتا وفوك نفخ. اذكر غفلتك عن الآمر والأمر وقت الكسب، ولا تنسى إطراح التقوى عند معاملة الخلق، فإذا انقض عاصف فسمعت صوت سوطه يضرب عقد الكسب جزء الخيانة العقود، فلا تستطرف ذلك، فأنت الجاني أولاً، والبادي أظلم.
الفصل السادس والستون
يا مشغولاً بأمله، عن ذكر أجله، راضياً في صلاح خلاله بخلله، هل أتى المساكن لكسله إلا من قبله.
أضحى لك في قبضة المطامع آمال ترجو دركاً والردى لعمرك مغتال
هل أنت معدٌ ليوم حـشـرك زاداً يوماً بجد الفوز بالقـيمة عـمـال
إن أغفلك الدهر برهة فـسـيأتـي ك على غفلة بحتفك مـعـجـال
بادر بمتاب فربما طـرق الـمـو ت بسهم من الـمـنـية قـتـال
أين المتحامون عن زخـارف دنـيا إن أوطنت المرء عقبته بتـرحـال
خلابة عقل بـبـاطـل مـتـمـاد غرارة صاد رأي المطامع كـالال
إن شيم سحاب لها فـذاك جـهـام أو ظن بها وابـل فـذلـك خـال
دع عنك حديث الركاب أين تولـت أو ذكر ديار بها العفـاء وإطـلال
يا حسرة من أنفق الحـياة غـروراً قد باع لها الفرصة الرخيصة بالغال
لا تحتقر الذنب فالصحائف تحصـى ما كنت تناسيت من قبائح أفـعـال
يا ضاحكاً ملء فيه سروراً واغتباطاً، وقد ارتضيت له المنون خيل التلف ارتباطاً، أما بسط الإنذار على باب الدار بساطاً? أما الحادي مجد. فما للمنادي يتباطى? أيحسن بالكبير أن يتمرس الهوى ويتعاطى? عجباً لعالم يقرب المنايا، كيف لا ينتهب التقى التقاطاً، ولجسد بال، جر بالعجب والرياء رياطا، إلى كم هذا الإسراع في الهوى والوجيف? وباب البقاء في الدنيا قد سد وجيف، إن الأمن في طريق قد أخيف، رأي رذيل. وعقل سخيف، يا من يجمع العيب إلى الشيب، ويضيف، لا الماء بارد، ولا الكوز نظيف، إن إيثار ما يفنى على ما يبقى لمزيف لا ظريف، كم أتى خريف وكم أناخ ريف، ويكفي من الكل كل يوم رغيف، أيجوع بشر الحافي? ويشبع وصيف، ويذل هذا ويخدم هذا مائة وصيف، وما أدرك هذا مد هذا. ولا النصيف، إلا أريب إلا لبيب إلا حصيف? لا يعجبنكم استقامة غصن الهوى، فالغصن قصيف ها نحن قد شتونا ولعلنا لا نصيف.
سل الأيام ما فعلت بكسرى وقيصر والقصور وساكنيها
أما استدعتهم للموت طـراً فلم تدع الحليم ولا السفيهـا
دنت نحو الدنى بسهم خطب فأصمته وواجهت الوجيها
أما لو بيعت الدنيا بفـلـس أنفت لعاقل أن يشتـريهـا
يا من عمره يذوب، وما يتوب، إذا خرقت ثوب دينك بالزلل فارقعه بالاستغفار، فإن رفاء الندم صناع في جمع المتمزق.
يا هذا، إنما يضل المسافر في سفره يوماً أو يومين، ثم يقع على الجادة واعجباً من تيه خمسين سنة، يا واقفاً مع الصور خالط عالم المعنى، أما علمت أن تغريد الحمام نياحة، أنت تظن البلبل يغني، وإنما يبكي على أحبابه.
ليت شعري عن الذين تركنا بعدنا بالحجاز هل يذكرونا
أما لعل المدى تطاول حتى بعد العهد بيننا فنـسـونـا
أرجعوا حرمة الوصال فإنا لهم في الهوى كما عهدونا
لو صفت لك فكرة، كان لك في كل شيء عبرة، كل المخلوقات بين مخوف ومشوق، حر الصيف يذكر حر جهنم، وبرد الشتاء محذر من زمهريها، والخريف ينبه على اجتناء ثمار الأعمار، والربيع يحث على طلب العيش الصافي، أوقات الأسحار ربيع الأبرار، وقوة الخوف صيفاً، وبرودة الرجاء شتاءً، وساعات الدعاء والطلب خريف، إذا استحر الحر تقحم القحل، فطلق القسر الأرض، فلبست سربال الجدب، واحدت في حفش الذل، فلما طالت أيام الأيمة، أومأ إلى المراجعة الرجع، فبكت من قطراته لطول الهجر، فضحك لكثرة بكائه روض الأرض، فبنى البناء ريع الربيع، فنهضت ماشطة القدرة، لإخراج بنات النبات من مخدر الثرى، ففرشت الحلل بمصبغات الحلل، فسمع الورد هتاف العندليب، وحنين الدواليب، ففتح فاه مشتاقاً إلى مشروب، فإذا الطل صبوح، فقال ألا منادم? فأبت الأزهار مصاحبة من لا يقيم، فأجابه بعد الياس الياسمين، فقال أنا نظيرك في قصر العمر، والموانسة في المجانسة، فأشر أنت إلى المذنب، باحمرار الخجل، حتى أشير أنا إلى الخائف، باصفرار الوجل، فرأى البلبل طيب الاجتماع فغنى، فرنت ديار اللهو، فدخل الناطور والصياد، فاقتطف الناطور رأس الورد، واختطف الصياد البلبل الوغد، فذبح في الحال العصفور، وحبس الورد في قوارير الزور، وقيل للياسمين. لم اغتررت بزور? "أفحسبتُم أنما خلقناكم عبثاً" فلما بكى الورد بكاء نادم على الاغترار، صلح للمتطيبين "أنين المذنبين أحبُّ إلينا من زجل المسبحين" فانتبه يا مخدوع، فالعمر الورد، والزجاجة القبر، والنفس البلبل، والقفص اللحد.
الفصل السابع والستون
أخواني، المستقر يزول، والمقيم منقول، والأحوال تحول، والعتاب على الفاني يطول، وكم نعذل وكم نقول?
سيقطع ريب البين بين الفريقـين لكل اجتماع فرقة من يد البـين
وكل يقضي ساعة بعـد سـاعة تخاتله عن نفسه ساعة الـحـين
وما العيش إلا يوم موت له غـد وما الموت إلا رقدة بين يومـين
وما الحشر إلا كالصباح إذا انجلى يقوم له اليقظان من رقدة العين
أيا عجباً مني ومن طول غفلتـي أومل أن أبقى وأنـى ومـن أين
أين قطان الأوطان? أين الأطفال والشمطان? أين الجائع والمبطان? أين حطان وقحطان? أين العبيد والسلطان? أين الباني وماطان? أين السقوف والحيطان? أين المروج والغيطان? أين المهاري والأشطان? أين الآجال والخيطان? أين المحب والحبيب في الثرى خطان، تعرف وتصدف "هذا من عمل الشيطان" الطريق الهادية واسعة الفجاج، والدليل ظاهر لا يحتاج إلى احتجاج، وأما بحر الهوى فما يفارقه ارتجاج، ما فيه ماء للشرب، بل كله أجاج، والعجب من راكب فيه، يتجر في الزجاج، كم مزجور عنه غرفته في لجة لجاج.
يا معاشر العصاة، قد عم الجدب أرض القلوب، وأشرفت زروع التقوى على التوى، فأخرجوا من حصر الذنوب، إلى صحراء الندم، وحولوا أردية الغدر عن مناكب العهود، ونكسوا رؤس الرياسة على أذقان الذل، لعل غيوم الغموم على ما تلف تأتلف، أخواني، قد بشر الرشاش فاثبتوا، وقد سال الوادي.
واحبس الركب علينا ساعة نندب الربع ونبكي الدمنا
فلذا الموقف أعددنا البكـا ولذا اليوم الدموع تقتنـى
زمناً كان وكـنـا جـيرة يا أعاد الله ذاك الزمـنـا
بيننا يوم أثيلات النـقـى كان عن غير تراض بيننا
إذا خرجت القلوب بالتوبة من حبس الهوى إلى بيداء الإنابة، جرت خيول الدمع في حلبات الوجد، كالمرسلات عرفاً، إذا استقام زرع الفكر، قامت العبرات تسقي، ونهضت الزفرات تحصد، ودارت رحا التحير تطحن، واضطرمت نار القلق تنضج، فحصلت للقلب بلة، يتقونها في سفر الحب، يا من لم يصبر عن الهوى، صبر يوسف، تعين عليك، حزن يعقوب، فإن لم تطق، فذل أخوته، يوم "وتصدق علينا" خوف السابقة، وحذر الخاتمة، قلقل قلوب العارفين، وزادهم إزعاجا "يحول بين المرء وقلبه" كلما دخلوا سكة من سكك السكون، شرع بهم الجزع في شارع من شوارع القلق، لما حرك نسيم السحر أغصان الشجر، أخذت ألسن قلوبهم في بث القلق، فكاد نفس النفس يقطع الحيازيم، لولا حزم التمسك.
للشريف الرضي:
وإني لأغرى بالنسـيم إذا سـرى وتعجبني بـالأبـرقَـيْن ربـوعُ
ويحني على الشوق نجديُّ مُـزنةٍ وبَرقٌ بأطراف الحجاز لَمـوعُ
ولا أعرف الأشجان حتى تشوقني حمائم ورق في الـديار وقـوع
في كل ليل تهب الرياح، ولكن نسيم السحر خاصية، ما أظنه تعطر إلا بأنفاس المستغفرين، لنفس المحب عطرية، تنم على قدر طيبة:
أحب الثرى النجدي من أجرع الحمى كأني لمن بالأجـرعـين نـسـيب
إذا هب علـوي الـرياح رأيتـنـي أغض جفونـي أن يقـال مـريب
المحبون على شواطئ أنهار الدمع تزول، فلو سرت عن هواك خطوات، لاح لك الخيام:
وصلوا إلى مولاهم وبقـينـا وتنعموا بوصاله وشـقـينـا
ذهبت شبيبتنا وضاع زمانـنـا ودنت منيتنا فمن ينـجـينـا
فتجمعوا أهل القطيعة والجفا نبكي شهوراً قد مضت وسنينا
كان بعض السلف يقول: اللهم إن منعتني ثواب الصالحين، فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته، وكان آخر يقول إن لم ترضى عني فاعف عني، كان القوم زينة الدنيا، فمذ سلبوا تسلبت، خلت والله الديار، وباد القوم، وارتحل أرباب السهر، وبقي أهل النوم، واستبدل الزمان آكلي الشهوات بأهل الصوم:
كفى حزناً بالواله الصب أن يرى منازل من يهوى معطلة قفـرا
يا من كان له في حديث القوم ذوق، أين آثار الوجد والشوق? إذا طالت لبث الطين في حافات الأنهار تكامل ريه، فإذا نضب الماء عنه استلبت الشمس جميع ما فيه من رطوبة، فيقوى شوقه إلى ما فارق فلو تركت قطعة منه على لسانك لأمسكته شوقاً إلى ما فارقت من رطوبة، أشد الناس حباً لحديث الحجاز من سافر:
فكانت بالفرات لنـا لـيال سرقناهن من ريب الزمان
يا هذا كنت تدعي حبنا وتؤثر القرب منا فما هذا الصبر الذي قد عن عنا? كنت تستطيب رياح الأسحار وما تغير المحب ولكن دخل فصل برد الفتور، ولم تحرزه، فأصابك زكام الكسل، كنت في الرعيل الأول، فما الذي ردك إلى الساقة? قف الآن على جادة التأسف والزم البكاء على التخلف فأحق الناس بالأسى من خص بالتعويق دون الرفقاء:
يا صاحبي أطيلا فـي مـوانـسـي وناشداني بخـلانـي وعـشـاقـي
وحدثاني حـديث الـخـيف إن لـه روحاً لقلبي وتسهـيلاً لأخـلاقـي
ما ضر ريح الصبا لو ناسمت حرقي واستنقذت مهجتي من أسر أشواقي
داء تقادم عنـدي مـن يعـالـجـه ونفثة بلغت منـي مـن الـراقـي
يمضي الزمان وآمالي مـصـرمة ممن أحب على مـطـل وإمـلاق
واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به ولا حصلت على علم من البـاقـي
بلى علمت وقد أيقـنـت يا أسـفـاً أني لكـل الـذي قـدمـتـه لاق
الفصل الثامن والستون
أخواني: من عامل الدنيا خسر ومن حمل في صف طلبها كسر وإن خلاص محبها منها عسر وكل عاشقيها قد قيد وأسر "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر".
أرى الشهد يرجع مثل الصبر فما لابـن آدم لا يعـتـبـر
وخبره صادق في الحـديث فإن شك في ذاك فليختبـر
ودنياك فالق بطول الهـوان فهل هي إلا كجسر عـبـر
يا طالباً ما لا يدرك تمنى البقاء وما تترك كأنك بالحادي قد أبرك، وهل غير الحصاد لزرع قد أفرك?
وكيف أشيد في يومي بـنـاء وأعلم أن في غد عنه ارتحالي
فلا تنصب خيامك في محـل فإن القاطنين على احتـمـال
يا من أعماله رياء وسمعة، يا من أعمى الهوى بصره وأصم سمعه، يا من إذا قام إلى الصلاة لم يخلص ركعة، يا نائماً في انتباهه إلى متى هذه الهجعة? يا غافلاً عن الموت كم قلع الموت قلعة? كم دخل دارك فأخذ غيرك وإن له لرجعة، كم شرى شخصاً بنقد مريض? وله الباقون بالشفعة، كم طرق جباراً فأشت شمله وأخرب ربعه، أفلا يتعظ البيدق بسلب شاه الرقعة.
يا عامر الدنيا إنما الدنيا دار قلعة كم مزقت قلباً بحبها، فرجع ألف قطعة إن خصت بطيب المذاق أغصت وسط الجرعة يوم ترحها سنة وسنة فرحها جمعة، إنها لمظلمة ولو أوقدت ألف شمعة، وهي مع هذا خائنة ولو حلفت بربعة، كم درست عليكم مجلدات? تقول ما هذه الأنفس مخلدات، أين الأقارب، أين اللذات? أفلا روائد ذهن للأخبار منتسمات، آه للقاعدات عن طلب المكرمات، آه للمستريحات لقد رضوا بمولمات:
ذهب العمر وفـات يا أسير الشـهـوات
ومضى وقتك في لهو وسهـو وسـبـات
بينما أنت على غـيك حتـى قـيل مـات
أخواني: ما لقلب العزم قد غفل ولنجم الحزم قد أفل، مهلاً فشمس العمر في الطفل ومن لم يحضر الوغى لم يحرز النفل:
ثواني هـم فـلـم أقـره أوائل من عزمتي أو ثواني
فيا هندوان عن المكرمـات من لا يساور بالهند وانـي
يا معاشر العلماء أتقنعون من الصفات بالأسماء? أتؤثرون الأرض على السماء? أفي السكر أنتم أم في الإغماء أترضون بالثريا الثرى? أتغمضون العيون من غير كرى? أتنامون. فمن يحمد السرى? أتحيدون وفي الأنف البرى? أتحلون عقد "إن الله اشترى" إنكم لأحق بالحزن فيما أرى، احضروا ناحية، لا تكلفكم الكرى:
يا قومنا هذي الـفـوائد جـمة فتخيروا قبل الندامة وانتـقـوا
إن مسكم ظمأ يقول نـذيركـم لا ذنب لي قد قلت للقوم استقوا
يا معاشر العلماء قد كتبتم ودرستم ثم إن طلبكم العلم فلستم في بيت العمل، ثم لو ناقشكم الإخلاص لا فلستم، شجرة الإخلاص أصلها ثابت، لا يضرها زعزع "أين شركائي" وأما شجرة الرياء فاجتثت عند نسمة "وقِفوهم" كم متشبه بالمخلصين? في تخشعه ولباسه وأفواه القلوب تنفر من طعم مذاقه واأسفي ما أكثر الزور? أما الخيام فإنها خيامهم، ليس كل مستدير يكون هلالا، لا لا.
وما كل من أومى إلى العز نالـه ودون العلى ضرب يدمي النواصيا
كم حول معروف من دفين ذهب اسمه كما بلى رسمه ومعروف معروف:
فما كل دار أقفرت دارة الحمى ولا كل بيضاء الترائب زينـب
لريح المخلصين عطرية القبول وللمرائي سموم النسيم، نفاق المنافقين صير المسجد مزبلة "لا تقم فيه أبداً" وإخلاص المخلصين رفع قدر الوسخ "رب أشعث أغبر".
أيها المرأى قلب من ترائيه بيد من تعصيه لا تنقش على الدرهم الزائف اسم الملك، فما يتبهرج الشحم بالورم، المرائي يتبرطل على باب السلطان، يدعي أنه خاص وهو غريب، أتردون ما ذنب المرائي? دعا باسم ليلى غيرها. فيا أسفي ذهب أهل التحقيق وبقيت بنيات الطريق، خلت البقاع من الأحباب وتبدلت العمارة بالخراب، يا ديار الأحباب عندك خبر المخلص يبهرج على الخلق بستر الحال، وببهرجته يصح النقد، كان في ثوب أيوب السختياني، بعض الطول لستر الحال، وكان إذا وعظ فرق فرق من الرياء فيمسح وجهه ويقول ما أشد الزكام.
لصردر:
أحبس دمعي فـينِـدُّ شـارداً كأنني أضبط عبـداً آبـقـا
ومن محاشاة الرقيب خلتنـي يوم الرحيل في الهوى منافقا
كان أيوب يحيي الليل كله فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة: لصردر:
أكلف القلب أن يهوى وأُلزمـه صبراً وذلك جمعٌ بين أضـداد
وأكتم الركب أوطاري وأسألـه حاجات نفسي لقد أتعبتُ روادي
هل مدلجٌ عنده من مبكر خبـر وكيف يعلم حال الرائح الغادي
إن رويتُ أحاديث الذين مضـوا فعن نسيم الصبا والبرق أسنادي
كان إبراهيم النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل داخل غطاه. وكان ابن أبي ليلى إذا دخل داخل وهو يصلي اضطجع على فراشه.
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بـمـا مضغ الكلام ولا صيغ الحواجيب
مرض ابن أدهم فجعل عند رأسه ما يأكله الأصحاء، لئلا يتشبه بالشاكين، هذه والله بهرجة اصح من نقدك.
للعباس بن الأحنف:
قد سحَّب الناسُ أذيال الظنون بنا وفرَّق الناس فينا قولهم فِرَقـا
فكاذبٌ قد رمى بالظن غيركـمُ وصادقٌ ليس يدري أنّه صدقا
اشتهر ابن أدهم ببلد فقيل هو في البستان الفلاني، فدخل الناس يطوفون ويقولون أين إبراهيم بن أدهم? فجعل يطوف معهم، ويقول أين إبراهيم بن أدهم.
للمهيار:
ضناً بأن يعلم الناسُ الهـوى ولـمـن وهبتُ للسـرِّ فـيه لـذة الـعـلـنِ
عرِّض بغيري ودعني في ظنونـهـم إن قيل من يك يُخفي الحق في الظنن
قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوساً كان يكره الأنين فما أنَّ حتى مات.
لصردر:
تفيض نفوسٌ بأوصابهـا وتكتم عوّادها ما بـهـا
وما أنصفت مهجةٌ تشتكي هواها إلى غير أحبابهـا
لما هم الطبع بالتأوه من البلاء كشفت الحقائق سجف المحبوب فلم يبق لتقطيع الأيدي أثر:
بدا لها من بعد مـا بـدا لـهـا روض الحمى إن تشتكي كلالها
رحل والله أولئك السادة، وبقي والله قرناء الرياء والوسادة.
ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأقوام
أسمع أصواتاً بلا أنيس وأرى خشوعاً أصله من إبليس.
للمهيار:
تشبهتْ حورُ الظبـاء بـهـم إذا سكنتْ فيك ولا مثل سكنْ
أصامتٌ بناطقٍ ونافرٌ بـآنـسٍ وذو خـلاً بـذي شـجــنْ
مشتـبِـهٌ أعـرفـه وإنـمـا مغالطاً قلت لصحبي: دارُ منْ
قف باكياً فيها وإن كنت أخـاً موانساً فبكِّها عـنـك وعـن
لم يُبق لي يوم الفراق فضـلةً من دمعةٍ أبكي بها على الدِّمَنْ
الفصل التاسع والستون
يا من قد أرخى له في الطول وأمهل له بمد الأجل، إخل بنفسك وعاتبها وخذ على يدها وحاسبها لعلها تأخذ عدتها قبل أن تستوفي مدتها:
وجـدت أيامـي لـي رواحـلاً وآن ينحط عنـهـا الـراحـل
وصيح بي عرس فقد طال المدى وكل ركب في التـراب نـازل
تهدد الحين فهل من سامـع وجاء بالنصح فأين القـابـل
وكل شيء زاجر مـحـدث يفهم ما قال الحصيف العاقل
أخواني، بادروا قبل العوائق واستدركوا فما كل طالب لاحق، واشكروا نعمة من ستركم عن الذنوب، واعرفوا فضله فقد أعطاكم كل مطلوب، ما أعم وجوده لجميع خلقه وما أكثر تقصيرهم في حقه، عم إحسانه الآدمي والبهائم والمستيقظ والنائم والجاهل، والعالم والمتقي والظالم من تأمل حسن لطفه لخليقته حيره الدهش، خلق الجنين في بطن الأم فجعل وجهه إلى ظهرها لئلا يجري الطعام عليه، وجعل انفه بين ركبتيه ليتنفس في فراغ وسيق قوته في مصران السرة وليس العجب تغذيه لأنه متصل بحي، إنما العجب، خلق الفرخ في البيضة المنفصلة فإنه من البياض يخلق ومن المح يتغذى، فقد هيأ له زاد الطريق قبل سير الإيجاد، إذا تفقأت بيضة الغراب خرج الفرخ أبيض فتنفر عنه الأم لمباينته إياها، فيبقى مفتوح الفم لطلب الرزق فيسوق القدر إلى فيه الذباب، فلا يزال يغتذي به حتى يسود، فتعود أمه إليه، خلق الطير ذا جؤجؤ مخدد لتجري سفينة طيرانه في بحر الهوى، وجعل في جناحه وذنبه ريشات طوال لينهض للطيران ولما كان يختلس قوته خوفاً من اصطياده، جعل منقاره صلباً لئلا ينسحج ولم يخلق له أسنان لأن زمان الانتهاب لا يحتمل المضغ، وجعلت له حوصلة كالمخلاة، فينقل إليها ما يستلب ثم ينقله إلى القانصة في زمان الأمن، فإن كانت له فراخ أسهمهم قبل النقل كلما طالت ساق الحيوان طال عنقه ليمكنه تناول طعمه من الأرض، هذا طائر الماء لا يقف إلا في ضحضاح، فيتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى ما يريد خطا خطوات على مهل فيتناول ولو كان قصير القوائم، كان حين يخطو يضرب الماء ببطنه فيهرب الصيد، هذه العنكبوت تبني بيتها بصناعة يعجز عنها المهندس إنها تطلب زاوية فجعلت فيها خيطاً، ووصلت بين طرفيها بخيط آخر وتلقي اللعاب على الجانبين فإذا أحكمت المعاقد ورتبت القسط كالسدى أخذت في اللحمة فيظن الظان أن نسجها عبث، كلا، إنها تصنع شبكة لتصيد قوتها من الذباب والبق فإذا أتمت النسج انزوت إلى زاوية ترصد رصد الصائد، فإذا وقع صيد قامت تجني ثمار كسبها فتغتذي به فإذا أعجزها الصيد طلبت زاوية ووصلت بين طرفيها بخيط ثم علقت بنفسها بخيط آخر، وتنكست في الهواء تنتظر ذبابة تمر بها فإذا دنت منها دبت إليها واستعانت على قتلها بلف الخيط على رجلها، أفتراها علمت هذه الصنعة بنفسها? أو قرأتها على بعض جنسها أفلا ينظر إلى حكمة من علمها? وتثقيف من ألهمها.
فإن لم يكن لك نظر يعجبك منها فيعجب من عدم تعجبك، فإن أعجب أفعال القدر " وأَضَلَّهُ اللهُ على علمٍ " القلب جوهر في معدن البدن، فاكشف عنه بمعول المجاهدة ولا تطينه بتراب الغفلة، رميت صخرة الهوى على ينبوع الفطنة، فاحتبس الماء، انقب تحتها إن لم تطق رفعها لعل الجرف ينهار.
في قربنا نيل المـنـى فتنبهوا يا غافـلـينـا
عجباً لقومٍ أعـرضـوا عنا وقوم واصَلـونـا
نقضوا العهود وبارزونا بالصدود كاشـفـونـا
واستعذبوا طعم القطيعة والجفا حتى نسـونـا
يا ويحهم لو قـد دروا ما فاتهم لاستعطفونـا
إلهي، ما أكثر المعرض عنك والمعترض عليك، وما أقل المتعرضين لك يا روح القلوب أين طلابك? يا نور السموات أين أحبابك? يا رب الأرباب أين عبادك? يا مسبب الأسباب أين قصادك? من الذي عاملك بلبه فلم يربح? من الذي جاءك بكربه فلم يفرح? أي صدر صدر عن بابك ولم يشرح? من ذا الذي لاذ بحبلك فاشتهى أن يبرح? يا معرضاً عنه إلى من أعرضت? يا مشغولا بغيره بمن تعوضت?
مت على من غبت عنه أسفاً لست عنه بمصيب خلـفـا
لن ترى قـرة عـين أبـداً أو ترى نحوهم منصرفـا
بعت قيام الليل بفضل لقمة، شربت كأس النعاس ففاتك الرفقة، ضرب على أذنك لا في مرافقة أهل الكهف، تناولت خمر الرقاد، فوقع بك صاحب الشرطة فعمل في حقك بمقتضى قم وانم، فجعل حدك الحبس عن لحاق المتهجدين، والله لو بعت لحظة من خلوة بنا بعمر نوح في ملك قارون لغبنت لا بل بما في الجنان كلها ما ربحت ومن ذاق عرف.
إخواني، اسمعوا بحرمة الوفاء فما كل وقت يطلع سهيل، فإذا خرجتم من المجلس فاقصدوا المساجد الخراب، وضعوا وجوهكم على التراب وابعثوا أنفاس الأسف وكفى بها شفيعاً في الزلل، فإن وجدتم قلوبكم قد حضرت فاذكروني معكم.
للشريف الرضي:
وقولوا لجيرانٍ على الخيف من منى تراكُمْ مَن استبدلـتُـمُ بـجـواريا
ومَنْ ورَدَ الماءَ الذي كـنـت وارداً به ورَعى العشبَ الذي كنت راعيا
فوا لهفتي كم لي على الخيفِ شهقةً تذوبُ عليها قطـعةٌ مـن فـؤاديا
الفصل السبعون
يا تائهاً في بوادي الهوى انزل ساعة بوادي الفكر يخبرك بأن اللذة قصيرة والعقاب طويل واعجباً لمن يشتري شهوة ساعة بغم الأبد. كانت المعصية ساعة لا كانت فكم ذلت بعدها النفس وكم تصاعد لأجلها النفس وكم جرى لتذكارها دمع.
للشريف الرضي:
قَضَتِ المنازلُ يومَ كـاظـمةٍ أنَّ المطيَّ يطولُ موقفُـهـا
سبقتْ مدامعُنا بـر شـتـهـا من قبلِ أن يومي مكفكفهـا
إن كنتُ أنفذتُ الدموعَ بـهـا فالوجدُ بعدَ اليومِ يُخلِـفُـهـا
لا تنشُـدَنَّ الـدارَ بـعـدهـمُ إني على الإقواء أعرفُـهـا
رفقاً بقلـبـي لا تـعـذبـه العينُ منكَ وأنتَ تَطرفُـهـا
في القلب منكَ جراحةٌ عظمت ما زلت أدملها وتقـرفـهـا
هل يعطِفَنَّكُـمُ تـوجُّـعُـهـا أو يُقبِلَنَّ بكُم تـلـهُـفُـهـا
يا من قد هبت على قلبه جنوب المجانبة فلفقت غيم الغفلة، فأظلم أفق المعرفة لا تيأس فالشمس تحت الغيم، لو تصاعد نفس أسف دارت شمالاً فتقطع السحاب، أنفع دواء أجده لك نقض أخلاط التخليط بالدموع، بضاعة المذنب دمعه، رأس مال المقر حزنه، راحة الأوّاب قلقه، عيشة التواب حرقه، كان آدم يبكي بعد هبوطه حتى يخوض في دمعه، فكان جبريل يأتيه فيقول كم هذا البكاء? ولسان حاله يجيب.
للشريف الرضي:
يا عاذل المشتاق دعـهُ فـإنـهُ يطوي على الزفراتِ غيرَ حشاكا
لو كان قلبكَ قلبهُ مـا لـمـتـهُ حاشاك مما عنـدهُ حـاشـاكـا
يا جبريل: ما تغير عليك أمر وأنا نقلت من برد عيش إلى حر، ما سكنت قط مسكني ولا توطنت موطني، فاقرأ على ربعي سلامي وقل له لا تنس أيامي.
للمصنف:
إذا جزت بالغور عرّج يميناً فقد أخذ الشوق منا يمـينـا
وسلم علـى بـانة الـواديين فإن سمعت أوشكت أن تبينه
وروِّ ثرى أرضهم بالدمـوع وخل الضلوع على ما طوينا
وصح في مغانيهم أين هـم وهيهات أموا طريقاً شطونا
أراك يشوقـك وادي الأراك أالدار تبكي أم الساكنـينـا
سقى الله مرتعنا بالحـمـى وإن كان أورث داءاً دفينـا
وعاذلة فوق داء المـحـب رويداً رويداً بناقد بـلـينـا
فمن تعذلين أمـا تـعـذرين فلو قد نفقت دعت الأنـينـا
إذا غلب الحب صح العتـاب تعبت وأتعبت لو تعلمـينـا
ما زال آدم يشيم برق العفو فلما طال عليه الزمان حمّل صعداء الوجد رسالة شكوى ما علمت بمضمونها الرياح.
إذا بدا البرق من نجد طربت لـه وكدت من طربي أقضي لذكرهم
وتحمل الريح إن هبت شـامـية مني السلام إلى أطلال ربعهـم
فرض على أراعيهم وأحفظهـم على البعاد ويرعوني بفضلـهـم
يا معاشر المذنبين ، تأسّوا بأبيكم في البكاء، تفكروا كيف باع داراً قد ربي فيها وضاع الثمن، لا تبرحوا من باب الذل فأقرب الخطائين إلى العفو المعترف بالزلل، ما انتفع آدم في بلية "وعصى " بكمال " وعلم " ولا رد عنه عز " اسجدوا " وإنما خلصه ذل "ظلمنا ". قال سريّ: بتُّ ببعض قرى الشام، فسمعت طائراً على شجرة يقول طوال الليل، أخطأت لا أعود فقلت لأهل القرية: ما اسم هذا الطائر? فقالوا: فاقد إلفه.







يحيى الحكمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2009, 10:45 PM   #15
يحيى الحكمي
لا شيءَ يفرِح
 
الصورة الرمزية يحيى الحكمي
 
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 8,856
افتراضي

للمهيار:
تأوهـت تـأوه الأســير ورقاءُ ذات ورَقٍ نضـيرِ
تنطق عن قلب لها مكسورِ كانها تنطق عن ضمـير
لبيكِ يا حزينةَ الـصـفـير إن استجرتِ بي فاستجيري
لك الخيارُ انجدي أو غـوري وحيثما صار هواكِ صيري
قصي جناحي زمن فطيري
أخواني، نفترق على هذه الحال غفلة شاملة ودموع جامدة لا بالله لا تفعلوا.
يا حادي العيس لا تعجل بنا وقف نجري دموع هواهم ثم ننصرف
فما يزال نسـيم مـن يمـانـية يأتي إلينا بـريا روضة أنـف
إذا رأيتم باكياً في المجلس فارحموه، وإذا شاهدتم قلقاً فاعذروه، لا تعجبوا من واجد ما لم تجدوه.
لابن المعتز:
دعوه ليطفي بالدموع حرارة على كبدٍ حرّى دعوه دعوه
سلوا عاذليه يعذروه هنـيهة فبالعذل دون الشوق قد قتلوه
لا تلوموا صاحب الوجد فما يرى بحضرته أحدا.
ظن الأراك لدى واديه أظعـانـا فما استطاع لما أخفاه كتمـانـا
فبان للركب ما قد كان يسـتـره عن كل مستخبر عن حب من بانا
كان أبو عبيدة الخواص يمشي في الطريق ويصيح: وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه.
هذا ولَهي وكم كتمتُ الـوَلَـهـا صوناً لحديث من هوى النفس لها
يا آخر محـنـتـي ويا أولـهـا أيام عناي فيك مـا أطـولـهـا
ليس للمحب قرار ولا له من الحب فرار، تعرقل وفات وخنق فمات.
ولي عبراتٌ تستـهـلُّ صـبـابةً عليك إذا برق الغمـام تـألّـقـا
ألفت الهوى حتى حلت لي صروفه ورب نعيم كان جالـبـه شـقـا
وأذهل حتى أحسب الصد والنـوى بمعترك الذكرى وصالاً وملتقـى
فها أنا ذو حالـين أمـا تـلـذذي فحي وأما سلوتي فلـك الـبـقـا
لو أشرفت على وادي الدجى لرأت خيم القوم على شواطئ أنهار الدموع، خلوا والله بالحبيب وطال الحديث، عين تبكي من المحبوب وأخرى تبكي عليه، لفظة تشكو منه وأخرى تشكو إليه. ري تام لمحبته، وعطش محرق إلى رؤيته.
للمصنف:
الماءُ عندي قد طـمـا وأنا الذي أشكو الظّما
جسمي معي لكن قلبي عند سكان الحِـمـى
واهاً لهم لـو أنـهـم عادوا وجادوا لي فما
أرجو نوالاً مـنـهـمُ هيهات هم حبي ومـا
ميلي إلى غير الأولـى سكنوا فؤادي إنـمـا
أشكو إليهم مـنـهـمُ كلما يزيد وكـلـمـا
هجروا تفاقم أمرهـم يا ليتهم داووا كـمـا
جرحوا فلو طبوا شفوا هيهات لولاهم لـمـا
ذهب الزمان بأن أقول عسى وأرجو ربـمـا
يا أيها المضنى بـهـم لم يبق منك سوى الذما
فالذما كان الـوصـال فعاد مرّاً علـقـمـا
تركوك بعد فراقـهـم متحيراً تبـكـي دمـا
يا بانة الوادي ارحمـي من لا يزال متـيّمـا
يا نسمة الريح الشمـال ألا أبلغيهم بعض مـا
ألقى فحر سـمـائم الأ نفاس يكفي معلـمـا
نفسي تكابد وجـدهـا بكم فما فغرت فـمـا
لكن آثار الـمـحـبة ليس تخفـى أينـمـا
الفصل الحادي والسبعون
إخواني: ألا ناظر لنفسه قبل الموت، ألا مستدرك زاد رمسه? قبل الفوت، ألا مزدجر بواعظ أمسه? فقد أسمعه الصوت.
ما ضرَّ عبدٌ نفسـه قبل خروج نفسه
هل يومه أو غـده إلا نظير أمـسـه
وعلَّه يلقى الـرّدى قبل غروب شمسه
كم مدلجٍ مهـجـرٍ يسعى لبعل عرسه
وأكيس الناس امرؤٌ جدّ ليوم رمـسـه
إخواني: حبال الآمال رثاث، وساحر الهوى نفاث، والأماني على الحقيقة أضغاث، والمال المدخر رزق الوارث، عجباً لأجسام ذكور وعقول إناث، إلام لرواح في الهوى والتغليس? وحتام السعي في صحبة إبليس? وكم بهرجة في العمل وكم تدليس? أين الأقران هل لهم من حسيس? أما تعلم أنهم ندموا على إيثار الخسيس، تالله لقد ودوا طلاق الدنيا قبل المسيس، لقد أسمعك الموت وعيدك، وكأنك به قد ضعضع مشيدك، وأخلى منك دارك، وملأ بك بيدَك، لقد أمرضك الهوى وفي عزمه أن يزيدك، هل لذت لذة الدنيا فصفت هل عافت? إلا وعافت وعفت هل تبعت عرضاً? وقفت فوقفت هل أرشفت شفة من رضابها? فشفت بينا محبها يناجيها بألفاظ المنى، خفت ما بلغ المراد منها إلا من صد عنها والتفت.
عين المنية يفضي غير مطـرفة وطرف مطلوبها مذ كان وسنان
جهلاً تمكن منه حـين مـولـده فالمرء صاح ولبُّ المرء سكران
كم نرمي هدف سمعك برشق كلام، كم نلدغ أصل قلبك بحمة ملام، لا تنفع الرياضة إلا في نجيب، لو سقي الحنظل بماء السكر لن يخرج حلواً، شجر الأثل وإن دام الماء تحته لم يثمر، سحاب الهدى قد طبق بيد الأكوان، وأظن أرض قلبك سبخاً إنما يغلب هذا على ظني لبعد صلاحك وقد يستحيل الخمر خلاًّ، كم تحضر المجلس وتخرج وما علقت بشيء ويحك، هذا البنفسج يطرح في الشيرح فيعبق به طول السنة وكذلك الورد في الأشنان.
ومن البليّة عذلُ من لا يرعوي عن غيّه وخطاب من لا يفهم
ويحك، إلى كم تعدو خلف موكب الهوى وما تربح إلاّ الغبار، دع حبل الرعونة من يد التمسك فإنه لا مرة له، ما قتل أحد بأحد من سيف سيوفي، ومواهب الأعمار مسترجعة بالأنفاس حتى تستوفي، ألست نقضت عهد " ألست " بعد عقد عقده فكيف حل لك الحل?
بحرمة ما قد كان بينـي وبـينـكـم من الوصل إلا ما رجعتم إلى الوصل
نحن لك على الوفاء ما زلنا، وأنت ما ثبت يومين.
لكثير:
وكنّا ارتقينا في صعودٍ من الهوى فلما علـونـاه ثـبـت وزلـت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بينـنـا فلما توافينـا شـددت وحـلّـت
واعجباً، تنبه الحيوانات بالليل فتصوت وأنت غافل ويحك إذا فتحت عينيك في الدجى فصح بقلبك.
قم بنا يا أخي لما نتـمـنّـى واطرد النوم بالعزيمة عنـا
قم فقد صاحت الديوك ونادت لا تكون الديوك أطرب منا
إخواني: مصيبتنا في التفريط واحدة وأهل الأحزان أهل.
إنّا ليجمعُنا البكـاء وكـلُّـنـا نبكي على شجنٍ من الأشجان
مجلس الذكر مأتم الأحزان، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه، وهذا على فوات مطلوبه، وهذا لإعراض محبوبه.
يتشاكى الواجدون جوىً واحداً والوجد ألـوانُ
يا نائح الفكر نضد، يا نادب الحزن عدّد، يا لائم النفس شدِّد، يا رامي القلب سدِّد، يا جامع الدَّمع بدِّد، يا مطرب السر ردِّد.
للمهيار:
نشدتُك يا بـانة الأجـرع متى رفعَ الحيُّ من لعلع
وهل مرَّ قلبي في التابعين أم حار ضعفاً فلم يتبـع
رأيت له بين تلك القلوب إذا اشتبهت أنة الموجـع
أدر يا نديمي كأس الحديث فكأسي بعدهُمُ مدمعـي
يا مقيّداً عن السير بقيود الشواغل أيطمع في لحاق الطير مقصوص القوادم? صوت في الأسحار بالسائرين لعل عطفاً ينعطف إليك في عطفة رحمة، فقد ترق الساعة لأهل الفاقة.
للمهيار:
ردوا لنا يومـاً ولـو سـاعةً على الغضا من عيشنا الزائلِ
لي ذلة السائلِ ما بـينـكـم فلا تفتكـم عـزة الـبـاذل
سل الليل عن الأحباب فعنده الخبر، خلا الفكر بالقلب في بيت التلاوة فجرت أوصاف الحبيب فنهض قلق الشوق يضرب بطون الرواحل لينهر السهر فلا وجه لنوم القوم.
للخفاجي:
أترى طيفكم لمـا سـرى أخذ النوم وأعطى السهرا
لا نلوم الليل بل نـعـذره إنما طوله من قـصـرا
يا عيوناً بالغضـا راقـدة حرم الله عليكن الكـرى
لو عدلتن تساهمنا جـوى مثل ما كنا اشتركنا نظرا
حبذا فيك حديث بـاطـن فطن الدمع به فانتشـرا
من لم يكن له مثل تقواهم لم يعلم ما الذي أبكاهم. من لم يشاهد جمال يوسف لم يعلم ما الذي ألم قلب يعقوب.

من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكـبـاد
لو دمت على سلوك البادية طابت لك ريح الشيح.

تقر لعيني أن أرى رملة الحمـى إذا ما بدت يوماً لعيني قلالـهـا
ولست وإن أحببت من يسكن الغضا بأول راجٍ حـاجة لا ينـالـهـا

الفصل الثاني والسبعون
يا من كانت له معنا معاملة، وطالت بيننا وبينه المواصلة ثم اختار الهجر والفاصلة إن، لم يكن جميل فلتكن مجاملة، تفكر تعرف قدر ما فاتك وابك لذنب حرمك الفوز وأفاتك، اسكب دموع أسفك فرب دم بالأسى سفك واندب أطلال مألفك لعلك تغاث في موقفك.
للمهيار:
تظـنُّ لـيالـينـا عـــوَّدا على العهد من برقتي ثهمـدا
ويا صاحبي أين وجه الصباح? وأين غدٌ? صِف لعيني غـدا
وخلف الضلوع زفـيرٌ أبـى وقد برد الـلـيل أن يبـردا
خليليّ، لي حاجةٌ مـا أخـفَّ لرامة لو حملتْ مُـسـعِـدا
أريد لأكـتـم وابــن الأراك يفضحهـا كـلـمـا غـردا
أحب وإن أخصب الحاضرون ببادية الـرمـل أن أخـلُـدا
أرى كبدي قُسِّمتْ شعبـتـين مع الشوق غور أو أنـجـدا
تمناك عيني وقـلـبـي يراك بشوقي حاشاك أن تُـفـقـدا
للهم نور دنيانا بنور من توفيقك، واقطع أيامنا في الاتصال بك وانظم شتاتنا في سلك طاعتك، فأنت أعلم بتلفيق المقترف، اللهم قوِّ منن أطفال التوبة بلبان الصبر، ارفق بمرضى الهوى في مارستان البلاء، افتح مسام الأفهام لقبول ما ينفع، سلم سيارة الأفكار من قاطع طريق، احرس طلائع المجاهدة من خديعة كمين، احفظ شجعان العزائم من شر هزيمة، وقّع على قصص الإنابة بقلم العفو، لا تسلط جاهل الطبع على عالم القلب، لا تبدل نعيم عيش الروح بجحيم حر النفس، لا تمت حي العلم في حي الجهل أخرجنا إلى نور اليقين من هذا الظلام، لا تجعلنا ممن رأى الصبح فنام، لا تؤاخذنا بقدر ذنوبنا، فإنك قلت: "ولا تنسوُا الفضل بينكم" واعجباً لمن عرفك ثم أحب غيرك ولمن سمع مناديك ثم تأخر عنك.

حرام عــلـى العـيش مــا دمـت غـــضــــبـانــا وما لـم يعـد عـــني رضاك كــمـا كـانا
فأحـسـن فـــإنـــي قــــد أسـأت ولم تــزل تعــودنـي عــنـد الإسـاءة غفــرانـا

إلهي، لا تعذب نفساً قد عذبها الخوف منك، ولا تخرس لساناً كل ما يروي عنك، ولا تقذ بصراً طالما يبكي لك، ولا تخيب رجاءاً هو منوط بك، إلهي، ضع في ضعفي قوة من منك، ودع في كفي كفى عن غيرك، ارحم عبرة تترقرق على ما فاتها منك، برد كبداً تحترق على بعدها عنك.
للشريف الرضي:
أشكو إليك مدامعا تَـكِـفُ بعد النوى وجوانحاً تَجِـفُ
ما كان أسرع ما نبا زمـنٌ وتكدرتْ من وُدّنا نُـطَـفُ
حبلٌ، غدا بأكفـنـا طَـرَفٌ منه وفي أيدي النوى طرفُ
لهفي على ذاك الزمان وهلْ يثني زماناً ماضياً لَـهَـفُ
واأسفي لمنقطع دون الركب متأخر عن لحاق الصحب يعد الساعات في متى ولعل ويخلو يفكر في عسى وهل.
لقيس المجنون:
أعد اللـيالـي لـيلة بـعـد لـيلة وقد عشت دهراً لا أعد الـلـيالـيا
وأخرج من بين البيوت لعـلـنـي أحدث عنك النفس باللـيل خـالـيا
يميناً إذا كانت يمـينـا وإن تـكـن شمالاً ينازعني الهوى عن شمالـيا
ألا يا حمامي بطن نعمان هجتـمـا على الهوى لما تغـنـيتـمـا لـيا
وأبكيتماني وسط صحبي ولـم أكـن أبالي بدمع العين لو كنت خـالـيا
ذكت نار شوقي في فؤادي فأصبحت لها وهج مستضـرم فـي فـؤاديا
خليلي ما أرجو من العيش بعـدمـا أرى حاجتي تشرى ولا تشتري لـيا
وقد يجمع الله الشتيتـين بـعـدمـا يظنان كـل الـظـن أن تـلاقـيا
أيها المتخلف في أعقاب الواصلين استغث بهم، علّق على قطارهم فلعل جملك يصل.

يا صاح والصاحب لا يدعى به

خذ بيدي من سطوة البين فما أظن أن البين أبقى لـي يدا
أين ليالينا القصار بالحمـى واكبداً على الحمى واكبـدا
يا من قد مضت له ليالي مناجاة ثم طبق الدستور، وقطع المعاملة، اندب زمان الوصل لعل حالاً حال يعود.
للمهيار:
يا ليلتـي بـحـاجـر إن عاد ماضٍ فارجعي
بتنا علـى الأحـقـاف تنهال بكل مضـجـع
قالوا الصباح فانتـبـه فقال لي الطيف اسمع
فقمت مخلوطـاً أظـن البازل ابـن الـربـع
حيران طـرفـي دائرٌ أطلب ما ليس معـي
أرضى بأخبار الـرياح والبـروق الـلُّـمَّـعِ
وأين من برق الحمـى شائمة بـلـعـلــع
أفرشني الجمرَ وقـال: إن أردت فـاهـجـع
ذكر الوصال في زمان الهجر تلف، خصوصاً إذا لم يكن للحبيب خلف. قال ابن مسروق: كنت أمشي مع الجنيد في بعض دروب بغداد، فسمع منشداً يقول:
منازل كنت تهواها وتألفهـا أيام أنت على الأيام منصور
فبكى الجنيد بكاءاً شديداً وقال ما أطيب منازلة الإلفة والأنس، وأوحش مقامات المخالفة لا أزال أحن إلى أول بدء إرادتي وجدة سعيي.
للمهيار:
يا ليلـتـي بـذات الـشـيح والـضـال ومنبت البان من نعـمـان عـودا لـي
ويا مـرابـع أطـلالـي بـذي سـلـم لهفي على ما مضى من عصرك الخالي
ويا مـآرب نـفـسـي والـذين هــم بالوصل والهجر أعـلالـي وأبـلالـي
قد كان قلبي بكم مأوى السـرور فـمـذ نا يتـم صـار مـأوى كـل بـلـبـال
فلو شربت بعمـري سـاعة سـلـفـت من عيشتي معكم ما كان بـالـغـالـي
مالي أعلل نفسي بـالـوقـوف عـلـى منازل أقـفـرت مـنـكـم وأطـلال
من لي بكتمـان مـا ألـقـاه مـن ألـم وظاهري معرب عن باطـن الـحـال
قالوا تشاغل عنـا واصـطـفـى بـدلاً منا وذلك فعـل الـخـائن الـسـالـي
وكيف أشغل قلبي عـن مـحـبـتـكـم بغـير ذكـركـم يا كـل أشـغـالـي
الفصل الثالث والسبعون
واشوقاه إلى أرباب الإخلاص واتوقاه إلى رؤية تلك الأشخاص، إني لأحضر ذكركم فأغيب وإن وقتي بتذكركم ليطيب.
للشريف الرضي:
إذا هزنا الشوق اضطربنـا لـهـزِّهِ على شُعَبِ الرحل اضطراب الأراقم
فمن صبوات تـسـتـقـيم بـمـائل ومـن أريحـياتٍ تـهـب بـنـائم
وأستشرف الأعلام حـتـى يدلـنـي على طيبها مر الرياح الـنـواسـم
ومـا أنـسـم الأرواح إلا لأنـهـا تهب على تلك الربى والمـعـالـمِ
الإخلاص مسك مصون في مسك القلب تنبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، المخلص يعد طاعته لاحتقاره لها عرضاً وقلم القبول قد أثبتها في الجوهر خالصاً، الإخلاص اليسير كثير ووجود عمل الرياء عدم قراضة الأماني لا تقف، وصحيح الشبه مردود، خليج صاف أنفع من بحر كدر، إذا لم تخلص فلا تتعب لا يكسر الجوز بالعهن، أتحدو وما لك بعير? أتمد القوس وما لها وتر? أتتجشأ من غير شبع? واعجباً من وحشي بلا جبل كم بذل نفسه مراء? لتمدحه الخلق. فذهبت والمدح ولو بذلها للحق لبقيت والذكر، عمل المرائي بصلة كلها قشور، المرائي يحشو جراب العمل رملاً فيثقله ولا ينفعه، ريح الرياء جيفة تتحاماها مسام القلوب، وما يخفى على المرائي على مسانح الفطن، لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تتشبه وقالت: لك نسج ولي نسج، فقالت دودة القز: ولكن نسجي أردية الملوك ونسجك شبكة للذباب وعند مس النسيجين يبين الفرق.
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكـا
شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة وشجرة الدبا تصعد في أسبوعين فتقول لشجرة الصنوبر إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قد قطعتها في أسبوعين، فيقال لي شجرة ولك شجرة فتجيبها: مهلاً إلى أن تهب ريح الخريف، قال الدب للآدمي: أنت تمشي على رجلين وأنا أيضاً، فقال الآدمي: ولكن صدمة تردك إلى أربع وكم أصدم وأنا منتصف.
كان الأشياخ في قديم الزمان أصحاب قدم والمريدون أصحاب ألم فذهب القدم والألم، كان المريد يسئل عن غصة والشيخ يعرف القصة فاليوم لا غصة ولا قصة، كان الزهد في بواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب، كان الزهد حرقة فصار اليوم خرقة، ويحك صوف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك، غير زيك أيها المرائي فهو يصيح خذوني، تحملن السيف وما تحسن القتال سيف ودرع لزمن هتكة، ولمقعد فضيحة، البهرج يتبين عند الحك إذا كان العلوي ثابت النسب لم يحتج إلى ضفيرتين ولا يصير المخنث تركياً بلبس القباء، ولا المرائي ولياً بلبس العباء، هذه من النكت الخفايا وفي الزوايا خبايا. واعجباً ما للدواعي إلى الدعاوي، الباطن ينطق لما علم الصالحون خطر البيات، أدلجوا بأحمال الأعمال في ليل الكتم، كان البكاء إذا غلب أيوب قال ما أشد الزكام.
هبيني أستر البلـوى أليس الدمع يفضحني
لساني فيك أملـكـه ودمع العين يملكني
صام داود بن أبي هند أربعين سنة لم يعلم به أحد، كان يأخذ غداه ويخرج إلى الدكان فيتصدق به في الطريق فيظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت ويظن أهله أنه قد أكل في السوق.
لجابر الجرمي:
ومستخبر عن سر ليلى رددته فأصبح في ليلى بغير يقـين
يقولون خبرنا فأنت أمينـهـا وما أنا إن أخبرتهم بـأمـين
كان ابن سيرين يتحدث بالنهار ويضحك، فإذا جاء الليل أخذ في البكاء والعويل.
نهاري نهار الناس حتى إذا بـدا لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم بالليل جامـع
كان خوفهم من الرياء يوجب مدافعة النهار، فإذا خلوا بالحبيب لم يصبر المشوق.
أحن بأطراف النهار صبـابة وبالليل يدعوني الهوى فأجيب
لو قدروا على استدامة الكتمان ما أذاعوا وكم يقدر المشتاق أن يكتم الوجدا، إذا جن الليل وظلامه، ثار سجن المحب وسقامه، ورمى الوجد فأصابت سهامه، واستطلق مزاد العين فأنهل سجامه، وطال بالحزين قعوده وقيامه.
كم بذكراك ولـوعـي يا جوى بين الضلـوع
هجع العـاذل لـكـن من لعيني بالهجـوع
هي في شغل عن النوم بمرفـض الـدمـوع
أتغني بك في الـحـي كورقـاء سـجـوع
لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل القوم أو شاهدت ساقة المستغفرين في أواخر الركب، أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الليل.
من رأى البرق بنجد إذ ترآى سلب النوم وأهدى البرحـاءا
فاض فيضاً كجفونـي مـاؤه والتظى وهناً كأنفاسي التظاءا
نام سمار الدجى عن ساهـر اتخذ الهم سميراً والبـكـاءا
أسعدته أدمع تـفـضـحـه فإذا ما أحسن الدمـع أسـاءا
إذا رأيتم حزيناً فارحموه، وإذا شاهدتم قلقاً فاعذروه. وإذا رأيتم باكياً فوافقوه.
الدمع يخـون كـل كـاتـم والحب يحـلـل الـعـزائم
القلـب بـحـبـكـم لـديغ ما أقلقنـي مـن الأراقـم
والوجد يغالب الـمـقـاوي والسالم فيه مـن يسـالـم
هذا ولعـين فـي هـواكـم سلمت لكم فمـا أخـاصـم
سالت بكم دمـوع عـينـي والدمع بمقلـتـي يزاحـم
أبكي أثر الحبـيب كـرهـا والحزن تهيجه المـعـالـم
يا مانع مقلـتـي كـراهـا مر اللـيل ولـسـت نـائم
قد صمت عن الهوى لأحظى في الحب لكم بأجر صـائم
هل يبـذل وردكـم لـظـام حيران على الورود حـائم
ناحت فزجرتـهـا حـمـام ما لي تزعجني الحـمـائم
يرقبن إلى ذرى غـضـون أنى تحـمـلـك الـقـوائم
تبكين وما شـجـاك شـوق شكواك إذا من العـظـائم
إن كنت صدقت فاسعدينـي لا نسمع لـومة الـلـوائم
طارت وبقيت في ضمانـي لا أبرح والزعـيم غـارم
الفصل الرابع والسبعون
أخواني: سار المتقون ورجعنا ووصلوا وانقطعنا، وأجابوا الداعي وامتنعنا، ونجوا من الإشراك ووقعنا، تعالوا ننظر في آثارهم وندرس دارس أخبارهم ونبكي على التفريط ما نابنا، ونندب ما لحقنا، وأصابنا.
للمصنف:
ودعوا يوم النوى واستقـلـوا ليت شعري بعدها أين حلـوا
يا نسيم الريح بـلـغ إلـيهـم أن عقدي معـهـم لا يحـل
لي من الريح الشمال انتهـال فإذا هبت سـحـيراً فـعـل
عرضوا قلبي لسقـم طـويل باطن يظهر مـنـه الأقـل
لو بكت عيني على قدر وجدي صار واديهم دمـاً لا يحـل
سافر القوم على رواحل الصدق، فقطعوا أرض الصبر حتى وقعوا برياض الأنس، فعقبت قلوبهم بنشر القرب وتعطرت بنسيم الوصل، فعادت سكرى من صرف سلاف الوجد وعربدت على عالم الجسم، فكلما ربا الحب ذاب.
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظري ضنا جسدي لكـنـنـي أتـكـتـم
حمائم أرواحهم مسجونة في أقفاص أشباحهم، تصوت لشجو شوقها وتقلق لضيق حبسها.
للمهيار:
بالغور دارٌ وبنجـد هـوى يا لهف من غار بمن أنجدا
يا حبذا الذكرى وإن أسهرتْ بعدك والدمع وإن أو مـدا
البكاء دأبهم والدمع شرابهم والجوع طعامهم والصمت كلامهم فلو رأيتهم وعذالهم وقد زادوا بالعذل أثقالهم.
سلمت مما عناني فاستـهـنـت بـه لا يعرف الشجو إلا كل ذي شجـن
شتان بين خلـي مـطـلـق وشـج في ربقة الحب كالمصفود في قرن
أمسيت تشهب باد من ضنى جسـدي بداخل من جوى في القلب مكتمـن
إن كان يوجب ضري رحمتي فرضي بسوء حالي وحل للضنـى بـدنـي
منحتك القلب لا أبغي بـه ثـمـنـا إلا رضاك ووافقري إلى الـثـمـن
أعندك من حديثهم خبر? ألك في طريقهم أثر? لخالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للمساهر وليل المحب بلا آخـر
ولم تدر بعد ذهاب الرقاد ما فعل الدمع بالناظـر
نازلهم الخوف فصاروا ولهين، وفاجأهم الفكر فعادوا متحيرين، وجن عليهم الليل فرآهم ساهرين، وهبت رياح الأسحار فمالوا مستغفرين، فإذا رجعوا وقت الفجر بالأجر نادى منادي الهجر يا خيبة النائمين.
ولما وقفنا والرسائل بينـنـا دموع نهاها الوجدان تتوقفا
ذكرنا الليالي بالعتيق وظلها الأنيق فقطعن القلوب تأسفا
جليت أوصاف الحبيب في حلية الكمال فقاموا على أقدام الشوق يسبحون في فلوات الوجد فلو رأيتموهم لقلتم مجانين، هيهات من لا يعرف مناسك الحج، نسب المحرمين إلى الخبل، الناس يضحكون وهم يبكون، ويفرحون وهم يحزنون، وينامون وهم يسهرون.
تركت ليلى أمد من نفسي واأسفي للفراق واأسفي
لما تمكنت المعرفة من قلوبهم أثرت شدة الخوف، فارتفع ضجيج الوجد.
رأى الصديق طائراً فقال: طوبى لك يا طائر، تقع على الشجر. وتأكل من الثمر ولا حساب عليك، ليتني كنت مثلك، وقال عمر: ليتني كنت تبنة، ليت أمي لم تلدني. وقال ابن مسعود: وددت أني إذا مت لا أبعث. وقال عمران ابن حصين: ليتني كنت رماداً. وقال أبو الدرداء: ليتني كنت شجرة تعضد، وقالت عائشة: ليتني كنت نسياً منسيا.
ودخلوا على عطاء السلمي وحوله بلل، فظنوه قد توضأ فقالت عجوز في داره: هذه دموعه.
لصردر:
كلُّ سحابٍ أمطرتْ أرضكم حاملةٌ للماء من أدمـعـي
وكل ريحٍ زعزعت تُربكـم فإنها الزفرة من أضلعـي
أتاهم من الله وعيد وقذهم، فباتوا على حرق، وأكلوا على تنغيص فنومهم نوم الغرقى، وأكلهم أكل المرضى، عجزت أبدانهم عما حملت قلوبهم "فمنهم من قضى نحبه ومن من ينتظر".
قال فرقد: دخلت بيت المقدس خمسمائة عذراء لباسهن الصوف والمسوح، فتذاكرن ثواب الله وعقابه فمتن جميعاً في مقام واحد.
قال أبو طارق شهدت ثلاثين رجلاً دخلوا مجالس الذكر يمشون بأرجلهم صحاحاً إلى المجلس، وأجوافهم والله قرحة، فلما سمعوا الذكر انصدعت قلوبهم.
قصوا على حديث من قتل الهوى إن التآسي روح كـل حـزين
قال عبد الواحد بن زيد لو رأيت الحسن، لقلت قد بث عليه حزن الخلائق، ولو رأيت يزيد الرقاشي لقلت مثكل، أقبل ولد يزيد يوماً يعاتبه على كثرة بكائه، فجعل يصرخ ويبكي حتى غشي عليه. فقالت أمه يا بني ما أردت بهذا? فقال: إنما أردت أن أهون عليه.
صحة الشوق أحدثت علة الصبر وبعد المزار زاد الـسـهـادا
كم عذول عليكم رام إصلاحـي فكان الصلاح منـه فـسـادا
كلما زاد عـذلـه زاد وجـدي فكلانا في أمره قـد تـمـادى
من لقلب أصليتموه لظى الجمر وجنب أفرشتمـوه الـقـتـادا
المحب إن تذكر الربع حن وإن تفكر في البعد أن، وإن جن عليه الليل أظهر ما أجن، قطع رضاع الوصال فلم يتهن.
للمصنف:
يا بريق الحي حرمت المنـامـا فانقضى الليل سهاداً وقـيامـا
أترى ما قد أرى يا صاحـبـي كيف والشوق بروحي يترامـى
يا سقى الله حـمـاهـم مـزنة حلبت أشطرها أيدي النعامـى
يا نسـيم الـريح بـلـغ وأعـد أن نفسي مع أنفاس الخزامـى
آه لـو عـاد زمـانـي بـهـم عند جرعاء الحمى عوداً لماما
يا ليالينا بذي الأثـل ارجـعـي أسفاً لو أنه يشفـي الـنـدامـا
يا صاحبي بلغـوا إن جـزتـم بنقي الرمل عن الجسم السلاما
إن قلبي يوم طفنـا بـالـلـوى ورحلنا عنه بالـوجـد أقـامـا
يا غرامي إن شدت ورق وهـل علم الورق سوى وجدي الغراما
قلقي في حرقـي مـن أرقـي يرتقي بل ينتقي مني العظامـا
طربي في كربي من حـربـي رجع الماء بواديهـم حـرامـا
لو جرت عيني على قدر الأسى رجع الماء بواديهـم حـرامـا
الفصل الخامس والسبعون
أخواني: الخلوة مهر بكر الفكر وسلم معراج الهمة، حريم العزلة مصون من عيب غيث عبث، إذا خلت دار الخلوة عن الصور تفرغ القلب لملاحظة المعاني.
أوحشتني خلـواتـي بك من كـل أنـيس
وتفردت فعـاينـتـك بالغيب جـلـيسـي
ودعاني الوجد والحب إلى المعنى النفـيس
فبدا لي أن مهر الحب أنفاس الـنـفـوس
فكتبت العهد للحـب على طرس الرسيس
يا هذا، إذا رُزقت يقظة فصنها في بيت عزلة، فإن أيدي المعاشرة نهابة، احذر معاشرة الجهال فإن الطبع لص، لا تصادقن فاسقاً، فإن من خان أول منعم عليه لا يفي لك، يا أفراخ التوبة لازموا أوكار الخلوة فإن هر الهوى صيود، إياك والتقرب من طرف الوكر والخروج من بيت العزلة حتى يتكامل نبات الخوافي وإلا كنت رزق الصائد، الأنس بالأنس ربق، المخالطة توجب التخليط وأيسر تأثيرها تشتيت الهم.
أقل ما في سقوط الذئب في غنـم إن لم يصب بعضها أن ينفز الغنم
قطع العلائق أصل الأصول، فرغ لي بيتاً أسكنه، إن الطائر إذا كان زاقاً لم يرسل في كتاب، تأملوا إلى الفرس إذا قدم إلى الماء الصافي كيف يضرب بيديه فيه حتى يتكدر، أتدرون لم? لأنه يرى صورة نفسه في الماء الصافي وصورة غيره فيكدره حتى لا تتبين فيه الصور فيتهنى بالشرب، لا يظهر في خلوة المتيقظ إلا الحق، كان أويس يهرب من الناس فيقولون مجنون، وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حلية حلته فقوي توق عمر وكان في كل عام يسأل عنه أهل اليمن.
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا علينا فدق أمسى هوانا يمانـيا
نسائلكم هل سال نعمان بعدنـا وحب إلينا بطن نعمـان واديا
لما كانت آخر حجة حجها عمر قام على أبي قيس فنادى بأعلى صوته أفيكم أويس? للشريف الرضي:
وإني للشوق مـن بـعـدهـم أراعي الجنوب رواحاً ومغدى
وأفرح من نحو أوطـانـهـم بغيث يُجلجل بـرقـاً ورعـدا
إذا طلع الركب يمـمـتـهـم أحيي الوجوه كهـولاً ومُـرْدا
وأسألهم عن عقيق الـحـمـى وعن أرض نجدٍ ومن حل نجدا
نشدتكم الـلـه فـلـيُخـبـرنَّ من كان أقرب بالرمل عهـدا

هل الدار بالجـزع مـأهـولةٌ أنار الربيع علـيهـا وأسـدى
وهل جلب الغـيث أخـلاقـه على محضرٍ من زرود ومبدا?
كان أويس يأتي المزابل إذا جاع فأتاها يوماً فنبح عليه كلب فقال يا كلب لا تؤذ من لا يؤذيك، كل مما يليك، وآكل مما يليني فإن دخلت الجنة فأنا خير منك، وإن دخلت النار فأنت خير مني.
ذل الفتى في الحب مكرمة وخضوعه لحبيبه شـرف
كان الصبيان يرمونه بالحجارة، والعقلاء عند نفوسهم يقولون مجنون والمحبة تنهاه أن يفسر ما استعجم.
أبثهم وجدي وهم بـي أعـلـم وأرجو شفائي منهم وهم هـم
وكم كدت من شوق أبين من هم ويمنعني من ذاك خوفي منهم
وكم عذلوني فيهم غـير مـرة فقلت لهم والله بالصدق أعلـم
إذا كان قلبي موثقاً في حبالكـم وجسمي لديكم كيف أفهم عنكم
فإن شئتم أن تعدلوا فتوصـلـوا إلى أن يعود القلب ثم تكلمـوا
صاحب أهل الدين وصافهم، واستفد من أخلاقهم وأوصافهم، واسكن معهم بالتأدب في دارهم وإن عاتبوك فاصبر ودارهم، إن لم يكن لك مكنة البذر ولم تطق مراعاة الزرع فقف في رفقة "وإذا حضر القسمة أولوا القُربى" أنت في وقت الغنائم نائم، وقلبك في شهوات البهائم هائم، إن صدقت في طلابهم فانهض وبادر، ولا تستصعب طريقهم. فالمعين قادر. تعرض لمن أعطاهم وسل فمولاك مولاهم، رب كنز وقع به فقير، ورب فضل فاز به صغير، علم الخضر ما خفي على موسى، وكشف لسليمان ما غطي عن داود.
يا هذا، لا تحتقر نفسك فالتائب حبيب، والمنكسر مستقيم، إقرارك بالإفلاس غنى، اعترافك بالخطأ إصابة، تنكيس رأسك بالندم رفعة، عرضت سلعة العبودية في سوق البيع فبذلت الملائكة نقد "ونحن نُسبِّح" فقيل ما تؤثر سكة دراهمكم، فإن عجب الضارب بسرعة الضرب أوجب طمساً في النقش فقال آدم: ما عندي إلا فلوس إفلاس، نقشها "ربنا ظلمنا أنفسنا" فقيل هذا الذي ينفق على خزانة الخاص، أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين.
واستعذبوا ماء الجفون فعذبوا الأسرار حتى درت الآماق
يا معاشر المذنبين إن كان يأجوج الطبع، ومأجوج الهوى، قد عاثوا في أرض قلوبكم "فأعينوني بقوةٍ أجعلْ بينكم وبينهم ردما" اجمعوا لي عزائم قوية تشابه زبر الحديد، وتفكروا في خطاياكم لتثور صعداء الأسف فلا أحتاج أن أقول "انفخوا" شيدوا بنيان العزائم بهجر المألوف، ليستحجر البناء فنستغني أن نفرغ عليه قطرا، هكذا بناء الأولياء قبلكم، فجاء الأعداء "فما استطاعوا أن يظهروه".
ليس عزماً ما مرض المرء فيه ليس هماً ما عاق عنه الظلام
الجد جد فما تحتمل الطريق الفتور، ضاقت أيام الموسم، فجعجعوا بالإبل كذا أسيد الضبي إذا عوتب في كثرة بكائه يقول: كيف لا أبكي وأنا أموت غداً? والله لا أبكين فإن أدركت بالبكاء خيرا، فمن الله علي وإن كانت الأخرى فما بكائي في جنب ما ألقاه? كانت عابدة لا تنام من الليل إلا يسيراً فعوتبت في ذلك فقالت: كفى بطول الرقدة في القبور رقادا.
أيها العذال لا تعـذلـوا إنما العذل لمن يقـبـل
وأرى ليلي لا ينقـضـي طال ليلي والهوى أطول
تزوج رباح القيسي امرأة فرأته نائماً طول الليل فقالت: ليت شعري من غرني بك يا رباح?
يا عقيق الحمى حمى الله مغناك وروى ثراك من مزن دمـع
من لصب يشوقه لامح البـرق فيرتاح قـلـبـه لـلـجـزع
يا خليلي ما أنت لي بـخـلـيل ورفيق إن لم تقف بالـربـع
هذه طريقهم فأين السالك? هذه صفاتهم فأين الطالب?
هذي المنازل والعقـيق فأين سلمى والـخـيام
لم يبق مذ صاحوا النوى لميتم فـيهـا مـقـام
الفصل السادس والسبعون
أيها المقصر عن طلب المزاد، كيف تدرك المعالي بغير اجتهاد? أين أهل السهر من أهل الرقاد? أين الراغبون في الهوى من الزهاد? رحل المتيقظون مستظهرين بكثرة الزاد كل جواد لهم يعرف الجواد فساروا فزاروا والكسلان عاد.
للشريف الرضي:
يا قلبِ ما أنت من نجدٍ وساكنِـهِ خلَّفتَ نجداً وراء المدلج الساري
أهفو إلى الركب تعلو لي ركائبـهـم من الحمى في أُسَيحاق وإطـمـار
تفوحُ أرواحُ نجـدٍ مـن ثـيابـهـم عند القدوم لقرب العـهـد بـالـدار
يا راكبان قفا لي فاقـضـيا وطـري وحدثاني عـن نـجـد بـأخـبـار
هل رُوِّضَتْ قاعة الوعساء أم مطرت خميلةُ الطاح ذات البان والـغـاري
أم هل أبيتُ ودارٌ عـنـد كـاظـمةٍ داري وسمّار ذاك الحي سـمـاري
فلم يزالا إلى أن نَمَّ بـي نـفَـسـي وحدّثَ الركبَ عني مدمعي الجـار
لما صفت خلوات الدجى، نودي آذن الوصول أقم فلاناً وأنم فلاناً خرجت بالأسماء الجرائد، وفاز الأحباب بالفوائد، قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لامرأتي رابعة وقد قامت من أول الليل قد رأينا أبا سليمان وتعبدنا معه، ما رأينا من يقوم من أول الليل. فقالت: سبحان الله مثلك يقول هذا? أما أقوم إذا نوديت . للمتنبي:
تقولين ما في الناس مثلـك وامـق جدي مثل من أحببته تجدي مثلـي
ذريني أنل ما لا ينال من العـلـى فصعب العلى في الصعب والسهل
تريدين إدراك المعالـي رخـيصة ولا بد دون الشهد من غبر النحـل
لما دارت كؤوس النوم على أفواه العيون، فسكرت بالشراب الألباب فطرحت الأجساد على فراش "يَتَوَقَّى" صاحت فصاحة الحب بالمحب: كل مسكر حرام، فلما نفخ في صور الإيقاظ في أبان "وَيُرْسِلُ الأُخرى" قام أموات النوم وقد رحل سفر الوصال. فلم يروا إلا آثار القرب في مناخ الأحباب وأثا في "تتجافى" ستر القوم قيامهم بالليل فستر جزاءهم أن يطلع عليه الغير "فلا تعلمُ نفسٌ" فلو عانيتهم وقد دارت كؤوس المناجاة بين مزاهر التلاوة فأسكرت قلب الواجد، ورقمت في صحائف الوجبات تعرفهم " بسيماهم ".
وتمشت في مفاصلهـم كتمشي البرء في السقم
اشتهر بقيام الليل كله، وصلاة الفجر بوضوء العشاء، سعيد بن المسيب وصفوان سليم ومحمد بن المنكدر المدنيون وفضيل ووهب المكيان طاوس ووهب اليمانيان والربيع بن خيثم والحكم الكوفيان وأبو سليمان الداراني وأبو جابر الفارسيان وسليمان التيمي ومالك بن دينار ويزيد الرقاشي وحبيب العجمي ويحيى البكائي وكهمس ورابعة البصريون.
قالت أم عمرو بن المنكدر: يا بني أشتهي أراك نائماً: فقال يا أماه إن الليل ليرد علي فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه مأربي. وصحب رجل رجلاً شهرين فما رآه نائماً فقال مالك: لا تنام? فقال: إن عجائب القرآن أطرن نومي ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى.
لا تلحه إن كنت من سجـرائه عذل المحب يزيد في إغرائه
ودع الهوى يقضي عليه بحكمه ما شاء فهو مسلم لقـضـائه
فشقاؤه فيمـا يراه نـعـيمـه ونعيمه في ذاك عين شقـائه
كحلت مآقيه بطول سـهـاده وحنت أضالعه على برحـائه
دنف ببابل جسـمـه وفـؤاده بالخيف واعجباً لطول بقـائه
قال سفيان إن لله ريحاً تسمى الصبحية، مخزونة تحت العرش تهب عند الأسحار فتحمل الأنين والاستغفار.
للمهيار:
يا نسيم الريح من كـاظـمةٍ شد ما هِجت الأسا والبُرحا
الصبا إن كان لابد الصّـبـا إنها كانت لقلبـي أروحـا
أذكرونا ذكرنا عـهـدكُـمُ ربَّ ذكرى قرَّبَت من نزحا
وارحموا صبّاً إذا غنّى بكـم شربَ الدَّمع وعافَ القدَحا
يا طويل النوم فاتتك مدحة "تتجافى" وحرمت منحة "والمستغفرين" ولست من أهل عتاب فإذا جنة الليل نام عني، ليس في ليل الهجر منام ومتى رأيت محباً ينام? للمتنبي:
فإن نهـاري لـيلةٌ مـدلـهـمَّةٌ على مقلة من فقدكم في غياهب
بعيدةِ ما بين الجفون كـأنـمـا عقدتم أهالي كلِّ هدبٍ بحاجـب
ثورت في الليل الحداة وعكمت أحمال الأعمال وسارت رفقة المتهجدين وترنم كل ذي صوت بشجو، وأنت في الرقدة الأولى بعد.
لم يخل مرجان دمع من عقيق دم شوق بلا عبرة ساق بـلا قـدم
يا هذا، كيف تطبق السهر مع الشبع? كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل:
دع الهوى لأناسٍ يعـرفـون بـه قد مارسوا الحب حتى لان أصعبه
بلوت نفسك فيما لست تـخـبـره والشيء صعبٌ على من لا يجربه
فاقن اصطباراً وإن لم تستطع جلداً فرب مدرك أمر عز مطـلـبـه
أحنو الضلوع على قلب يحيرنـي في كل يوم ويعييني تـقـلـبـه
تناوح الريح من نـجـد يهـيجـه ولا مع البرق من نعمان يطربـه
الفصل السابع والسبعون
إذا هبت رياح المواعظ أثارت من قلوب المتيقظين غيم الغم على ما سلف، وساقته إلى بلد الطبع المنحرف برعد الوعيد وبرق الخشية، فتترقى دموع الأحزان من بحر قعر القلب إلى أوج الرأس فتسيل في ميازيب الشئون على سطوح الوجنات فإذا أعشب السر اهتز فرحاً بالإنابة.
محت بعدكم تلك العيونُ دموعَهـا فهل من عيون بعدها نستعيرهـا
رحلنا وفي سر الفـؤاد ضـمـائرٌ إذا هب نجدي الصبا يستثـيرهـا
أتنسى رياض الغَورِ بعد فراقـهـا وقد أخذ الميثاق منك غـديرَهـا
يجعده مـر الـشـمـال وتـارة يغازله كر الصبـا ومـرورهـا
الأهل إلى شم الخزامى وعرعـر وشيح بوادي الأثل أرض نسيرها
ألا أيها الركب العراقي بـلّـغـوا رسالة محزونٍ خواه سطـورهـا
إذا كتبت أنفاسه بعـض وجـدهـا على صفحة الذكرى محاه زفيرها
ترفق رفيقي هل بدت نار أرضهم أم الوجد يذكي نـاره ويثـيرهـا
أعد ذكرهم فهو الشفـاء وربـمـا شفى النفس أمر ثم عاد يضيرهـا
ألا أين أزمان الوصال التي خلـت خلا ما حلا منها وجاء مريرهـا
سقى الله أيّاماً مـضـت ولـيالـياً تضوع رياها وفاح عـبـيرهـا
من تفكّر في تفريطه أنَّ، ومن تذكر أيام وصله حنّ، من سمع صوت الحمام ظنه لحسن الصوت، كلا بل لذكر ما مر من العيش، إذا نظر الأسير إلى نفسه في ضيق القد ولم يقدر على ضك القيد قطع حزنه حيازيم القلب فنفسه بالأسف في آخر نفس.
تهيم إذا ريح الصبا نسمـت لـهـا وتبكي إذا الورقاء في الغصن غنت
إذا جذب الصبح اللثـام تـأوهـت وإن نشر الليل الجـنـاح أرنـت
كان داود يؤتى بالإناء ناقصاً فلا يشربه حتى يتمه بالدموع.
يا ساقي القوم إن دارت علي فلا تمزج فإني بدمعي مازج كأسي
كان في خد عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء وكان في وجه ابن عباس كالشراكين الباليين من الدمع.
للمهيار:
ألا من لعين من بكاها على الحمى تجف ضروع المزن وهي حلوب
بكت وغدير الحي طام وأصبحت عليه العطاش الحائمات تـلـوب
وما كنت أدري أن عينـاً ركـية ولا أن ماء المـاقـيين شـروب
كان الحسن يبكي حتى يرحم، وكان الفضيل بن عياض يبكي في النوم حتى ينتبه أهل الدار ببكائه. وكان عطاء يبكي في غرفة له حتى تجري دموعه في الميزاب، فقطرت يوماً إلى الطريق على بعض المارين فصاح يا أهل الدار: أماؤكم طاهر? فصاح عطاء: اغسله فإنه دمع من عصا الله.
وممن لبه مع غيره كيف حاله ومن سره في جفنه كيف يكتم
وقالوا لعطاء السلمي: ما تشتهي? فقال: أشتهي أن أبكي حتى لا أقد أن أبكي.
وإن شفائي عبـرة مـهـراقة فهل عند رسم دارس من معول
كان أشعث الحداني وحبيب العجمي يتزاوران فيبكيان طول النهار وكان حزام وسهيل وعبد الواحد كل واحد في بيت يتجاوبون بالبكاء.
للخفاجي:
ركب هوى تجاذبوا حديثه فاترعوا من الغرام أكؤسا
واسبلوا من الجفون أدمعاً ظننتها ماءً وكانت أنفسـا
لقد سمعت في الرحال أنَّةً أظنها نشطة وجد حبسـا
البكاء موكل بعيون الخائفين كلما همت بفتح طرف لتنظر إلى طرف من طرف الدنيا طرفته دمعة، قال عليه السلام: "عينان لا تمسّهما النار، عين بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله". قال الحسن: لو بكي عبد من خشية الله لرحم من حوله ولو كانوا عشرين ألفاً. وقيل لثابت البناني عالج عينيك ولا تبك. فقال: أي خير في عين لا تبكي.
لصردر:
إذا لم أفز منكم بوعـدٍ ونـظـرةٍ إليكم فما نفعي بسمعي وناظري
متى غنت الورقاءُ كانت مدامتـي دموعي وزفراتي حنين مزاهري
البكاء لأجل الذنوب مقام المريد، والبكاء على المحبوب مقام العارف.
روحي إليك بكلها قد أجمعت لو كان فيك هلاكها ما أقلعت
تبكي عليك بكلها عن كلـهـا حتى يقال من البكاء تقطعت
فانظر إليها نظرة بتعـطـفٍ فلطالما متعتها فتمـتـعـت
إخواني: حر الخوف صيف الذوبان وبرودة الرجاء شتاء الغفلة. ومن لطف به كان زمانه كله فصلا:
عين تسر إذا رأتك وأختهـا تبكي لطول تباعدٍ وفـراق
فاحفظ لواحدة دوام سرورها وعِد التي أبكيتها بـتـلاق
سبحان من روح أرواح الخائفين بريح الرجاء الضعيف، إذا لم يتلاف تلف لا بد للمكروب من نسيم بارد:
بالله يا ريح الـشـمـال إذا عزمت على الهبوب
فتحملي شكوى المحـب المستهام إلى الحبـيب
قرب الضنى من مهجتي لما بعدت عن الطبـيب
وقفت عتبة الغلام ليلة على ساحل البحر إلى الصباح يقول: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب. يا قومنا المحب مع بذل روحه يرتاح إلى المنى وإلى لعل لأنه لا يرى ما بذل، يصلح ثمناً لما طلب:
بقلبي منهـم عـلـق ودمعي فيهم عـلـق
وبي من حبهم حـرق لها الأحشاء تحتـرق
وما تركوا سوى رمقي فليتهم لـه رمـقـوا
كان عبد الواحد يقول لعتبة: أرفق بنفسك فيبكي ويقول: إنما أبكي على تقصيري.
قالوا تصبر فما هذا الجنون بهـم فقلت يا قوم ليس القلب من قبلي
واعجباً، أو يقدر المحب على التصرف في قلبه? كلا دين المحب الجبر. لأبي الشيص الخزاعي:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متـأخـر عـنـه ولا مـتـقـدم
أجد المـلامة فـي هـواك لـذيذة حباً لذكرك فليلـمـنـي الـلـوم
دخلوا على رابعة فقالت: لقد طالت عليَّ الأيام بالشوق إلى لقاء الله تعالى: ودخلوا عليها مرة أخرى فقالوا: أتشتاقين إليه? فقالت: هو حاضر معي. قالوا: يا رابعة هذا ضد الأول، أجابت بلسان الحال: هكذا تحير المحب.
ومن عجب أني أحـن إلـيهـم وأسأل عنهم من أرى وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادهـا ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
إذا بدت رابعة في القيمة مختمرة وقعت لهيبة خمارها طيالسة العلماء، كان سفيان يتأدب لرابعة كان هو صاحب مخزن العلم فتردد إلى القهرمانة لأن لها دخولاً أكثر منه رحل الملاك وبقي المدعون، أترى أي طريق سلكوا? نحن ملكنا والقوم ملكوا.
للشريف الرضي، وللمهيار:
يا صاحبَيْ رَحْلي قِفـا فسائلا لي الـدِّمَـنـا
وامطرا دمعـكـمـا ذاك الكثيب الأيمـنـا
ما الدار عندي سكـن إذا عدمت السـكـنـا
كان فـؤادي وهــمُ فظعنوا فـظَـعِـنـا
مُنىً لعينـي أن تـرى تلك الثلاث من منـى
ويوم سلـع لـم يكـن يومي بسلـع هـينـا
ويوم ذي الـبـــان تبايعنا فحزتُ الغبنـا
كان الغرام المشتـرى وكان قلبي الثـمـنـا
وبـارق أشـيمـــه كالطرف أغضى ورنا
ذكـرنـي الأحـبـاب والذكرى تهيج الحزنا
من بطن مر والسـرى تؤام عسـفـان بـنـا
وبالعـراق وطـرى يا بعـد مـا لاح لـنـا
??الفصل الثامن والسبعون
المحب يتعلق بكل شيء ويهيم في كل واد، على القلق يمشي وعلى الحرق يمسي:
بقيت على الأطلال من بعدكم ملقى أهيم بكمُ غرباً وأطلبكـم شـرقـا
وأسأل أنفاس الـرياح إذا جـرت يمانية عنكم وأستنبـؤ الـبـرقـا
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء ويبدو إلى التلاع. مقاساة الخلق ظلمة، والحبيب لا يتجلى إلا في خلوة.
وأخرج من بين البيوت لعلـنـي أحدث عنك النفس في السر خاليا
المحب مقتول بلا سيف ملقى في منى المنى لا عند الخيف، إذا سمع صوت منشد قد غرد خلع لجام الصبر وتشرد.
ولما غـرد الـحـادي وسار القوم في الوادي
وراح القلب يتبعـهـم بلا مـــاء ولا زاد
رأيت قتيل بـينـهـم صريعاً ما لـه فـاد
أول علامات المحبة دموع العين وأوسطها قلق القلب ونهايتها احتراقه.
لقيس ذريح:
هل الحب إلا زفرة بعد زفـرة وحر على الأجساد ليس له برد
وفيض دموع تستهـل إذا بـدا لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو
قال ذو النون: لقيت امرأة متعبدة فوعظتني فبكيت فقالت: لم تبكي? قلت لها: أو العارف لا يبكي? قالت: إذا بكى استراح ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه.
لا وحبيك لا أصافـح بالدمـع مـدمـعـا
من بكى شجوه استراح وإن كان مـوجـعـا
كبـدي فـي هـواك أهون من أن تقطعـا
لم تدع سورة الضنـى فيَّ للسقم موضـعـا
المحبة نزالة وقوتها المهج. كانت أضلاع عمر بن عبد العزيز تعد، وكان جسد سرى كالشن. وقف أبو يزيد في المحراب فكبر فتقعقعت عظامه.
وإني لتعروني لذكراك روعة لها بين جلدي والعظام دبيب
فما هو إلا أن أراها فـجـأة فأبهت حتى لا أكاد أجـيب
إذا رأيت محباً ولم تدر لمن? فضع يدك على نبضه. وسم كل من تظنه المحبوب، فإن النبض لا ينزعج إلا عند ذكره "إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم".
للمهيار:
ألا فتى يسأل قلبي مـالـه ينزو إذا برق الحمى بداله
فهب يرجو خبراً من الحمى يسنده عنه فمـا روى لـه
أراد نجداً معه فانتقـضـت إرادة هاجت له بلـبـالـه
وانتسم الريح الصبا ومن له بنفحة من الصبا طوبى له
المحب في قلق لا سكون، والعجب أنه يتكلف الثبات.
الوجد يحركه والليل يقلـقـه والصبر يسكته والحب ينطقه
ويستر الحال عمن ليس يعذره وكيف يستره والدمع يسبقـه
المحب مبالغ في كتمان وجده، غير أن الدمع نمام.
آفة السر من جفـو ن دوام دوامـــع
كيف يخفى من الدمو ع الهوامى الهوامع
كان أكثر القوم، إذا جائه البكاء دافعه، اتقاء اللاحي له، فيغلبه فلا حيلة له.
للمتنبي:
حاشى الرقيب فخانته ضمـائره وغيَّض الدمع فأنهلت بـوادره
وكاتم الحب يوم البين مفتـضـح وصاحب الوجد لا تخفى سرائره
إذا أقلقه الحب ضج، وإذا أرقه الشوق عج، وكلما حبس دمعه ثج، وإذا استوحش من الخلق هج، فالهموم تنوبه من كل فج، حشيت قلوب القوم بالغموم، حشو الورد في قوارير الزور، وكلما التهبت نار الحذر جرت عيون الدمع في جداول العيون فرشت على الخدود ماء، ما ماء الورد عنده بطيب.
لأبي المعتز:
أسر القلب فأمسى لـديه فهو يشكوه ويشكو إلـيه
عذب الأحباب بالهجر حيناً فهم يبـكـون بـين يديه
واعجباً لضعف بدن العارف كم يحمل? وآسفا لقلب المحب كم يصبر.
نعم تحمل الأشواق والعيس ظلع ويمشي الهوى والناقلات قعود
ما أقوى جلد جلد القلب على نار الحب، كأنه قد ألبس ريش السمندل على أنه لا بد من لذع يبين أثره في صعود الصعداء دلالة تدل على الحريق، اشتط اللهيب فشاطت القلوب لولا أن القوم على شواطي بحر الدموع نزول.
للشريف الرضي:
خذي حديثك في نفس من النـفـس وَجْدُ المَشوق المُعَنَّى غير ملتبـس
الماء في ناظري والنار في كبـدي إن شئتِ فاغترفي أو شئت فاقتبسي
أشد ما على المحب من مقاساة الحب سماع اللوم، واعجباً من خلي يعذل ذا شجا ويحك خل شأنه وشانه.
فيا حبهم زدني جوى كل لـيلة ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
لما أسلم سعد بن أبي وقاص قالت له أمه: والله لا آكل ولا أشرب ولا يظللني سقف بيت حتى تكفر بمحمد. فقال: اسمعي يا أماه، والله لو كان لك مائة نفس فخرجت واحدة بعد واحدة لم أكفر بمحمد. ويحها ما خبرت خبر المحبة? متى وقع السلو في حب صادق? للمتنبي:
عذل العواذل حول قلبي التـائه وهوى الأحبة منه في سـودائه
القلب أعلـم يا عـذول بـدائه وأحق منك بجفنـه وبـمـائه
فومن أحب لأعصينك في الهوى قسماً به وبحسـنـه وبـهـائه
أأحبـه وأحـب فـيه مـلامة إن الملامة فيه مـن أعـدائه
لا تعذل المشتاق في أشـواقـه حتى تكون حشاك في أحشـائه







يحيى الحكمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2009, 10:46 PM   #16
يحيى الحكمي
لا شيءَ يفرِح
 
الصورة الرمزية يحيى الحكمي
 
رقم العضوية : 3
تاريخ التسجيل: Jan 2007
المشاركات: 8,856
افتراضي

واعجباً لعاذل في حب ما ذاقه، وآمر بهجر حبيب ما شاقه.
وماذا على مفرد بالعـراق تذكر بالرمل عهداً فحنـا
وإني لكـل شـج عـاذر إذا ناح من طرب أو تغنى
كانت أم الربيع بن خيثم إذا رأت قلقه بالليل. قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلاً فيقول يا أماه قتلت نفسي، قيل لعابد كان ينتحب: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بارتفاع صوتك. فقال: إن حزن القيامة أورثني دموعاً غزارا، فأنا أستريح إلى ذرفها أحيانا.
مهلاً عذول صليت نار جوانحـي وغرقت في تيار دمعي المسيل
هذي حشاي لديك فانظر هل ترى قلباً فإن صادفت قلباً فـاعـذل
غاية العاذلين إيصال اللوم إلى الأسماع، فأما القلوب فلا سبيل إليها.
سيان إن لاموا وإن عـذروا ما لي عن الأحباب مصطبر
لا غرو إن أغرى بحبـهـم إذ ليس لي في غيرهم وطر
لا بد لي منهم وإن تـركـوا قلبي بنار الهجر يستـعـر
وعلي أن أرضى بما صنعوا وأطيعهم في كل ما أمـروا
لو رأيت المحب يهرب من العذل إلى فلوات الخلوات، فإذا ناوله الوجد كأس الدموع اقترح عليه غناء الحمائم.
ذكر الأحباب والـوطـنـا والصبا والألف والسكـنـا
فبكى شـجـواً وحـق لـه مدنف بالشوق حلف ضنى
أبعدت مرمى به رجـمـت من خراسان به الـيمـنـا
من لمشـتـاق تـمـيلـه ذات سجع ميلت فـنـنـا
لم تعرض في الحنين بمـن مسعـد إلا وقـلـت أنـا
لك يا ورقـاء أسـوة مـن لم تذيقي طرفه الوسـنـا
بك أنسي مثل أنسـك بـي فتعالى نبد مـا كـمـنـا
نتشـاكـى مـا نـجـن إذا بحت شكوى صحت واحزنا
أنا لا أنت البـعـيد هـوى أنا لا أنت الغريب هـنـا
أنا فـرد يا حـمـام وهـا أنت والألف القرين ثـنـا
اسرحا رأد النهـار مـعـاً واسكنا جنح الدجى غصنـا
وابكيا يا جـارتـي لـمـا لعبت أيدي الفـراق بـنـا
أين قلبي ما صنـعـت بـه ما أرى صدري له وطنـا
كان يوم النفر وهو مـعـي فأبى أن يصحب الـبـدنـا
أبه حادي الـرفـاق حـدا أم له داعي الفراق عنـى
??الفصل التاسع والسبعون
يا هذا: قد سمعت أخبار المتقين فسر في سربهم، وقد عرفت جدهم فتناول من شربهم، ثم سل من أعانهم يعنك، فما كان بهم.
لابن هندو:
لا يؤيسنك من مجد تباعـدهُ فإن للمجد تدريجاً وترتيبـا
إن القناة التي شاهدت رفعتها تنمي وتنبت أنبوباً فأنبـوبـا
استغنى القوم بطبيبهم عن مدح خطيبهم فاسلك طريقهم تكن رفيقهم.
لابن الرومي:
وسائل عنهـم مـاذا يقـدمـهـم فقلت فضل به عن غيرهم بانـوا
صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا منهن في سبل العلياء ما صانـوا
المنعمون وما منوا عـلـى أحـد يوماً بنعمي ولو منوا لما مـانـوا
قوم يعزون إن كانت مـغـالـبة حتى إذا قدرت أيديهـم هـانـوا
أطار خوف النار نومهم وأطال ذكر العطش الأكبر صومهم يحسبهم الناظر مرضى الأبدان وإنما بهم سقام الأحزان.
مكتئب ذو كـبـد حـرى تبكي عليه مقلة عبـرى
يرفع يمنـاه إلـى ربـه يشكو وفوق الكبد اليسرى
يبقى إذا حدثته بـاهـتـاً ونفسه مما به سـكـرى
تحسبه مستمعاً نـاصـتـاً وقلبه فـي أمة أخـرى
إذا ذكروا العفو طاب العيش، وإذا تصوروا العذاب جاء الطيش.
أمد بإحدى مقلـتـي إذا بـدت إليها وبالأخرى أراعي رقيبها
وقد غفل الواشي ولم يدر أنني أخذت لعيني من حبيبي نصيبها
قال صالح المري: كان عطاء السلمي قد اجتهد حتى انقطع، فصنعت له شربة سويق فلم يشرب. فقال: إني والله كلما هممت بشربها ذكرت قوله تعالى "وطعاماً ذا غُصَّة" فلم أقدر، فقلت: أنا في واد وأنت في واد.
أطلت وعذبـتـنـي يا عـذول بليت فدعني حـديثـي يطـول
أبيت أراقب نـجـم الـدجـى إلى الصبح وجدي ودمعي يسيل
انبعثت غيوم الغموم من أودية القلوب، فاستتمت قبيل الصبح فهطلت، فلها مع الشئون شئون فجرت الأرواح في موتى العيدان، فقدحت فحرقت، فارتقت ورق الشوق منابر الشدو، فأطربت فصدحت بلابل المحبة بين منثور منثورها فبلبلت.
يا نفحات الريح مري سحراً فبلبلي طرة أرض بابـل
صفي لأهل بابل بلا بلـى وبلغيهم في الهوى رسائلي
كم من دم طاح بغير ثـائر وكم قتيل كلف بالقـاتـل
قلب المحب تحت فحمة الليل جمرة كلما هب النسيم التهبت.
يمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغصنا ويصدع قلبي أن يهب هبـوبـهـا
قريبة عهد بالـحـبـيب وإنـمـا هوى كل نفس حيث حل حبيبهـا
سهر القوم يقع ضرورة، لأن القلق مانع من النوم وليس لهم في تلك الشدائد راحة سوى جريان الدموع.
للسري:
بلاني الحب فيك بما بـلانـي فشأني أن تفيض غروب شاني
أبيت الليل مرتفقـاً أنـاجـي بصدق الوجد كاذبة الأمانـي
فتشهد لي على الأرق الثـريا ويعلم ما أجـن الـفـرقـدان
فيا ولع العواذل خـل عـنـي ويا كف الغرام خذي عنانـي
من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار، شيمة المحبة لا تخفى وصحائف الوجوه يقرؤها من لم يكتب، خذي حديثك في نفسي من النفس، قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس تعب، الطريق إلى المحبوب لا تطول.
بدا لها من بعد مـا بـدا لـهـا روض الحمى أن تشتكي كلالها
فخلها تمرح فـي زمـامـهـا فإنها قد سمّـت عـقـالـهـا
اذكرها مر النـسـيم سـحـراً مراتعاً تـفـيات ظـلالـهـا
رنحها الشوق الممض والسرى فسحبت من وجدها جلالـهـا
تحسبها سكرى وما ذاك بـهـا وإنما شوق الحمى أمـالـهـا
يا رب، قرب أرض كنعان من مصر فقد نفذ صبر يعقوب، كان أبو زيد يقول: إلهي إلى متى تحبس أعضاء محبيك تحت التراب? أحشرهم واجعلني جسراً ليعبروا إليك واويلاه أنا أشرب وأنا أطرب، يتركوني أسير وجدي أسير وحدي هلا سعت معي رجل رجل، أو أعانني ساعد مساعد، أين شرطة الرفقة? أو ما العزاء للكل.
لو عدلتن تساهمنا جـوى مثل ما كنا اشتركنا نظرا
يا حاضرين عندنا بنية التنزه لستم معنا، عودوا إلى أوكار الكسل فالحرب طعن وضرب، يا مودعين ارجعوا فقد عبرنا العذيب دعونا نخل بالوجد في صحراء نجد، ستأتيكم أخبارنا عن قريب بعد فيد، وأنت أيها الحادي عرض المازمين والخيف تعلمك الدموع كيف ترمي حصن الخذف.
الأغنياني بالـديار فـإنـنـي أحب زروداً ما أقام ثـراهـا
وبين النقي والأنعمين مـحـلة حبيب لقلبي قاعها وربـاهـا
ونعمان يا سقياً لنعمان ما جرت عليه النعامى بعدنا وصباهـا
وللقلب عند المازمين وجمعهـا ديون ومقضى خيفها ومناهـا
??الفصل الثمانون
يا مقيماً في دائرة دار الغير كم حضرت فيها محتضر، كم عاينت عينك قبراً يحتفر. لقد ألانت مواعظها كل صلد حجر، عجباً لفرخها ما عيد حتى نحر.
إن في نأي زمانـي عـظة تشغل العاقل عن نأي زنـام
ومدام الفكر فيمن قد مضـى مسكر يغنيك عن شرب مدام
عرس القوم وغربان الدجـى إنما صاحت بتقويض الخيام
وحمامات الضحى صـادحة نوحها ينذرها صرف الحمام
ومطايا الخيف قد زمت لكـم ودعوا يا قوم وامضوا بسلام
ودعوا عنكم أباطيل المـنـى ليست الدنيا لنا دار مـقـام
أقسم الساقي بكاسات الـردى ليدورن علـى كـل الأنـام
يا من إذا عامل خان وظلم، يا من أمر بما ينفعه فلم، هذا القتير في الرأس كالعلم، أبقي بعد نوره يا ظالم ظلم، ألم يقل لك ألم الضعف انتبه، ألم، أين رفيقك? ادلج وقد عرفت المنهج والرحيل قد أزعج وهذا فرس مسرج والبضاعة كلها بهرج.
ويحك تعاهد قلبك فإذا رأيته قد مال إلى الهوى، فاجعل في الجانب الآخر ذكر العقاب ليستقيم، فإن غلبك الهوى فاستغث بصاحب القلب، وإن تأخرت الإجابة فابعث رائد الانكسار خلفها "تجدني عند المنكسرة قلوبهم".
يا هذا، أما علمت أن اللطف مع الضعيف أكثر. لما كانت الدجاجة لا تحنو على الولد أخرج كاسياً، ولما كانت النملة ضعيفة البصر أعينت بقوة الشم فبها تجد ريح المطعوم من بعيد فتطلب، لما كان التمساح مختلف الأسنان صار كلما أكل حصل بين أسنانه ما يؤذيه فيخرج إلى شاطئ البحر فاتحاً فاه، طالباً للراحة فيأتي طائر فينقر ما بين أسنانه فيكون ذلك رزقاً للطائر وترويحاً عن التمساح، هذه الخلد دويبة عمياء قد ألهمت وقت الحاجة إلى القوت أن تفتح فاها فيسقط الذباب فيه فتناول منه، هذه الأطيار تترنم طول النهار، فيقال للضفدع ما لك لا تنطقين? فتقول: مع صوت الهزار يستبشع صوتي، فيقال: هذا الليل بحكمك "أنا عند المنكسرة قلوبهم" لما خلق الأخرس لا يقدر على الكلام سلب السمع لئلا يسمع ما يكره، ولا يمكنه الجواب فكل أخرس أطروش، لما تولع الجذام بأظفار أصحابه، صعب عليهم الحك فمنع منهم القمل فليس في ثياب المجذومين قملة، سبحان من هذا لطفه، سبحان من لا يعطف عنا عطفه، ثكلت خواطر أنست بغيرك عدمت قلباً يحب سواك:
لا أذاق الله عيناً أبصـرت غيركم ياقوت روحي وسنا
لا ولا كانت قلوب سكنـت عند ذكراكم ولا نالت منى
إلهي، ادلنا من نفوسنا التي هي أقرب أعدائنا منا وأعظمهم نكاية فينا، إلهي تلاعبت خوادع آمالنا ببضائع أعمارنا فصرنا مفاليس، أغارت علينا خيول الهوى فاستأسرتنا بأسرنا وأوثقتنا من أسرنا ورمتنا في مطامير طردنا، فيا مالك الملك أنقذ حبيسنا وخلص أسيرنا وسير أوبتنا من بلاد غربتنا، كم عدنا مريضاً? وما عدنا، كم رأينا الألحاد تبنى، وما تبنا، كم أبصرنا? وما أقصرنا وانتهينا وما انتهينا يا ملاذ العارفين يا معاذ الخائفين، خذ بيد من قد زلت قدم فطنته في مزلق فتنته أقم من قعد به سوء عمله:
كم كم أشكو وأين نفع الشكوى قد قل تصبري وحل البلـوى
ما لي جلد على جفاهم يقـوى أهوى قلقي إذا جفا من أهوى
يا من أصلح السحرة فجعلهم بررة، جاؤا يحاربون وخلع الصلح قد خبيت، وتيجان الرضى قد رصعت، وشراب الوصال يروق، فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى فإذا به قد استحال خلا، فأفطروا عليه.
واعجباً لسكارى من شراب الحب عربدت عليهم المحبة، فصلبوا في جذوع النخل ارتقى سلطان عزمهم إلى سماوات قلوبهم "فأوحى في كل سماء أمرها" واعجباً لعزم صلب ما هاله الصلب، لا تتعرض بنار المحبة إلا أن يكون لقلبك جلد السمندل أو صبر الفراش.
يا هذا، الاحتراق على قدر الاشتياق لما اشتد شوق الفراش إلى النار، تعجل احتراقه وهجم يبتغي الوصال فصال عليه المحبوب:
لاذ بهم يشتكـي جـواه فلم يجد في الهوى ملاذا
ولم يزل ضارعاً إليهـم تهطل أجفـانـه رذاذا
فقـربـوه فـحـادثـوه وأتلفوه فـكـان مـاذا
لما علم المحبون أن الصبر محبوب شمروا لحمل البلاء، ثم حلى لهم فعدوه نعمة.
سقمي في الحب عافيتـي ووجودي في الهوى عدمي
وعذاب تـرتـضـون بـه في فمي أحلى من النعـم
كان الربيع بن خيثم يقول في شدة مرضه، ما أحب أن الله نقصني منه قلامة ظفر.
مرض الحب شفائي في الهوى كلما أكربـنـي طـربـنـي
فبقائي مـن فـنـائي فـيكـم وسروري منكم في حـزنـي
وشربتم بوصال مـهـجـتـي وأنا منـتـظـر لـلـثـمـن
كيف أرجو البرء من داء الهوى وطبيبي في الهوى أمرضنـي
وإذا البلوى أفـادت قـربـكـم فمن النعمى دوام الـمـحـنِ
أخواني، لسنا من رجال البلاء فسلوا الله العافية، يضيق الخناق على المحب ويمنع من التنفس، لئن قلت آه لأمحونك.
الحب يقول لا تشع أسـراري والدمع يسيل هاتكاً أستـاري
فالشوق يزيدني على المقـدار وأناري إذن من الهوى وأناري
?الفصل الحادي والثمانون
يا من أنفاسه عليه معدودة وأبواب التقى في وجهه مسدودة، وأعماله بالرياء والنفاق مردودة، غير أن محبة التفريط معه مولودة:
حياتك أنفاس تـعـد فـكـلـمـا مضى نفس منها انتقصت به جزءا
فتصبح في نقص وتمسي بمثـلـه أمالك معقول تـحـس بـه رزءا
يمينك ما يحييك فـي كـل سـاعة ويحدوك حاد ما يريد بك الهـزءا
كم أسرعت فيما يؤذي دينك ودأبت? كم خرقت ثوب إيمانك وما رأبت? كم فرقت شعب قلبك وما شعبت? كم فاتك من خير وما اكتأبت? يا كاسب الخطايا بئس ما كسبت، جمعت جملة من حسناتك ثم اغتبت، وحصن دينك ثلمت لما ثلبت، وأنت الذي بددت ما حلبت، إن لاح لك أخوك عبته وإن لاحى سببته.
يا عقرب الأذى كم لدغت? كم لسبت? تعلم أن مولاك يراك وما تأدبت? تؤثر ما يفنى على ما يبقى ما أصبت، تصبح تائباً فإذا أمسيت كذبت، تمشي مع اليقين فإذا قاربت انقلبت، تعمر ما لا يبقى وما يبقى خربت، تأنس بالدنيا وغرورها وقد جربت كأنك بك في القبر تبكي ما كسبت، لقد حسبت حساباً كثيراً وهذا ما حسبت.
يا وادي الشيح كيف يقال لو أعشبت? يا هذا أكثر الأنعام عليك، كف كف فضول الدنيا عنك إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص، فاعلم أنه قد لطف بك لأن المنعم لم يقلصه عليك بخلاً أن يتمزق لكن رفقاً بالماشي أن يتعثر، أحرم عن الحرام بنزع مخيط الهوى لعل جذب القدر يقارن ضعف كسبك:
إن المقادير إذا ساعدت ألحقت العاجز بالحازم
يا تائهاً في فلات الغفلات، اعل بأقدام الذهن نشز الفكر تلح لك البلد، تركب البحار في طلب الدنيا فإذا أمرت بخير، قلت إن وفقني، أصم الله سمع الهوى فما يسمع إلا ما يريد.
يا ملولاً كـلـمـا ثقف بالعذل التوى
عنتا تطلـب فـي فالوذج الهوى نوى
ما أحسن قولك، وما أقبح فعلك، كم يشكو حزيران? نطقك من كانون عزمك، ويحك، بادر در الأرباح ما دام ينثر، فسينادي عن قليل "يا سماء أقلعي" أتحسب تحصيل المعالي سهلاً? نيل سهيل أسهل من أدلج في ليل الصبر فات المكاس، يا من يتعب في التعبد ولا يجد له لذة، أنت بعد في سواد البلد اخرج إلى البادية تجد نسيم نجد، الاعتبار عندنا بالأعمال القلبية، غلبت حرارات الخوف قلب داود فصار كفه كيراً "وألنَّا له الحديد" وقويت روحانية محمد فنبع الماء من بين أصابعه:
لولا مدامع عشاق ولوعتـهـم لبان في الناس عز الماء والنار
فكل نار فمن أنفاسهم قدحـت وكل ماء فمن طرف لهم جار
أيها المصلي طهر سرك قبل الطهور، وفتش على قلبك الضائع قبل الشروع، حضور القلب أول منزل فإذا نزلته انتقلت إلى بادية العمل، فإذا انتقلت عنها أنخت بباب المناجى، وأول قرى ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب، وكيف يطمع في دخول مكة منقطع قبل الكوفة، همك في الصلاة متشبث، وقلبك بمساكنة الهوى متلوث، ومن كان متلطخاً بالأقذار لا يغلف، ادخل دار الخلوة لمن تناجي واحضر قلبك لفهم ما تتلو ففي خلوات التلاوة تزف أبكار المعاني، إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم "اُخرُج عليهِنّ" استغرقت إحساس الناظرات "فقطَّعنَ أيديَهُنّ" فكيف بالباب علقت? فعقلت على الباب?
لها بوجهك نور تستـدل بـه ومن نوالك في أعقابها حـاد
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لو أحببت المخدوم لحضر قلبك في الخدمة، ويحك، هذا الحديد يعشق المغناطيس فكيف ما التفت التفت، إن كنت ما رأيت هذا الحجر فانظر إلى الحرابى تواجه الشمس، فكيف مالت قابلتها.
للشريف الرضي:
وإني إذا اصطكت رقاب مطيكم وثَوَّر حادٍ بالرفـاقِ عـجـول
أخالف بين الراحتين على الحشى وأنظرُ أنّى مُـلـتـم فـأمـيل
قيل لعامر بن عبد قيس أما تسهو في صلاتك? قال: أو حديث أحب إلي من القرآن حتى أشتغل به، هيهات! مناجاة الحبيب تستغرق الإحساس. كان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته ولقد انهدمت ناحية من المسجد فزع لها أهل السوق فما التفت. وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علماً منهم أن قلبه مشغول، وكان يقول في مناجاته: إلهي، متى ألقاك وأنت عني راضي?
إذا اشتغل اللاهون عنك بشغلـهـم جعلت اشتغالي فيك يا منتهى شغلي
فمن لي بأن ألقاك في ساعة الرضا ومن لي بان ألقاك والكل لي من لي
كان الفضيل يقول أفرح بالليل لمناجاة ربي وأكره النهار للقاء الخلق.
الموت ولا فراق مـن أهـواه هذي كبدي تذوب من ذكـراه
ما أشوقني له متـى ألـقـاه ما مقصودي من المنى إلا هو
كان أبو يزيد يقول: وددت أن الله تعالى جعل حساب الخلق علي، قيل لماذا? قال: لعله يقول في خلال ذلك يا عبدي فأقول: لبيك، ثم ليصنع بي ما شاء.
هل الطرف يعطي نظرة من حبيبه أم القلب يلقى روحة من وجيبـه
وهل لليالي عطفة بـعـد نـفـرة تعود فيلهى ناظر عن غـروبـه
أحنُّ إلى نور اللوى في بطـاحـه وأظمأ إلى ريا اللوى في هبوبـه
وذاك الحمى يغدو عليلاً نسـيمـه ويمسي صحيحاً ماؤه في قلـيبـه
هو الشوق مدلول على مقتل الفتى إذا لم يعد قلباً بلـقـيا حـبـيبـه
يا واقفاً في صلاته بجسده والقلب غايب، ما يصلح ما بذلته من التعبد مهراً للجنة فكيف ثمناً للجنة، رأت فأرة جملاً فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصل إلى باب بيتها وقف ونادى بلسان الحال: إما أن تتخذي داراً يليق بمحبوبك أو محبوباً يليق بدارك، خذ من هذه إشارة إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك أو تتخذ معبوداً يليق بصلاتك.
الفصل الثاني والثمانون
عجباً لمن رأى فعل الموت بصحبه ثم ينسى قرب نحبه، واستبداله ضيق المكان بعد رحبه من لم ينتبه بوكزه فسينتبه بسحبه:
ما لبني الدنـيا غـدوا أهل ضلال وغـمـه
بصيرهم من جهـلـه كأنه حلـف كـمـه
أنـت مـقـيم سـائر فلا تقل لـم ولـمـه
ولا تـكـلـم أحــدا في غير بر كلـمـه
فكل معطـى مـهـل أوقاته منـصـرمـه
ولا تدوم لـلـفـتـى شؤونه المنتـظـمـه
يأتي على الأرض مدى وما عليها نـسـمـه
ضاق رحب العمر عن حاجاتنا المزدحـمـه
أين الأقران وأين سلكوا? تالله لقد فنوا وهلكوا ، اجتمع الأضداد في الألحاد واشتركوا، وخانهم حبل الأمل بعدما امتسكوا، ونوقشوا على ما خلفوا وتركوا وصار غاية الأماني أن لو تركوا، تالله لقد سعد من تدبر وسلم من الأذى من تصبر، وهلك مؤثر الحرى وأدبر فكأنكم بالفراق يا ركاب المعبر، يا نائماً في لهوه وما نام الحافظ لاحظ نور الهدى فلا حظ إلا للاحظ، ولا تغتر ببرد العيش فزمان الحساب قائظ، يا مدبراً أمر دنياه ينسى أخراه فخفف النداء اللافظ، وعجائب الدهر تغني عن وعظ كل واعظ، يا من رأينا يد التفريط قد ولعت به فأتينا للومه ولعتبه أما مصير السلف نذير الخلف، أما مهد الطفل عنونا اللحد. يا من لمع له سارب الأمل فبدد ماء الاحتياط أتراك ما علمت أن الأماني قمار. مد نهر الهوى وقلبك على الشاطئ، فمر به صم مسح اليقظة فصممت على الزلل أكل الزمان "وهم بها" أما تقع في يوم "واستعصم" الورع عن الذنوب، يوجب قوة قلبية. قال بعض السلف: ارتكبت صغيرة فغضب علي قلبي فلم يرجع إلي إلا بعد سنة، أخواني: إطلاق البصر سيف يقع في الضارب:
يا للرجال لنظرة سـفـكـت دمـاً ولحادث لم ألفه مسـتـسـلـمـا
وأرى السهام تؤم من يرمي بـهـا فعلام سهم اللحظ يصمي من رمى
المحرمات حرم ونظر المملوك إلى حرم المالك، من أقبح الخيانة، يا بني آدم تلمحوا تأثير "وعصى" لقمة أثرت إن عثرت، فعرى المكتسي ونزل العالي وبكى الضاحك، وقام المترفه يخدم نفسه فاشتد بكاؤه فنزل جبريل يسليه فزاد برؤيته وجده. للشريف الرضي:
رأى على الغور وميضاً فاشتاق ما أجلب البرق لمـاء الآمـاقْ
ما للوميض والفؤاد الـخـفَّـاقْ قد ذاق من بين الخليط مـا ذاقْ
داء غارمٍ ما لـه مـن إفـراقْ قد كَلَّ آسيهِ وقـد مـلَّ الـراقْ
قلبي وطرفي من جوى وإملاق في غرق ما ينقضي وإحـراقْ
يا ناقَ أداك الـمـؤدي يا نـاقْ ماذا المقام والفـؤاد قـد تـاقْ
هل حاجة المأسور إلا الإطلاق
كان آدم كلما عاين الملائكة تصعد إلى السماء وجناحه قد قص زاد قلقه.
وأصبحت كالبازي المنتـف ريشـه يرى حسرات كلمـا طـار طـائرا
يرى خارقات الجو يخرقن في الهوى فيذكر ريشاً من جنـاحـيه وافـرا
وقد كان دهراً في الرياض منعـمـاً على كل ما يهوى من الصيد قـادرا
إلى أن أصابته من الدهـر نـكـبة فأصبح مقصوص الجناحين حاسـرا
أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون عند فراقهم الزمن:
ولم يبق عندي للهوى غـير أنـنـي إذا الركب مروا بي على الدار أشهق
كانت الملائكة إذا نزلت إليه، استنشق ريح الوصال من ثياب الواصلين وتعرف أخبار الديار من نسمات القاصدين:
خبراني عن العقيق خبيراً أنتما بالعقيق أحدث عهدا
يا ناقضي العهود دوموا على البكاء فمن أشبه أباه فما ظلم.
كانت عابدة من أحسن النساء عيناً فأخذت في البكاء فقيل لها: تذهب عيناك، فقالت: إن يكن لي عند الله خير فسيبدلني خيراً منهما وإن تكن الأخرى فوالله لا أحزن عليهما.
للمتنبي:
قد علّمَ البينُ منا البينَ أجفـانـا تدمَى وألفَ في ذا القلب أحزانا
قد أشفق من دمعي على بصري فاليوم كل عزيز بعدكم هـانـا
تُهدي البوارق أخلافَ المياه لكم وللمحبِّ من التذكار نـيرانـا
من سعى إلى جناب العز بأقدام المسكنة، ووقف بباب الكرم على أخمص المسألة، ووصف ندمه على الذنب بعبارة الذل لم يعد بالخيبة.
ملكتم قلبـي فـمـا لي عنكم مصـرف
فودكم منـه مـكـا ن كبدي أو الطـف
فلا برى وجدي بكم ولا أفاق الشغـف
لست وإن اعرضتـم أيأس من أن تعطفوا
وصبر يعقوب معي حتى يعود يوسـف
يا معاشر المذنبين اسمعوا وصيتي، إذا قمتم من المجلس فادخلوا دار الخلوة وشاوروا نصيح الذكر وحاسبوا شريك الخيانة وتلمحوا تفريط التواني في بضاعة العمر، ويكفي ما قد مضى فليحذر العور الحجر، إذا نفى خاطر المذكر من ذل هوى، وصفى معين معنى كلامه من كدر طمع، انكشف الغشاء عن عينه فرأى بالفطنة موضع قطنة مرهم العافية فربى حشائش الحكم وركب فيها معاجين الشفاء ففتحت سدد الكسل واستفرغت أخلاط الشواغل، فأما مجتلب الدنيا بنطقه فإنه كلما حفر قليب قلبه فأمعن، لاستنباط معنى، طم الطمع إذا صدر العلم من عامل به كان كالعربية ينطق بها البدوي، وأحلى أبيات الشعر ما خرج عن أبيات الشعر جمعت بين الكتاب والسنة ففتحا لي هذه المغاني فهي تنادي السامعين: ولدت من نكاح لا من سفاح، ومن جمع بين الجهل والبدعة هذى الهذيان فكلامه في مرتبة ابن زانية، إذا فتحت الوردة عينها رأت الشوك حولها فلتصبر على مجاورته قليلاً فوحدها تجتني وتقبل، واعجباً لألفاظي وعملها بطل السحر عندها كل المذكرين رجالة وأنا فارس أخرج إلى المعاني في كمين فأصيدها لا بأحبولة إذا حضرت ملكت العيون، وإذا غبت استرهنت القلوب.
للمهيار
طرفُ نجدية وظرفُ عراقي أي كاس يديرهـا أيّ سـاق
سنحت والقلوبْ مطلقةٌ ترعى وثابت وكلهـا فـي وثـاق
لم تزل تخدع العيونَ إلـى أن عَلَقَتْ دمعةً على كل مآق
الفصل الثالث والثمانون
إخواني: أعجب العجائب أن النقاد يخافون دخول البهرج في أموالهم والمبهرج آمن، هذا الصديق يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وهذا عمر، يقول: يا حذيفة هل أنا منهم? والمخلط على بساط الأمن:
الـنـاسـكـون يحـاذرو ن وما بـسـيِّئةٍ ألـمّـوا
كانوا إذا رامـوا كـلامـاً مطلقاً خطـمـوا وزمـوا
إن قيلت الـفـحـشـاء أو ظهرت عموا عنها وصموا
فمضوا وجاء مـعـاشـر بالمنكرات طموا وطمـوا
ففـم لـطـعـم فـاغـر ويدٌ علـى مـالٍ تـضـمُّ
عدلوا عن الحسن الجمـيل وللخنـا عـمـدوا وأمـوا
وإذا هـم أعـيتـهـــم شنعاؤهم كـذبـوا وأمـوا
فالصدر يغلـي بـالـهـوا جس مثل ما يغلي المحـم
لله درّ أقوام شغلهم حب مولاهم عن لذات دنياهم، اسمع حديثهم إن كنت ما تراهم، خوفهم قد أزعج وأقلق، وحذرهم قد أتلف وأحرق، وحادي جدهم مجد لا يترفق، كلما رأى طول الطريق نص وأعنق، وكيف يحسن الفتور? وأوقات السلامة تسرق دموعهم في أنهار الخدود تجري وتتدفق، يشتاقون إلى الحبيب إليهم أشوق، يا حسنهم في الدجى ونورهم قد أشرق، والحياء فائض والرأس قد أطرق، والأسير يتلظى ويترجى أن يعتق، إذا جاء الليل تغالب النوم والسهر، والخوف والشوق في مقدم عسكر اليقظة والكسل والتاني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الصبر حمل على القيام فانهزمت جنود الفتور، فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان، سفر الليل، لا يطيقه إلا مضمر المجاعة، النحائب في الأول وحاملات الزاد في الأخير، قام المتهجدون على أقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمان ضاع في غير الوصال:
سقوا بمياه أعينـهـم هناك الضال والرندا
يا نفاس كبرق فـي أنين يشبه الرعـدا
إن ناموا توسدوا أذرع الهمم وإن قاموا فعلى أقدام القلق، لما امتلأت أسماعهم بمعاتبة كذب من ادعى محبتي فإذا جن الليل نام عني، حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على وسـنـي
ما زالت مطايا السهر تذرع بيد الدجى، وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل، وحادي العزم يقول في إنشاده: يا رجال الليل جدوا إلى أن نم النسيم بالفجر. فقام الصارخ ينعي الظلام فلما هم الليل بالرحيل، تشبثوا بذيل السحر.
فاستوقف العيس لي فإن علي خلب فؤادي تشد أرحلـهـا
إن دثرت دارها فما دثـرت منازل في القلوب تنزلـهـا
قال علي بن بكار، منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، لو قمت في السحر لرأيت طريق العباد قد غص بالزحام، لو وردت ماء مدين وجدت عليه أمة من الناس يسقون:
بانوا وخلفت أبكي في ديارهم قل للديار سقاك الرائح الغادي
وقل لأظعانهم حييت من ظعن وقل لواديهم حييت مـن واد
يا بعيداً عنهم يا من ليس منهم أليس لك نية في لحاقهم? أسرج كميتك، واجرر زمامك، يقف بك على المرعى، يا من يستهول أحال القوم تنقل في المراقي تعل. قال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك.
ما زلـــتُ أُضـــحـــكُ إبـــلـــي كـــلـــمــا نـــظــــرت إلـــى مـــن اخـــتـــضـــبــت أخـــفـــافـــهـــا بــدمــي
من اقـــتـــضـــى بـــســـوي الــهــنــدي حـــاجــتـــه أجـــاب كـــل ســـــؤال عـــــن هـــــــل بـــــلــم

للخفاجي:
ثورها ناشـطة عـقـالـهـا قد ملأت من بدنها جلالـهـا
فلم تزل أشواقه تسـوقـهـا حتى رمت من الوجي رحالها
ما ذا على الناقة من غـرامة لو أنه أنصف أو رثى لـهـا
أراد أن تشرب ماء حـاجـر أريها تطلـب أم كـلالـهـا
إن لها على الـقـلـوب ذمة لأنها قد عرفت بلـبـالـهـا

وما عليهم سـهـري ولا رُقـادي لـهـمُ
وهل سماتُ الحـبِّ إلاّ سهـرٌ وسـقـمُ
خذ أنت في شـأنـكَ يا دمعي وخلي عنهم
كان بشر لا ينام الليل ويقول أخاف أن يأتي أمر وأنا نائم:
رقد الُّـمّـارُ وأرّقـه همٌّ لـلـبـين يردده
فبكاه النجمُ ورقَّ لـه مما يرعاه ويرصـده
وغداً يقضي أو بعد غدٍ هل من نظرٍ يتزوّده
يهوى المشتاق لقاءكم وصروف الدهر تقيده
بقي بشر خمسين سنة يشتهي شهوة، فما صفا له درهم، وبضائع أعماركم كلها منفقة في الشهوات من الشبهات، أبشروا بطول المرض يا مخلطين:
وا ويلاه من ضياع كل العـمـر قد مرَّ جميعه بمر الـهـجـر
ضاعت حيلي وضلَّ عني صبري يا قوم عجزت من تلافي أمري
يا من فاتوه وتخلف بل ثراهم من دمع الأسف.
دع شأنَ عينيكَ يا حزين وشأنَهـا وضع اليدين على الحشا وتململ
هذا وإن فراقهـم ولـقـل مـا يُغني وقوفك ساعة في المنزل
جز بنادي المحبة وناد بالقوم تراهم كالفراش تحت النيران.
للشريف الرضيّ:
يا دارُ من قتلَ الهوى بعدي وجدوا ولا مثلَ الذي عندي
لو حرّكتْ ذاكَ الرّمـادّ يدٌ لرأت بقايا الجمر والوَقـدِ
تشتد عليهم نار الخوف فيشرفون على التلف، لولا نسيم بذكراهم يروحني، ينبسطون انبساط المحب، ثم ينقبضون انقباض الخائف، هذا اللينوفر ينشر أجنحة الطرب في الدجى، فإذا أحس بالفجر جمع نفسه واستحى من فارط فإذا طلعت الشمس نكس رأسه في الماء خجلاً من انبساطه:
أباسطه علـى جـزع كشرب الطائر الفزع
رأى ماءً فأطمـعـه وخاف عواقب الطمع
فصادف فرصة فدنـا ولم يلتذ بـالـجـرع
كلما جاء كلامي صعد، كلما زادت الوقود فاحت ريح العود، أفيكم مستنشق? أو كلّكم مزكوم? إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن، باح مجنون عامر بهواه.
وما بحت حتى استنطق الشوق أدمعي وأذكرني عهد الحمى المـتـقـادم
أتجدون يا إخواني ما أجد من ريح النسيم?
ألا يا نسيم الريح مالك كلـمـا تجاوزت ميلاً زاد نشرك طيبا
أظن سليمى خبرت بسقامـنـا فأعطتك ريّاها فجئت طبيبـا
الفصل الخامس والثمانون
يا من كل يوم يقدم إلى القبر فارط، لا تغتر بالسلامة فربما قبض الباسط، انهض للنجاة بقلب حاضر وجأش رابط، قبل أن يلقيك على بساط العجز خابط، ونفس النفس تخرج من سم إبرة خائط.
قل للمؤمل إن المـوت فـي أثـرك وليس يخفى عليك الأمر من نظـرك
فيمن مضى لك إن فكرت معتـبـر ومن يمت كل يوم فهو مـن نـذرك
دارٌ تسافر عنها مـن غـدٍ سـفـراً فلا تؤب إذا سافرت مـن سـفـرك
تضحي غداً سمراً للذاكـرين كـمـا صار الذين مضوا بالأمس من سمرك
إخل بنفسك في دار المعاتبة، واحضرها دستور المحاسبة وارفع عليها سوط المعاقبة وإن لم تفعل خسرت في العاقبة:
خلقت جسماً ثرياً ثم زرت ثـرى فصرت خطاً وطالت مدة فمحى
قف بالمنازل من عادٍ وغيرهـم فما ترى ثم من شخصٍ ولا شبح
كلٌّ مُجازى بما أسداهُ من حسـن وسيء فاهجر السوء آت وانتزح
لقد وعظك أمس واليوم وأنت من سنة إلى نوم ، أين العشائر? أين القوم? اشتراهم البلى بلا سوم، لا فطر عندهم ولا صوم، بلى بلابل العتاب واللوم هذا رشاش الموج ينذر بالعوم ويخبر بالحادثات أشمامها والروم.
اغتنم صفو الليالـي إنما العيش اختلاس
تلبس الدهر ولكـن متعة ذاك اللبـاس
يا جامع الحطام ولا يدري ما جنى، كلما نقض الواعظ أصلاً من حرصك بنا، بادر الفوت فإن الموت قد دنا، هذا يشير القبول: إياك عني النثار كثير فما هذا الوقوف والونى? أمدد يد الصدق وقد نلت المنى، هذه الخيف وهاتيك منى، أما تهزك هذه المواعظ? أيها المهزوز أما يوقظك الصريح? ولا المرموز أما كل وقت عود الهلاك? مغموز أما كل ساعة غصن? مقطوع ومحزوز، أما تراهم بين مدفوع وموكوز كل أفعالك إذا تأملت ما لا يجوز، أين أرباب القصور? أين أصحاب الكنوز? هلك القوم وضاع المكنوز وحيز في حفرة البلى من كان للمال يحوز، بينا تغرهم الإناءة وقعت النواة في الكوز أين كسرى أين قصير أين فيروز? عروا عن الأكفان وما كانوا يرضون الخزوز، وأبرز الموت أوجهاً عز عليها البروز، وساوى بين العرب والعجم والنبط والخوز، ونسخ بحسرات الرحيل لذات النيروز، وكشف لهم نقاب الدنيا فإذا المعشوقة عجوز، ما رضيت إلا قتلهم وكم تدللت بالنشوز، لقد أذاقتهم برد كانون الأول فأذاهم في تموز، وإنما قصدت غرورهم لتقتلهم في كالوز.
واعجباً، بحر الوجود قد جمع الفنون: العلماء جوهره، والعباد عنبره، والتجار حيتانه والأشرار تماسيحه والجهال على رأسه كالزبد، فيا من يجري به على هواه وهو عليه كالقفيا قف يا قفيا، كم تحضر مجلساً وكم تتردد? وكم تخوف عقبى الذنوب وكم تهدد? يا من لا يلين لواعظ وإن شدد، يا راحلاً عن قريب ما عليها مخلد، تلمح قبرك لا قصرك المشيد وتعلم أن المطلق إذا شاء قيد، أترى تقع في شركي? فإني جئت أتصيد، يا من يسأل عن مراتب الصالحين مالك ولها? تساوم في راحلة وما تملك ثمن نعل تجمع من جوانب الحافات خبازى وتريد أن تطعم أخضر، تطلب سهماً من الغنيمة وما رأيت الحرب بعينك.
يحاول نيل المجد والسيف مغمد ويأمل إدراك العلى وهو نائم
البلايا تظهر جواهر الرجال، وما أسرع ما يفتضح المدعي.
تنام عيناك وتشكو الهوى لو كنت صباً لم تكن نائما
رأى فقير في طريق مكة امرأة فتبعها فقالت: مالك? فقال: قد سلب حبك قلبي. قالت: فلو رأيت أختي? فالتفت فلم ير أحداً. فقالت: أيها الكاذب في دعواه، لو صدقت ما التفت:
والله لو علمت روحي بمن علقـت قامت على رأسها فضلاً عن القدم
إذا كنت تشتغل اليوم عنا بسوداء فكيف تذكرنا إذا أعطيناك الحور? يا مؤثراً ما يفنى على ما يبقى هذا رأى طبعك هلا استشرت عقلك لتسمع أصح النصائح، من كان دليله البوم كان مأواه الخراب، ويحك، اعزم على مجنون هواك بعزيمة فرب شيطان هاب الذكر، تلمح غب الخطايا لعله يكف الكف، لا تحتقرن يسير الطاعات فالذود إلى الذود إبل، وربما احتبج إلى عويد منبوذ، لا تحتقرن يسير الذنب فإن العشب الضعيف يفتل منه الحبل القوي فيختنق به الجمل المغتلم أو ما نفذت في سدسبا? حيلة جرد من عرف شرف الحياة اغتنمها، من علم أرباح الطاعات لزمها، العمر ثوب ما كف، والأنفاس تستل الطاقات، كم قد غرقت في سيف سوف، سفينة نفس.
يا هذا، أنت أجير وعليك عمل فإذا انقضى الشغل فالبس ثياب الراحة، قال رجل لعامر بن عبد قيس: كلمني فقال: أمسك الشمس. دخلوا على الجنيد عند الموت وهو يصلي فقيل له في هذا الوقت? فقال الآن تطوى صحيفتي:
حثوا المطى فهذه نجـد بلغ المدى وتجاوز الحد
يا حبذا نجد وساكـنـه لو كان ينفع حبذا نجـد
يا ديار الأحباب أين السكان? يا منازل العارفين أين القطان? يا أطلال الوجد أين? أين البنيان?
تعاهدتك العهاد يا طـلـل خبر عن الظاعنين ما فعلوا
فقال ألا اتبعـتـهـم أبـدا إن نزلوا منزلاً وإن رحلوا
تركت أيدي النوى تقودهـم وجئتني عن حديثهم تسـل
رحل القوم يا متخلف وسبقوك بالعزائم يا مسوف، فقف على الآثار وقوف متلهف، وصح بالدمع سر يا متوقف.
للشريف الرضي:
يا قلب جدد كـمـدا فموعد البـين غـدا
لم أر فرقاً بعـدهـم بين الفراق والردى
يا زفرةً هـيجـهـا حاد من الغور حدا
أرعى الحُمول ناظراً أو أُلزم القلـبَ يدا
وأطرد الطرف على آثارهم ما انطـردا
مذ أوقدوا بأضلعـي حر الجوى ما بـردا
ومذ إذا أبوا ماء عيني للأسى ما جـمـدا
كنتُ أداوي كـبـدي لو تركوا لي كبـدا
الفصل السادس والثمانون
أخواني: المفروح به من الدنيا هو المحزون عليه، وبقدر الالتذاذ يكون التأسف، ومن فعل ما شاء لقي ما ساء.
مال ما كان المنى ما آلمـا صار ما أوصلته قد صارما
بينما أضحك مسـروراً بـه سال ماء العين إذا ما سالما
الدنيا فلاة فلا تأمن الفلاة، بل تيقن أنها مارستان بلا، ولا تسكن إليها وإن أظهرت لك الولا، على أنها تخفض من علا، فلينظر الإنسان يمنة فهل يرى إلاّ محنة? ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة? أما الربع العامر فقد درس وأما أسد الممات ففرس وأما الراكب فكبت به الفرس وأما الفصيح فاستبدل الخرس وأما الحكيم فما نفعه إن احترس، ساروا في ظلام ظلمهم ما عندهم قبس ووقفت سفينة نجاتهم لأن البحر يبس، وانقلبت دول النفوس كلها في نفس وجاء منكر بآخر نبأ، ونكير بأول عبس أفلا يقوم لنجاته? من طال ما جلس.
آه، لنفس رفلت من الغفلة في أثوابها فثوى بها الأمر إلى عدم ثوابها، آه لعيون أغشاها الأمل فسرى بها إلى سرابها، آه، لقلوب قلبها الهوى عن القرآن إلى أربابها فربا بها، آه لمرضى علم الطبيب قدر ما بها، وقد رمى بها، لأبي العتاهية:
يا نفس ما هو إلا صـبـر أيام كأن مدتها أضغـاث أحـلامِ
يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة وخل بها فإن العيش قدامـي
يا مغرورين بحبة الفخ ناسين خنق الشرك، تذكروا فوات الملتقط مع حصول الذبح "فلا تغرَّنَّكُم الحياة الدنيا" الحذر الحذر من صياد يسبق الطير إلى مهابطه بفخاخ مختلفة الحيل، قدروا أنكم لا ترون خيط فخة، أما تشاهدون ذبائحه? في خيط "كما أخرج أبَوَيْكُم من الجنة".
للشريف الرضي:
يا قلب كيف علقت في أشراكهم ولقد عهدتك تفلت الأشـراكـا
لا تشكون إلى وجدا بـعـدهـا هذا الذي جرَّتْ علـيك يداكـا
ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهولة العاقبة، وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنه. وفيه حبات:
فإن حننت للحمى وطـيبـه فبالغضا ماء وروضات أخر
واعجباً أن يكون حامل الكتاب من الطير أقوى عزيمة منك، لعل وضعك على غير الاعتدال، الخلق يدل على الخلق، لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة الوافية إلا لنفس نفيسة، لا يصلح لحمل الرسائل إلا الطير الأخضر أو الأنمر، لأنه إذا كان أبيض، كان كالغلام الصقلاني، والصقلاني فطير خام لم ينضج في محل الحمل، وإذا كان الطائر أسود دل على مجاوزة حد النضج إلى الاحتراق، فإن اعتدل اللون دل على نفاسة النفس وشرف الهمة، فحينئذٍ يعرف الطائر سر الجناح فيقول بلسان الحال: عرفوني الطريق بتدريج ثم حمّلوني ما شئتم، فإذا أدرج فعرف حمل فحمل فصابر الغربة. ولازم بطون الأودية وسار مع الفرات أو دجلة فإن خفيت الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتراه مع شدة جوعه يحذر الحب الملقى خوفاً من دفينة فخ، يوجب تعرقل الجناح وتضييع المحمول فإذا بلغ الرسالة، أطلق نفسه في أغراضها داخل البرج.







يحيى الحكمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:25 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس بالضرورة تمثل رأي المنتدى